{ وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا ءال فرعون وأنتم تنظرون ( 50 ) وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون( 51 ) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون( 52 ) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون( 53 ) }
البحر : هو بحر القلزم ( البحر الأحمر ) فرقه الله اثني عشر فرقة بعدد أسباط بني إسرائيل .
السبط : ولد الولد وهو من بني إسرائيل مثل القبائل لدى العرب .
{ وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } .
واذكروا من نعمتنا عليكم نعمة فرق البحر بكم وانفصاله بعد اتصاله حين ضرب موسى بعصاه فجعلنا لكم فيه طرقا متعددة فولجتموها وسرتم فيها هربا من فرعون وجنده ، وبذلك تمت لكم النجاة وحصل الغرق لأعدائكم وقت أن عبروا وراءكم وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم بأمواجه مشاهدة لا لبس فيها ولا غموض . ولقد كان فيما رأيتم ما يدعو إلى الاتعاظ ويحمل على الشكر وعرفان الفضل لله العلي الكبير .
وأسند سبحانه فرق البحر إلى ذاته الكريمة ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه بعنايته سبحانه . وقوله تعالى : { فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون } . بيان للمنة العظمى التي امتن بها عليهم والتي ترتبت على فرق البحر ، لأن فرق البحر لهم ترتب عليه أمران :
ثانيهما : إهلاك عدوهم ، وكلاهما نعمة عظيمة .
وزعم بعض الناس أن عبور إسرائيل البحر كان وقت الجزر ، وفي بحر القلزم ( البحر الأحمر ) رقارق يتيسر للإنسان أن يعبر بها البحر إذا كان الجزر شديدا ، ولما أتبعهم فرعون وجنوده ورآهم عبروا البحر مشى في إثرهم وكان المد قد بدأ ولم يتم خروج بني إسرائيل إلا وقد علا المد وطغى حتى أغرق فرعون وجميع من معه ، وتحققت نعمة الله على بني إسرائيل ، وتم لهم التوفيق ولعدوهم الخذلان .
والأمر كما ترى معجزة إلهية ، ومنة من الله على بني إسرائيل بالعديد من النعم ، ويبعد أن يكون حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر ، وخاصة أن الآيات تفيد غرق فرعون وجميع من معه ، ولو كان حادثة طبيعية لفر من الغرق كثير من أتباع فرعون قبل تمام المد لأن مد البحر وجزره يتم تدريجيا .
وقال تعالى : { فأغرقناه ومن معه جميعا } . ( الإسراء103 )
وقال سبحانه : { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم } ( الذاريات 208 )
وقد صرحت آيات أخرى بأن فرق البحر كان بسبب ضرب موسى له بالعصا .
قال تعالى : { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون( 61 ) قال كلا إن معي ربي سيهدين( 62 ) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( 63 ) وأزلفنا ثم الآخرين( 64 ) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ( 65 ) ثم أغرقنا الآخرين } . ( الشعراء 61-66 )
وقد ألحق المفسرون كثيرا من الإسرائيليات بتفسير هذه الآية ، والقرآن الكريم غني عن هذه الإسرائيليات التي لا تنهض على دليل من العقل أو سند من النقل .
والإسرائيليات عموما تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : ما كان موافقا لما في القرآن والسنة الصحيحة فنقبله .
الثاني : ما كان مخالفا لما جاء في القرآن والسنة الصحيحة فنرفضه .
الثالث : ما جاء بأمر جديد ليس معنا دليل على صدقه أو كذبه فنتوقف في قبوله .
وقد فسر القرطبي هذه الآية ثم كتب عدة ملحقات بها منها ما يأتي :
القول في اختلاف العلماء في كيفية إنجاء بني إسرائيل :
( فذكر الطبري أن موسى عليه السلام أوحى إليه أن يسرى من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط ، وأحل الله ذلك لبني إسرائيل فسرى بهم موسى من أول الليل فعلم فرعون فقال لا يتبعهم أحد حتى يصيح الديكة فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك ، وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الإتباع مشرقين كما قال الله تعالى : فأتبعوهم مشرقين . ( الشعراء 60 ) .
وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه ، وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف ، وقيل إن فرعون اتبعه ألف ألف حصان سوى الإناث ، وقيل دخل إسرائيل ، وهو يعقوب عليه السلام مصر في ستة وسبعين نفسا من ولده إلى ولد ولده ، فأنمى الله عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيخ والذرية والنساء ، وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال : حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن عمروا بن ميمون عن عبد الله بن مسعود أن موسى عليه السلام حينما أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت ، ثم قال : لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع علي ستمائة ألف من القبط . قال : فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له : أفرق . فقال له البحر : لقد استكبرت ياموسى . . وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك . . فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر . فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم . ( الشعراء 63 ) . فكان فيه اثنا عشر فرقا لاثنى عشر سبطا لكل سبط طريق .
فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم فأغرقهم ، ويذكر أن البحر هو بحر القلزم .
وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب موسى البحر وكناه أبا خالد ( 139 ) ذكره ابن أبي شيبة ، أيضا ، وقد أكثر المفسرون من القصص في هذا المعنى وما ذكرناه كاف ( 140 ) .
( فصل ) ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ، ولم يذكر اليوم الذي كان فيه فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ماهذا اليوم الذي تصومونه ) فقالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى ، وأغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى شكرا ، فنحن نصومه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فنحن أحق وأولى بموسى منكم ) . فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بصيامه . وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( أنتم أحق بموسى منهم فصوموا )( 141 ) .
( فضيلة ) روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ) . أخرجه مسلم والترمذي ، وقال : لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال ( صيام يوم عاشوراء كفارة سنة ) إلا في حديت أبى قتادة ( 142 ) .
وقوله تعالى : وأنتم تنظرون جملة في موضع الحال ومعناه بإبصاركم فيقال إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم يغرقون وإلى أنفسهم ينجون ففي هذا أعظم المنة .
اعلم أن واقعة فلق البحر تضمنت نعما كثيرة على بني إسرائيل في الدين والدنيا ، أما نعم الدنيا فمن وجوه :
أولها : أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا في موقف حرج لأن فرعون وجنوده من ورائهم والبحر من أمامهم ، فإن هم توقفوا أدركهم عدوهم وأهلكهم وإن هم تقدموا أغرقوا فحصل لهم خوف عظيم جاءهم بعده الفرج بانفلاق البحر وهلاك عدوهم .
ثانيها : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة تكريما ورعاية لهم .
ثالثها : أنهم بإغراق فرعون وآله تخلصوا من العذاب وتم لهم الأمن والاطمئنان وذلك نعمة عظمى لأنهم لو نجوا دون هلاك فرعون لبقي خوفهم على حاله ، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلا لأنهم لا يأمنون شره ، فلما تم الغرق تم الأمان والاطمئنان لبني إسرائيل .
أولها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات لأن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى تقترب من العلم الضروري .
ثانيها : أنهم لما شاهدوا ذلك صار داعيا لهم على الثبات والانقياد لأوامر نبيهم .
ثالثها : أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله ، فإنه لا عز في الدنيا أكمل ممن كان لفرعون ، ولا ذل أشد مما كان لنبي إسرائيل ، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا ، والذليل عزيزا والقوي ضعيفا والضعيف قويا ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا ، ولإقبال كلية على اتباع أوامر الخالق عز وجل .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإذ فرقنا بكم البحر} وذلك أنه فرق البحر يمينا وشمالا كالجبلين المتقابلين كل واحد منهما على الآخر...
{وأغرقنا آل فرعون}، يعني أهل مصر، يعني القبط
{وأنتم تنظرون} أجدادهم يعلمون أن ذلك حق، وكان ذلك من النعم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"وَإذْ فَرَقْنا بكُمُ" فإنه عطف على: "وَإذْ نَجّيْناكُمْ" بمعنى: واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، وإذ فرقنا بكم البحر.
ومعنى قوله: "فَرَقْنا بِكُمْ": فصلنا بكم البحر، لأنهم كانوا اثني عشر سبطا، ففرق البحر اثني عشر طريقا، فسلك كل سبط منهم طريقا منها. فذلك فرق الله بهم جل ثناؤه البحر، وفصله بهم بتفريقهم في طرقه الاثني عشر.
" فأنْجَيْناكُمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ".
إن قال لنا قائل: وكيف أغرق الله جل ثناؤه آل فرعون، ونَجّى بني إسرائيل؟ قيل له:...خرج فرعون في طلب موسى... وخرج موسى، حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم، "فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنّا لَمُدْرَكُونَ" قال موسى: "كَلاّ إنّ مَعِي رَبي سَيَهْدِينِ" أي للنجاة، وقد وعدني ذلك ولا خلف لوعده... [ف] أوحى الله إلى البحر -فيما ذكر- إذا ضربك موسى بعصاه فانفلقْ له...فأوحى الله جل وعزّ إلى موسى: "أن اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ" فضربه بها -وفيها سلطان الله الذي أعطاه – "فانْفَلَقَ فَكانَ كُلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيمِ" أي كالجبل على يبس من الأرض. يقول الله لموسى: "اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا في البَحْرِ يَبَسا لاَ تَخافُ دَرَكا وَلا تَخْشَى"، فلما استقرّ له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده.
... ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال: "وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ"...
ويعني بقوله: "وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أي تنظرون إلى فَرْقِ الله لكم البحر وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه، وإلى عظيم سلطانه في الذي أراكم من طاعة البحر إياه من مصيره رُكاما فَلِقا كهيئة الأطواد الشامخة غير زائل عن حدّه، انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته، وهو سائل ذائب قبل ذلك. يوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حججه عليهم، ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم، ويحذرهم في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحلّ بهم ما حلّ بفرعون وآله في تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
تقاصرت بصائر بني إسرائيل، فأراهم المعجزات عياناً، ونفذت بصائر هذه الأمة فكاشفهم بآياته سراً، وبذلك جرت سُنَّتُه سبحانه، وكل من كان أشحذَ بصيرةً، كان الأمر عليه أغمض، والإشارات معه أوفر...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فَرَقْنَا} فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرئ: فرّقنا، بمعنى فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء؛ لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط.
فإن قلت: ما معنى {بُكْمٌ}؟ قلت: فيه أوجه: أن يراد أنهم كانوا يسلكونه، ويتفرّق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما. وأن يراد فرقناه بسببكم، وبسبب إنجائكم. وأن يكون في موضع الحال بمعنى فرقناه ملتبساً.
اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعما كثيرة في الدين والدنيا، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه،
(أحدها): أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر، فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك.
(وثانيها): أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى.
(وثالثها): أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو. (ورابعها): أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم.
(وخامسها): أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفا منهم، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقيا من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية.
(وسادسها): أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى: {وأنتم تنظرون}.
وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه:
(أحدها): أن قوم موسى لمشاهدة تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، فإن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق.
(وثانيها): أنهم لما عاينوا ذلك صار داعيا لهم إلى الثبات على تصديق موسى والانقياد له وصار ذلك داعيا لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون.
(وثالثها): أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا والذليل عزيزا، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور.
وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة:
(أحدها): أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوما من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه.
(وثانيها): أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة، فصار ذلك مرغبا لنا في الطاعة ومنفرا عن المعصية.
(وثالثها): أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزا إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر البتة، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
واعلم أن هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل، ومن الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى عليه الصلاة والسلام،
ثم إنهم بعد ذلك اتخذوا العجل وقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ونحو ذلك، فهم بمعزل في الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل: القرآن والتحدي به، والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم دقيقة تدركها الأذكياء، وإخباره عليه الصلاة والسلام عنها من جملة معجزاته...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكاً للرجال وإبقاء للنساء طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به فقال {وإذ} أي واذكروا إذ {فرقنا} من الفرق وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل -قاله الحرالي... {بكم} أي بسببكم عقب إخراجنا لكم من أسر القبط... {فأنجيناكم} من الإنجاء وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز- انتهى. ومن عجائب ذلك أنه كما كان الإنجاء منه كان به. قال الحرالي: وجعل البحر مفروقاً بهم كأنهم سبب فرقة، فكأن نجاتهم هي السبب وضرب موسى عليه السلام بالعصاة هي الأمارة والعلامة التي انفلق البحر عندها بسببهم، وجعل النجاة من بلاء فرعون تنجية لما كان على تدريج، وجعل النجاة من البحر إنجاء لما كان وحياً في سرعة وقت -انتهى.
جواهر التفسير للخليلي 2001 هـ :
وفيما يورده القرآن من هذه القصص إنذار للظالمين وتبشير للضعفاء المضطهدين، فإن المصير لا يختلف، والعاقبة لا تتبدل، ولكل أحد آتاه الله في الدنيا ما يراه ميزة لنفسه بين بني جنسه معتبر فيمن أهلك الله قبله من أمثاله، {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} [القصص: 78]، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 58]...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
[و] الهدف من تذكير بني إسرائيل بهذا الحدث الذي بدأ بخوف شديد وانتهى بانتصار ساحق، هو دفعهم للشكر وللسير على طريق الرسالة الإِلهية المتمثلة في دين النّبي الخاتم. كما أنه تذكير للبشرية بالإمداد الإِلهي الذي يشمل كل أُمّة سائرة بجد وإخلاص على طريق الله.
قوله : ( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم ( إذ في محل نصب على الظرفية الزمانية ، وفرقنا من الفرق بالفتح والسكون وهو يبعني فصل أبعاض الشيء ، والفرق بين الحق والباطل معناه الفصل بينهما ، وذلك كقوله سبحانه : ( فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ( والفرقان هو القرآن سمي بذلك ، لأنه يفرق أو يفصل بين الحق والباطل ومفرق الرأس وسطه الذي يفصل بين دفتي شعر الرأس ، وقوله : ( فرقنا ( هنا أي فصلنا البحر ، أو فلقناه بعضه عن بعض فلقا ، وذلك لكم أنتم با بني إسرائيل ، وعلى هذا فإن الباء في بكم تعني اللام كما قيل ، وقيل غير ذلك .
على أن قصة انفلاق البحر لبني إسرائيل وقائدهم موسى عليه السلام معروفة ومبينة في كتب التفسير بوضوح وإسهاب ، وكل الذي نبينه هنا أن بني إسرائيل بعد أن نجوا من سطوة فرعون ، وهربوا من ويله وسلطانه اتبعهم فرعون بجنوده المسخرين المستخفين ، وهم حشود كبيرة من الرجال الأشرار وذلك ليعيدهم إلى نفوذه وطغيانه ، ولقد ظل بنو إسرائيل هاربين واجفين مذعورين لا يلوون على شيء حتى بلغوا البحر فوقفوا بساحله واجمين حيارى لا يقدرون على شيء وكلما دنا منهم فرعون وجنوده ازدادوا هلعا وفرقا ، وغشيتهم غاشية مريعة من الخوف والاضطراب ، وهم في مثل هذا الموقف الموئس العصيب كانوا يجأرون بالصياح المستغيث في وجه موسى عليه السلام/ ليخلع عنهم هذا الخطر القائم المحدق ، الخطر الذي يوشك أن يسوقهم إلى الموت على يد فرعون وجلاديه المجرمين ، ثم جاء الفرج بعد ذلك فتمخض العسر عن أجلى يسر وتحولت بهم الحال إلى أسعد حال من السلامة والنجاة من خلال معجزة ربانية أجراها الله جلت قدرته على يد نبيه وكليمه موسى عليه السلام ، وفي مثل هذه الساعة المكروبة الحرجة يقول سبحانه : ( فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( فما أن ضرب موسى البحر بعصاه حتى انفلق ، فكانت فيه جملة طرق يابسة مذللة للمسير ، وكانت المياه تجف بالطريق من كلا الجانبين وكأنها الأطواد أي الجبال ، ومفردها الطود وهو الجبل ، أي أن جبالا من المياه الراكمة المجتمعة تتماسك على دفتي كل طريق وذلك بقدر من الله وبإرادته التي تخرق كل قانون مقدور والتي لا تحجبها نواميس الحياة والطبيعة .
هكذا كان يشير بنو إسرائيل من خلف قائدهم موسى خلال هذه الطرق الممهدة في وسط البحر وهم ينظرون عن يمين وشمال فيبصرون أطوادا من جبال من الماء واقفة بإذن الله من غير أن تميل عليهم فتغرقهم إغراقا ، وهم وسط ذلك كله سائرون آمنون ، وفي ذلك كله قوله سبحانه : ( ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يابسا لا تخاف دركا ولا تخشى ( .
لقد ضرب الله بني إسرائيل في البحر طريقا سهلا ممهدا يبسا ، لكي يسلكوا فيه آمنين مطمئنين لا يدركهم فيه عدو لاحق ، ذلك هو قرار الله الفاصل وهو أن يكتب لبني إسرائيل النجاة من طغيان فرعون ، ولا جرم أن يكون هذا الحدث الهائل مكرمة ربانية فذة تضاف إلى المكارم التي امتن الله بها على اليهود في زمانهم الغابر ، وهي مكارم ما أوتيت أمة في العالمين مثلها ليكون ذلك مظهرا من مظاهر التفضيل الذي حظي به أولئك القوم .
وبعد أن سلك بنو إسرائيل طريق النجاة في البحر أمر فرعون جنوده في حماقة وتغرير أن يتبعوهم فهلك وهلكوا جميعا ، ثم قذفه البحر ميتا بلا حراك صوب الساحل فسقط بذلك شيطان أكبر من شياطين الإنس المجرمين العتاة في هذه الدنيا .
ومن لطيف ما يكتب عن هذه القضية أن يهود لمن يصدقوا خبر فرعون وانه أدركه الغرق في البحر ، حتى لفظ أنفاسه ما كان اليهود ليصدقوا ذلك الخبر وهم لفرط الهلع الذي استحوذ عليهم ولفظاعة الفرق المرجف الذي أطار قلوبهم جميعا ما كانوا يستطيعون التصديق بأن فرعون قد مات حتى رأوا رأي العين فتثبتوا واطمأنوا لصحة الخبر .
لقد سقط هذا الجبار المتمرد الذي ساس الناس بالباطل بعد أن أزهق نفوسا كثيرة بغير حق طيلة حقبة من الزمن ، إلى أن كانت النهاية البشعة وهو يلقى مصيره من التغريق فيطرحه البحر صاغرا خاسئا ليراه الناس جثة هامدة وتبصره الأجيال جيلا بعد آخر ، وهو قابع مسجى حتى أيامنا هذه ، وفي ذلك يقول القرآن في فرعون وهو يكشف عن ظاهرة من ظواهر إعجازه ( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ( .