تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (27)

الاستئذان

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 27 ) فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 28 ) لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ( 29 ) } .

27

التفسير :

27 - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .

تستأنسوا : تستأذنوا ، إذ بالاستئذان يحصل أنس أهل البيت ، وبدونه يستوحشون ويشق عليهم الدخول .

تذكرون : تتعظون .

أدب الله عباده المؤمنين بآداب نافعة في بقاء الود وحسن العشرة ، ومن ذلك ألا يدخلوا بيوت غيرهم ، إلا بعد الاستئناس : وهو الاستعلام ، واستكشاف الحال هل يراد دخولهم أم لا .

وفسر بعضهم الاستئناس بالاستئذان ، وعند التدقيق نجد بين المعنيين فرقا لطيفا لا ينبغي أن يصرف النظر عنه ، فالاستئناس : تلمس الحالة النفسية ، والرغبة الوجدانية ، لأصحاب البيت ، ومن ذلك اختار الوقت المناسب ، واستخدام المسرة ( التليفون ) لتعرف الاستعداد لتقبل الضيف ، ورضاهم عن زيارته أم لا ، فالاستئناس أعم وأشمل من كلمة ( الاستئذان ) ، إن الاستئذان طلب الإذن بالدخول أو عدمه ، أما الاستئناس : فهو معرفة التهيؤ ومدى استعداد المزور للأنس بالزائر .

وقيل : الاستئناس ، الاستعلام ، ومعنى تستأنسوا : تستعلموا ، أي : تحاولون إعلام صاحب البيت بقدومكم ، قال مجاهد : بالتنحنح ، أو بأي وجه أمكن ، ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به ، ويدخل إثر ذلك .

وفي سنن ابن ماجة ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : قلنا : يا رسول الله ، هذا السلام ، فما الاستئناس ؟ قال : ( يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ، ويتنحنح ويؤذن أهل البيت )103 .

والسنة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها ، قال ابن وهب : قال مالك : الاستئذان ثلاث ، لا أحب أن يزيد أحد عليها ، إلا من علم أنه لم يسمع ، فلا أرى بأسا أن يزيد ، إذا استيقن أنه لم يسمع104 . وثبت في الصحيح : أن أبا موسى الأشعري ، حين استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له فانصرف ، ثم قال عمر : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ( يعني : أبا موسى ) يستأذن ؟ ائذنوا له ، فطلبوه فوجدوه قد ذهب ، فلما جاء بعد ذلك قال : ما أرجعك ؟ قال : استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي ، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له ؛ فلينصرف )105 .

ويتعلق بالاستئذان ما يأتي :

1 – ينبغي ألا ينظر ببصره في دار غيره إلا بإذنه . روى البخاري ، ومسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إنما جعل الاستئذان من أجل النظر )106 ، فخلوة الإنسان مكفولة له ، ورسائله وخطاباته لا يصح أن يقرأها أحد بدون إذنه .

روى أبو داود ، عن عبد الله بن عباس أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار )107 .

2 – إذا جاء إلى بيت قوم ليستأذن ، فينبغي ألا يقف حيال الباب ، ولكن من جانب الباب الأيمن أو الأيسر ، روى أبو داود ، عن عبد الله بن بسر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول : ( السلام عليكم ) . وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور108 .

3 – ينبغي أن يكون الطرق على الباب خفيفا بحيث يسمع ، ولا يعنف في ذلك ، وكذلك استخدام جرس الباب ينبغي أن يكون خفيفا لا ثقيلا ولا مزعجا ، روى أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : كانت أبواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقرع بالأظافر109 .

4 – صورة الاستئذان ، أن يقول الرجل : السلام عليكم أأدخل ؟ فإن أذن له دخل ، وإن أمر بالرجوع انصرف ، وإن سكت عنه استأذن ثلاثا ، ولا ينبغي أن يكون الاستئذان ثلاث مرات متوالية ، بل ينبغي أن يكون بين كل استئذان وآخر فصل من الزمن ؛ حتى إذا كان صاحب الدار مشتغلا بأمر يمنعه من الإذن فليفرغ منه .

5 – ينبغي أن يعرف الطارق بنفسه تعريفا يزيل عنه الجهالة ، وإذا قال له صاحب الدار : من أنت ؟ يقول : محمد أو إبراهيم مثلا ، ولا يقول : أنا ، روى الشيخان وغيرهما ، عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال : استأذنت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( من هذا ) ؟ فقلت : أنا ، فقال النبي : صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنا ، أنا ) كأنه كره ذلك110 .

قال علماؤنا : إنما كره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، لأن قوله : أنا ، لا يحصل به تعريف ، وإنما الحكم في ذلك أن يذكر اسمه ، كما فعل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وأبو موسى ، لأن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب ، ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مشربة له ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليكم أيدخل عمر111 ؟ . وفي صحيح مسلم : أن أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : السلام عليكم ، هذا أبو موسى ، السلام عليكم ، هذا الأشعري . . . الحديث112 .

6 – يستحب أن يستأذن الرجل قبل دخوله بيته ، أو يأتي بما يدل على قدومه كالتسبيح أو التنحنح ، فإنه قد تكون المرأة في شأن لا تحب أن يطلع عليه زوجها أو سيدها113 . وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا114 .

7 – جعل الفقهاء حكم السمع كحكم النظر ، فإذا دخل رجل أعمى في دار قوم ، فهو وإن كان لا ينظر إلى شيء بعينه ، ولكنه يسمع أحاديث أهل الدار ، وهذا أيضا تدخل غير مشروع في حق الخلوة كالنظر . ويلحق بذلك التحسس والتجسس على أحاديث الغير ، وسماع المكالمات التليفونية الخاصة بالآخرين ، ومن المعذبين يوم القيامة رجل تسمع لقوم وهم لاستماعه كارهون . ويتبادر إلى الذهن الحديث عن فضيحة ووترجيت ، وقد ثبت فيها أن الرئيس نيكسون سمح بالتنصت على الحزب المنافس له ، وأدى اكتشاف ذلك مع ملابسات أخرى إلى إجباره على الاستقالة . وديننا الحنيف دعا إلى أدب الاستئذان منذ أربعة عشر قرنا ، وفي إحياء آداب ديننا إعادة لأمجاد الإسلام .

8 – لا يجب الاستئذان إذا عرض في الدار أمر مفاجئ شديد كمريض يستغيث ، أو حريق ، أو هجوم سارق أو غاصب . . . إلخ .

9 – لا عبرة إلا بإذن صاحب الدار ، أو من يعتقده المستأذن أنه يأذن من قبل صاحب الدار ، كالخادم وغيره من أفراد الدار المسئولين ، فإن كان الآذن طفلا فلا يكفي إذنه .

10 – عندما يأذن أصحاب الدار بالدخول ينبغي أن يبدأهم بالسلام عند مشاهدتهم ؛ لقوله تعالى : حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها . . .

وظاهر الآية الكريمة أنه لا بد قبل الدخول من الاستئذان والسلام معا ، وعليه جمهور الفقهاء ، فكل من الاستئذان والسلام مطلوب ، غير أن الطلب فيهما متفاوت ، فالطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب ، والطلب في السلام على سبيل الندب ، كما هو حكم السلام في غير هذا الموطن .

وظاهرها أيضا تقدم الاستئذان على السلام ، لأن الأصل في الترتيب الذكرى أن يكون على وفق الترتيب الواقعي ، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء ، وجمهور الفقهاء على تقديم السلام على الاستئذان ، وحجتهم في ذلك عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه الترمذي ، عن جابر – رضي الله عنه - : ( السلام قبل الكلام )115 . وما أخرجه ابن أبي شيبة ، والبخاري في الأدب ، عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم ، قال : لا يؤذن له حتى يسلم . وبعض العلماء فصل في المسألة وقال : إن كان القادم يرى أحدا من أهل البيت ، سلم أولا ثم استأذن في الدخول ، وإن كانت عينه لا تقع على أحد منهم ، قدم الاستئذان على السلام . وهذا قول جيد ، ولا ينافيه حديث الترمذي والبخاري ، فإنه يمكن أن يحمل ذلك على الحالات التي يكون فيها القادم ، بحيث لا يرى أهل البيت ، فالأفضل أن يقدم الاستئذان على السلام ، كما هو ظاهر الآية ، إلا أن يكون القادم بحيث يرى أهل الدار ، فينبغي أن يجيبهم أولا ثم يستأذن ، وفي هذا جمع بين الأدلة116 .

11 – كان العرب في الجاهلية يدخلون البيوت بغير استئذان ، ويهجمون على البيت هجوما ، ويرون أن الاستئذان مذلة تأباها النفوس . فلما شرع الله أدب الاستئذان قال سبحانه : ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون . أي : أن أدب الإسلام في الاستئذان والسلام ، خير مما كان عليه العرب في الجاهلية . فقد جعل الله البيوت سكنا ، يفئ إليها الناس ، فتسكن وتطمئن قلوبهم ونفوسهم ، ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم ، ويلقون أعباء الحذر والحرص المرهقة للأعصاب .

والبيوت لا تكون كذلك إلا حين تكون حرما آمنا ، لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم ، وفي الوقت الذي يريدون ، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا الناس عليها .

وكان الرجل في الجاهلية إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته ؛ يقول : حييتم مساء ، ثم يدخل ، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد . فأرشدهم القرآن إلى آداب الزيارة ، ثم بين أن هذه الآداب خير وأفضل لحفظ النفوس والأعراض ، والبعد عن الفتنة ، كي تتذكروا وتعملوا بما أمرتم به .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (27)

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

ويستأذن الرجل على أمه وأخته إذا أراد أن يدخل عليها...قال ابن القاسم:"سألت مالكا عن الاستئناس ما هو؟ فقال: التسليم...وقال: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع، قلت: ما هذا؟ قال: تسلم ثلاث مرات فإن أذن لك وإلا فانصرف".

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في ذلك؛

فقال بعضهم: تأويله يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا... حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد الثقفيّ: أنّ رجلاً استأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أَلِج أو أَنَلِج؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها رَوْضة: «قومي إلى هَذَا فَكَلّمِيهِ، فإنّهُ لا يُحْسِنُ يَسْأْذِنُ، فَقُولي لَهْ يَقُولُ: السّلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُل؟» فسمعها الرجل، فقالها، فقال: «أُدْخُلْ»...

وقال آخرون: معنى ذلك: حتى تُؤْنِسوا أهل البيت بالتنحنح والتنخم وما أشبهه، حتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم...

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الاستئناس: الاستفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهلَ البيت في الدخول عليهم، مخبرا بذلك من فيه، وهل فيه أحد؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم. وقد حُكِي عن العرب سماعا: اذهب فاستأنس، هل ترى أحدا في الدار؟ بمعنى: انظر هل ترى فيها أحدا؟

فتأويل الكلام إذن، إذا كان ذلك معناه: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تسلموا وتستأذنوا، وذلك أن يقول أحدكم: السلام عليكم، أدخل؟ وهو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو: حتى تسلموا وتستأذنوا، كما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس.

وقوله:"ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ" يقول: استئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله، فإن دخولكموه خير لكم لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير إذن، على ماذا تهجُمون؟ على ما يسوءكم أو يسرّكم؟ وأنتم إذا دخلتم بإذن، لم تدخلوا على ما تكرهون، وأدّيتم بذلك أيضا حقّ الله عليكم في الاستئذان والسلام. وقوله: "لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ "يقول: لتتذكروا بفعلكم ذلك أوامر الله عليكم، واللازم لكم من طاعته، فتطيعوه.

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

وإنما سُمّي الاستئذان استيناساً لأنهم إذا استأذنوا أو سلّموا أَنِسَ أهلُ البيوت بذلك، ولو دخلوا عليهم بغير إذن لاستوحشوا وشقَّ عليهم. وأُمِرَ مع الاستئذان بالسلام إِذْ هو من سُنَّةِ المسلمين التي أُمروا بها، ولأن السلام أمان منه لهم وهو تحية أهل الجنة ومَجْلَبَةٌ للمودة ونافٍ للحقد والضغينة...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{تَسْتَأْنِسُواْ} فيه وجهان: أحدهما: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا؟ فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى: حتى يؤذن لكم...والثاني: أن يكون من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف: استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً. والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال، هل يراد دخولكم أم لا...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى عدل عما يتصل بالرمي والقذف وما يتعلق بهما من الحكم إلى ما يليق به لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت كأنها طريق التهمة، فأوجب الله تعالى أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، لأن في الدخول لا على هذا الوجه وقوع التهمة، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به فقال: {يا أيها الذين آمنوا}...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

هذه آداب شرعية، أدّب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان أمر الله المؤمنين ألا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي: يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده. وينبغي أن يستأذن ثلاثًا، فإن أذن له، وإلا انصرف...ثم ليُعْلمْ أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليَكن البابُ، عن يمينه أو يساره...وأخرج الجماعة من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في دَين كان على أبي، فدققت الباب، فقال:"من ذا" ؟ قلت: أنا. قال: "أنا، أنا "كأنه كرهه. وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يُعرَف صاحبها حتى يُفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يُعبِّر عن نفسه ب "أنا"، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان، الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما أنهى سبحانه الأمر في براءة عائشة رضي الله عنها على هذا الوجه الذي كساها به من الشرف ما كساها، وحلاها برونقه من مزايا الفضل ما حلاها، وكأن أهل الإفك قد فتحوا بإفكهم هذا الباب الظنون السيئة عداوة من إبليس لأهل هذا الدين بعد أن كانوا في ذلك وفي كثير من سجاياهم -إذ كان قانعاً منهم بداء الشرك- على الفطرة الأولى، أمر تعالى رداً لما أثار بوسواسه من الداء بالتنزه عن مواقع التهم والتلبس بما يحسم الفساد فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ألزموا أنفسهم هذا الدين {لا تدخلوا} أي واحد منكم، ولعله خاطب الجمع لأنهم في مظنة أن يطردوا الشيطان بتزين بعضهم بحضرة بعض بلباس التقوى، فمن خان منهم منعه إخوانه، فلم يتمكن منه شيطانه، فنهي الواحد من باب الأولى {بيوتاً غير بيوتكم} أي التي هي سكنكم {حتى تستأنسوا} أي تطلبوا بالاستئذان أن يأنس بكم من فيها وتأنسوا به، فلو قيل له: من؟ فقال: أنا، لم يحصل الاستئناس لعدم معرفته، بل الذي عليه أن يقول: أنا فلان -يسمي نفسه بما يعرف به ليؤنس به فيؤذن له أو ينفر منه فيرد {وتسلموا على أهلها} أي الذين هم سكانها ولو بالعارية منكم فتقولوا: السلام عليكم! أأدخل؟ أو تطرقوا الباب إن كان قد لا يسمع الاستئذان ليؤذن لكم {ذلكم} الأمر العالي الذي أمرتكم به {خير لكم} مما كنتم تفعلونه من الدخول بغير إذن ومن تحية الجاهلية، لأنكم إذا دخلتم بغير إذن ربما رأيتم ما يسوءكم، وإذا استأذنتم لم تدخلوا على ما تكرهون، هذا في الدنيا، وأما في الأخرى فأعظم، وقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: إذا سلم ثلاثاً فلم يجبه أحد فليرجع.

وكان هذا إذا ظن أن صاحب البيت سمع.

ولما كان كل إنسان لا ينفك عن أحوال يكره أن يطلع عليها أو تقطع عليه، قال: {لعلكم تذكرون} أي لتكون حالكم حال من يرجى أن يتذكر برجوعه إلى نفسه عند سماع هذا النهي، فيعرف أن ما يسوءه من غيره يسوء غيره منه، فيفعل ما يحب أن يفعل معه خوفاً من المقابلة، لأن الجزاء من جنس العمل، وكل ما يجب عليه في غير بيته يستحب له في بيته بنحو النحنحة ورفع الصوت بالذكر ونحوه على ما أشار إليه حديث النهي عن الطروق لكيلا يرى من أهله ما يكره.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن الإسلام -كما أسلفنا- لا يعتمد على العقوبة في إنشاء مجتمعه النظيف، إنما يعتمد قبل كل شيء على الوقاية. وهو لا يحارب الدوافع الفطرية. ولكن ينظمها ويضمن لها الجو النظيف الخالي من المثيرات المصطنعة.

والفكرة السائدة في منهج التربية الإسلامية في هذه الناحية، هي تضييق فرص الغواية، وإبعاد عوامل الفتنة؛ وأخذ الطريق على أسباب التهييج والإثارة. مع إزالة العوائق دون الإشباع الطبيعي بوسائله النظيفة المشروعة..

ومن هنا يجعل للبيوت حرمة لا يجوز المساس بها؛ فلا يفاجأ الناس في بيوتهم بدخول الغرباء عليهم إلا بعد استئذانهم وسماحهم بالدخول، خيفة أن تطلع الأعين على خفايا البيوت، وعلى عورات أهلها وهم غافلون.. ذلك مع غض البصر من الرجال والنساء، وعدم التبرج بالزينة لإثارة الشهوات.

ومن هنا كذلك ييسر الزواج للفقراء من الرجال والنساء. فالإحصان هو الضمان الحقيقي للاكتفاء.. وينهى عن تعريض الرقيق للبغاء كي لا تكون الفعلة سهلة ميسرة، فتغري بيسرها وسهولتها بالفحشاء.

فلننظر نظرة تفصيلية في تلك الضمانات الواقية التي يأخذ بها الإسلام...

لقد جعل الله البيوت سكنا، يفيء إليها الناس؛ فتسكن أرواحهم؛ وتطمئن نفوسهم؛ ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم، ويلقون أعباء الحذر والحرص المرهقة للأعصاب!

والبيوت لا تكون كذلك إلا حين تكون حرما آمنا لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم. وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا عليها الناس..

من أجل هذا وذلك أدب الله المسلمين بهذا الأدب العالي. أدب الاستئذان على البيوت، والسلام على أهلها لإيناسهم. وإزالة الوحشة من نفوسهم، قبل الدخول...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ذكرنا أن من أكبر الأغراض في هذه السورة تشريع نظام المعاشرة والمخالطة العائلية في التجاور. فهذه الآيات استئناف لبيان أحكام التزاور وتعليم آداب الاستئذان، وتحديد ما يحصل المقصود منه كيلا يكون الناس مختلفين في كيفيته على تفاوت اختلاف مداركهم في المقصود منه والمفيد...وشرع الاستئذان لمن يزور أحداً في بيته لأن الناس اتخذوا البيوت للاستتار مما يؤذي الأبدان من حرّ وقرّ ومطر وقتام، ومما يؤذي العرض والنفس من انكشاف ما لا يحب الساكن اطلاع الناس عليه، فإذا كان في بيته وجاءه أحد فهو لا يدخله حتى يصلح ما في بيته وليستر ما يحب أن يستره ثم يأذن له أو يخرج له فيكلمه من خارج الباب..

.وظاهر الآية أن الاستئذان واجب وأن السلام واجب غير أن سياق الآية لتشريع الاستئذان. وأما السلام فتقررت مشروعيته من قبل في أول الإسلام ولم يكن خاصاً بحالة دخول البيوت فلم يكن للسلام اختصاص هنا وإنما ذكر مع الاستئذان للمحافظة عليه مع الاستئذان لئلا يلهي الاستئذان الطارقَ فينسى السلام أو يحسب الاستئذان كافياً عن السلام...

ليس قرن الاستئذان بالسلام في الآية بمقتضى مساواتَهما في الحكم إذا كانت هنالك أدلة أخرى تفرق بين حكميهما وتلك أدلة من السنة، ومن المعنى فإن فائدة الاستئذان دفع ما يكره عن المطروق المزور وقطع أسباب الإنكار أو الشتم أو الإغلاظ في القول مع سد ذرائع الريب وكلها أو مجموعها يقتضي وجوب الاستئذان. وأما فائدة السلام مع الاستئذان فهي تقوية الألفة المتقررة فلا تقتضي أكثر من تأكد الاستحباب...وقد جمعت الآية الاستئذان والسلام بواو العطف المفيد التشريك فقط فدلت على أنه إن قدم الاستئذان على السلام أو قدم السلام على الاستئذان فقد جاء بالمطلوب منه...وليس للاستئذان صيغة معينة.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لا تدخلوا بُيُوت الناس حَتَّى يؤذنَ لَكُم:

بيّنت هذه الآيات جانباً من أدب المعاشرة، والتعاليم الإسلامية الاجتماعية التي لها علاقة وثيقة بقضايا عامّة حول حفظ العفّة، أي كيفية الدخول إلى بيوت الناس، وكيفية الاستئذان بالدخول إليها.

حيث تقول أوّلا: (يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها). وبهذا الترتيب عندما تعزمون على الدخول لابدّ، من إخبار أصحاب البيت بذلك ونيل موافقتهم.

والذي يلفت النظر في هذه الجملة استعمالها «تستأنسوا» ولم تستعمل «تستأذنوا» لأنّ الجملة الثّانية لبيان الاستئذان بالدخول فقط، في الوقت الذي تكون الجملة الأُولى مشتقّة من «أنس» أي الاستئذان المرافق للمحبّة واللطف والمعرفة والإخلاص، وتبيّن كيف يجب أن يكون الاستئذان برفق وأدب وصداقة، بعيداً عن أي حدّة وسوء خلق. ولو تبحرنا في هذه الجملة على هذا الأساس لوجدنا فيها الكثير من الأدب الذي يدور حول هذا الموضوع، وهو يعني ألا تصرخوا وألاّ تقرعوا الباب بقوة، وألا تستأذنوا بعبارات حادّة، وألا تدخلوا حتى يُؤذنَ لكم، فتسلّموا أوّلا سلاماً يستبطن مشاعر السلام والود ورسالة المحبة والصداقة.

وممّا يلفت النظر في هذا الحكم الذي يتصف بأبعاد إنسانية وعاطفية واضحة، مرافقته لجملتين أولاها: (ذلكم خير لكم) وثانيها: (لعلكم تذكرون). وهذا بحدّ ذاته دليل على أن لهذه الأحكام جذوراً في أعماق العواطف والعقول الإنسانية، ولو دقق الإنسان النظر فيها لتذكر أن فيها الخير والصلاح.