تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَـٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (71)

{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 71 ) وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( 72 ) } .

المفردات :

أولياء : جمع ولي وهو المحب .

التفسير :

بعد أن بين القرآن سوء حال المنافقين والكفار في الدنيا والآخرة بين هنا حسن حال المؤمنين وجميل فعالهم ، وما يلقونه من جزاء في الآخرة . والقرآن بهذا يوازن بين كفتين ؛ لينزجر المنافق ويتوب العاصي ، ويزداد الذين آمنوا إيمانا .

71 – { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ . . . } .

إن التعاون بين أهل الإيمان من المؤمنين والمؤمنات كان معروفا من اليوم الأول للإسلام ، وكان قائما في ميادين الهجرة والجهاد والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ؛ فأخت عمر بن الخطاب أرشدته إلى الإسلام ، وأسماء بنت أبي بكر لها موقف في الهجرة ، وهناك بيعة تسمى : بيعة النساء ذكرها القرآن الكريم في الآية 12 من سورة الممتحنة ، وكانت النساء تشهد الجماعات والجمع والأعياء وتساهم في الجهاد ، وكن يسقين الماء ويجهزن الطعام ، ويحرضن على القتال ويرددن المنهزم من الرجال ، ويواسين الجرحى ويعالجن المرضى .

وقوله سبحانه : { بعضهم أولياء بعض } . فهم نصراء متوادون متحاربون ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " ترى المؤمنين في توادهم تراحمهم كمثل الجسد الواحد ؛ إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى " 110 .

وفي الحديث الصحيح أيضا : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " 111 . وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ، وقد ذكر سبحانه صفات المنافقين ، كما يأتي :

1 – بعضهم من بعض ؛ يقلد بعضهم بعضا ، بدون ولاء ولا محبة .

2 – يأمرون بالمنكر .

3 – ينهون عن المعروف .

4 – لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى .

5 – يقبضون أيديهم ويمسكون بها عن النفقة ، ولا ينفقون إلا وهم كارهون .

وفي الآية 71 من سورة التوبة نجد صفات المؤمنين كالآتي :

1 – { بعضهم أولياء بعض } ، يتولى بعضهم بعضا بما يعود عليهم بالخير ، في مقابل المنافقين بعضهم من بعض ، بدون ولاء .

{ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله . . . } .

2 – وهم يأمرون بالمعروف : وهو كل ما عرف عن الشرع حسنه .

3 – وهم ينهون عن المنكر : وهو كل ما عرف عن الشرع قبحه .

4 – وهم يقيمون الصلاة تامة الأركان في خشوع وخضوع .

5 – وهم يؤدون الزكاة خاصة لوجه الله .

6 – والمؤمنون والمؤمنات يطيعون الله ورسوله ، ويتركون ما نهيا عنه ؛ امتثالا وحبا وطاعة لله ورسوله .

{ أولئك سيرحمهم الله } .

أي : هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات ؛ تعهد الحق أن يشملهم برحمته ؛ وأن يسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة .

{ إن الله عزيز حكيم } .

فهو سبحانه قوي قاهر مالك الملك بيده الخلق والأمر ، وهو سبحانه حكيم في أعماله وفي تدبير أمر عباده على وفق العدل والحكمة والصواب فيخص المؤمنون بالجنة والرضوان ، ويخص المنافقين النار والعذاب والغضب .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَـٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (71)

ولما بين سبحانه أن المنافقين بعضهم من بعض وما توعدهم به وما{[36854]} استتبعه من تهديدهم بإهلاك من شابهوه ، وختم بما سبب هلاكهم من إصرارهم وعدم اعتبارهم ، عطف ببيان حال المؤمنين ترغيباً في التوبة طمعاً في مثل حالهم فقال : { والمؤمنون } { والمؤمنات } أي بما جاءهم عن ربهم { بعضهم أولياء } ولم يقل : من{[36855]} ، كما قال في المنافقين : من { بعض } دلالة على أن أحداً منهم لم يقلد أحداً في أصل الإيمان ولا وافقه بحكم الهوى ، بل كلهم مصوبون{[36856]} بالذات وبالقصد الأول إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدليل القطعي على حسب فهم كل أحد{[36857]} منهم ، فذلك دليل على صحة إيمانهم ورسوخهم في تسليمهم وإذعانهم ؛ ثم بين ولا يتهم بأنهم يد واحدة على من سواهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فقال : { يأمرون } أي كلهم على وجه التعاضد والتناصر { بالمعروف } وهو كل ما عرفه الشرع وأجازه { وينهون } أي{[36858]} كذلك { عن المنكر } لا يحابون أحداً .

ولما ذكر الدليل القطعي على صحة الإيمان ، أتبعه أفضل العبادات فقال : { ويقيمون الصلاة } أي يوجدونها{[36859]} على صفة تقتضي قيامها بجميع أركانها وشروطها وحدودها مراقبة لربهم واستعانة بذلك على جميع ما ينوبهم { ويؤتون الزكاة } أي مواساة منهم لفقرائهم صلة للخلائق بعد خدمة الخالق ، وذلك مواز لقوله في المنافقين { ويقبضون أيديهم } ولما خص أمهات الدين ، عم بياناً لأنهم لا ينسون الله طرفة عين بل يذكرونه في كل حال بقوله : { ويطيعون الله } أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه { ورسوله } إشارة إلى حسن سيرتهم وجميل عشرتهم .

ولما ذكر مكارم أفعالهم ، أتبعه حسن مآلهم فقال : { أولئك } أي العظماء الشأن { سيرحمهم الله } أي المستجمع لصفات الكمال بوعد لا خلف فيه ، وهذا مع الجملة قبله مواز لقوله في المنافقين { نسوا الله فنسيهم } وهو إشارة إلى أن الطريق وعر والأمر شديد{[36860]} عسر ، فالسائر مضطر إلى الرحمة ، وهي المعاملة بعد الغفران بالإكرام ، لا قدرة له على قطع مفاوز الطريق إلا بها ، ولا وصول له أصلاً من غير سببها .

ولما بين أن حال المؤمنين مبني على الموالاة {[36861]}وكانت الموالاة{[36862]} فقيرة إلى الإعانة قال : { إن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { عزيز } أي غالب غير مغلوب بوجه ، فهو قادر على نصر من يوالي حزبه وأن ينيله من ثمرات الرحمة ما يريد من غير أن يقدر أحد على أن يحول بينه وبين شيء من ذلك { حكيم* } أي فلا يقدر أحد على نقض ما يحكمه وحل ما يبرمه ، وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمنين لا يزالون منصورين على كل مفسد ما داموا على هذه الخلال من الموالاة وما معها من حميد الخصال .


[36854]:من ظ، وفي الأصل: لما.
[36855]:سقط من ظ.
[36856]:في ظ: مصونون.
[36857]:في ظ: واحد.
[36858]:زيد من ظ.
[36859]:في ظ: توجدونها.
[36860]:سقط من ظ.
[36861]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36862]:سقط ما بين الرقمين من ظ.