تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَـٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (93)

{ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين }

المفردات :

حلا : أي حلالا وهو مصدر نعت به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كما قال تعالى : ( لا هن حل ) .

إسرائيل : هو يعقوب عليه السلام وبنوه : ذريته .

93

التفسير :

جاء في تفسير النيسابوري1 ما يأتي :

بعد أن قرر سبحانه الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبعد توجيه الإلزامات الواردة على اهل الكتاب في هذا الباب أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه :

أحدهما : أنهم كانوا يعولون في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على إنكار النسخ 2 فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالا ثم صار حراما عليه وعلى أولاده وهو النسخ ، ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا ان ذلك كان حراما من لدن آدم ولم يحدث نسخ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاما لهم وتفضيحا ودلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميا فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر السماء .

وثانيهما : أن اليهود قالوا له انك تدعي أنك على ملة إبراهيم فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم فأجيبوا بأن ذلك كان حلالا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إلا ان يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع إلى التوراة .

وثالثها : لما نزل قوله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ( النساء 160 ) وقوله : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } ( الانعام 146 ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على انه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم غاظهم ذلك واشمئزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ 3ومن قبل انه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم فقالوا لسنا بأول من حرمت عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت : { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل }4 .

من إشارات الآية :

يمكن أن نلحظ في هذه الآية بيان لخصال اليهود وعنادهم ولجاجتهم في الخصومة ويتضح ذلك من الآتي :

1- لقد أنكروا النسخ وقالوا هو شبيه بالبداء وذلك لا يليق بالله تعالى والبداء هو أن تعمل عملا او تقرر رأيا ثم يبدو لك ان الأفضل ترك هذا العمل أو تغيير هذا الرأي وهذا أمر يليق بالمخلوق بالمخلوق لقصر رأيه وتبدل أفكاره وحكمه ولا يليق بالخالق ومن هنا أنكروا النسخ .

وقد بين القرآن ان أمر سنة الله التدرج في التشريع ومراعاة مصالح الناس واختيار ما يناسب مراحل حياتهم فقد أمر المسلمين بالصبر في مكة ثم أمروا بالجهاد في المدينة وحرمت الخمر على مراحل وأبيح زواج المتعة في اول عهد المسلمين بالإسلام وعند خروجهم للجهاد ثم حرم زواج المتعة وهو الزواج المؤقت .

وهكذا نجد ان حكمة الله نسخ الأحكام وتبديلها بما هو انسب لعباده قال تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ( البقرة 106 ) .

2- نلحظ عناد اليهود ومكابرتهم حيث ادعوا أن تحريم لحوم الإبل وألبانها قديم من عهد الرسل السابقين فكذبهم الله تعالى .

3- ادعى اليهود أن التوراة حرمت عليهم لحوم الإبل وألبانها إتباعا لطريقة إسرائيل حيث حرمها على نفسه ثم على ذريته وأبنائه متابعة لأبيهم فطلب الله منهم أن يأتوا بالتوراة إن كانوا صادقين .

( وبالرجوع إلى التوراة في مظان هذا الموضوع لم نجد فيها أساسا لدعواهم أن ذلك التحريم شرعه الله أي عهد من عهود النبوات ولا لدعواهم أن التحريم انتقل إليهم من الشرائع السابقة ولا لدعواهم أن الله حرمها عليهم بتحريم يعقوب لها على نفسه ولقد كان اليهود يدعون أن ذلك شرع قديم ولكن الرسول كشف الغطاء عن الحق فبهتوا وبان لهم –بذلك- أنهم في ضلالهم يعمهون ) 5 .

في اعقاب الآية :

قد يقول إنسان : أن الله تعالى قد مدح اليهود وأثنى على إيمانهم ووصفهم بصفات طيبة مثال ذلك آيات كثيرة وردت في القرآن الكريم ومنها قوله تعالى : { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وإني فضلتكم على العالمين ( البقرة 47 ) والجواب ان الله مدح اليهود عندما آمنوا بموسى واتبعوا تعاليم التوراة ودفعوا تكاليف الإيمان فكان كل هذا سببا في مدحهم والثناء عليهم وتفضيلهم على اهل زمانهم ثم لما حرفوا التوراة واعتدوا في السبت واتهموا مريم في شرفها وظهر منهم العدوان والعناد وإنكار رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد استحقوا عقوبة الدنيا وعذاب الآخرة .

ونجد آيات كثيرة في القرآن الكريم تشير إلى هذا مثل قوله تعالى : { فبما نقضتم ميثاقكم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به } ( المائدة 13 ) وقوله عز شانه { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه فلبئس ما كانوا يفعلون } ( المائدة 78-79 ) .

2- من مسند الإمام احمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمهن إلا نبي قال سلوني ما شئتم قال أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 6 ( أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى : هل تعلمون ان إسرائيل مرض مرضا شديدا وطال سقمه فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الأشياء إليه وأحب الطعام إليه وكان أحب الطعام إليه لُحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها فقالوا اللهم نعم قال اللهم اشهد عليهم 7 . . إلى آخر الحديث .

وتفيد الآثار ان يعقوب عليه السلام اشتكى مرضا فنذر لله تعالى لئن شفاه الله من هذا المرض ليحرمن على نفسه لحوم الإبل وألبانها أو عروقها .

قال ابن جرير الطبري : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول ابن عباس الذي رواه الأعمش عن حبيب عن سعيد عنه أن ذلك العروق ولحوم الإبل لان اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمها كما كان عليه من ذلك أوائلها .

ويرى الشيخ محمد عبده : ان المراد بإسرائيل في قوله تعالى : { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } هو شعب بني إسرائيل .

وتابعه على هذا الرأي السيد رشيد رضا في تفسير المنار حيث قال :

والمتبادر عندي أن المراد بما حرمه إسرائيل على نفسه : ما امتنعوا من أكله وحرموه على أنفسهم بحكم العادة والتقليد لا بحكم من الله كما يعهد مثل ذلك في جميع الأمم ومنه تحريم العرب للبحيرة والسائبة 8 وغير ذلك مما حكاه القرآن عنهم . ا ه .

وعند التحقيق ترى أيها القارئ أن رأي الشيخ محمد عبده مرجوح لا راجح وخصوصا إذا عرفنا أسباب نزول الآية وما رواه الإمام أحمد في مسنده عن سبب نزولها .

وفائدة قوله تعالى : { من قبل ان تنزل التوراة } : أنه لو كان شرع له ولبني إسرائيل ذلك لذكر في التوراة لانه سابق على نزولها على موسى .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَـٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (93)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

قالت اليهود: جاء هذا التحريم من الله عز وجل في التوراة، قالوا: حرم الله على يعقوب وذريته لحوم الإبل وألبانها. قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل} لليهود: {فأتوا بالتوراة فاتلوها} فأقرأوها {إن كنتم صادقين} بأن تحريم لحوم الإبل في التوراة، فلم يفعلوا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بذلك جلّ ثناؤه: أنه لم يكن حرّم على بني إسرائيل وهم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن شيئا من الأطعمة من قبل أن تنزل التوراة، بل كان ذلك كله لهم حلالاً، إلا ما كان يعقوب حرّمه على نفسه، فإن ولده حرّموه استنانا بأبيهم يعقوب، من غير تحريم الله ذلك عليهم في وحي ولا تنزيل ولا على لسان رسول له إليهم من قبل نزول التوراة.

ثم اختلف أهل التأويل في تحريم ذلك عليهم، هل نزل في التوراة أم لا؟ فقال بعضهم: لما أنزل الله عزّ وجلّ التوراة، حرّم عليهم من ذلك ما كانوا يحرّمونه قبل نزولها... قالت اليهود: إنما نحرّم ما حرّم إسرائيل على نفسه، وإنما حرّم إسرائيل العروق، كان يأخذه عرق النّسا، كان يأخذه بالليل ويتركه بالنهار، فحلف لئن الله عافاه منه لا يأكل عِرْقا أبدا، فحرّمه الله عليهم ثم قال: {قُلْ فأْتُوا بالتّوْرَاة فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ}: ما حرّم هذا عليكم غيري ببغيكم، فذلك قوله: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الّذِينَ هادُوا حَرّمْنا عَلَيْهِمْ طَيّباتٍ أُحِلّتُ لَهُمْ}.

فتأويل الآية على هذا القول: كل الطعام كان حلاّ لبني إسرائيل، إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، فإن الله حرّم عليهم من ذلك ما كان إسرائيل حرّمه على نفسه في التوراة، ببغيهم على أنفسهم، وظلمهم لها. قل يا محمد: فأتوا أيها اليهود إن أنكرتم ذلك بالتوراة، فاتلوها إن كنتم صادقين أن الله لم يحرم ذلك عليكم في التوراة، وأنكم إنما تحرّمونه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه.

وقال آخرون: ما كان شيء من ذلك عليهم حراما، لا حرّمه الله عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرّموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه إلى الله. فكذبهم الله عز وجل في إضافتهم ذلك إليه، فقال الله عزّ وجلّ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة فاتلوها، حتى ننظر هل ذلك فيها أم لا؟ ليتبين كذبهم لمن يجهل أمرهم. وتأويل الآية على هذا القول: كل الطعام كان حِلاّ لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة وبعد نزولها، إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، بمعنى: لكن إسرائيل حرّم على نفسه من قبل أن تنزل التوراة بعض ذلك. وكأن الضحاك وجه قوله: {إلاّ ما حرَمّ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ} إلى الاستثناء الذي يُسمّيه النحويون: الاستثناء المنقطع.

وقال آخرون تأويل ذلك: كل الطعاك كان حِلاّ لبني إسرائيل، إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، فإن ذلك حرام على ولده بتحريم إسرائيل إياه على ولده، من غير أن يكون الله حرّمه على إسرائيل ولا على ولده. وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: كل الطعام كان حلاّ لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة، إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من غير تحريم الله ذلك عليه، فإن كان حراما عليهم بتحريم أبيهم إسرائيل ذلك عليهم، من غير أن يحرّمه الله عليهم في تنزيل ولا بوحي قبل التوراة، حتى نزلت التوراة، فحرم الله عليهم فيها ما شاء، وأحلّ لهم فيها ما أحبّ.

واختلف أهل التأويل في الذي كان إسرائيل حرّمه على نفسه؛

فقال بعضهم: كان الذي حرّمه إسرائيل على نفسه العروق.

وقال آخرون: بل الذي كان إسرائيل حرّم على نفسه: لُحوم والإبل وألبانُها.

وأولى هذه الأقوال بالصواب: أن ذلك العروق ولحوم الإبل، لأن اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمها، كما كان عليه من ذلك أوائلها وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك خبر، وهو ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: أن عصابة من اليهود حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنْشُدُكُمْ بالّذي أنْزَلَ التّوْرَاةَ على مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ إسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضا شَدِيدا، فَطالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ للّهِ نَذْرا لَئِنْ عافاهُ اللّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرّمَنّ أحبّ الطّعامِ وَالشّرابِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبّ الطّعامِ إلَيْهِ لحْمَانُ الإبِلِ، وأحَبّ الشّرَابِ إلَيْهِ ألْبانُها؟» فقالوا: اللهم نعم.

{قُلْ فَأْتُوا بالتّورَاةِ فاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقينِ}: قل يا محمد للزاعمين من اليهود أن الله حرم عليهم في التوراة العروق ولحوم الإبل وألبانها، ائتوا بالتوراة فاتلوها! يقول: قل لهم: جيئوا بالتوراة فاتلوها، حتى يتبين لمن خفي عليه كذبهم وقيلهم الباطل على الله من أمرهم، أن ذلك ليس مما أنزلته في التوراة {إنْ كُنْتُمْ صَادِقينِ}، يقول: إن كنتم محقين في دعواكم أن الله أنزل تحريم ذلك في التوراة، فأتونا بها، فاتلوا تحريم ذلك علينا منها. وإنما ذلك خبر من الله عن كذبهم، لأنهم لا يجيئون بذلك أبدا على صحته، فأعلم الله بكذبهم عليه نبيه صلى الله عليه وسلم، وجعل إعلامه إياه ذلك حجة له عليهم لأن ذلك إذا كان يخفى على كثير من أهل ملّتهم، فمحمد صلى الله عليه وسلم وهو أميّ من غير ملتهم، لولا أن الله أعلمه ذلك بوحي من عنده، كان أحرى أن لا يعلمه. فكان في ذلك له صلى الله عليه وسلم من أعظم الحجة عليهم بأنه نبي الله صلى الله عليه وسلم إليهم، لأن ذلك من أخبار أوائلهم كان من خفي علومهم الذي لا يعلمه غير خاصة منهم، إلا من أعلمه الذي لا يخفى عليه خافية من نبيّ أو رسول، أو من أطلعه الله على علمه ممن شاء من خلقه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

المعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالاً لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم لم يحرم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه فتبعوه على تحريمه، وهو رد على اليهود وتكذيب لهم، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 16] إلى قوله تعالى: {عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 18] وفي قوله: {وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} [الأنعام: 146] إلى قوله: {ذلك جزيناهم بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146] وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه وامتعضوا مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم، فقالوا: لسنا بأوّل من حرّمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم، كانت محرّمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهلم جرا، إلى أن انتهى التحريم إلينا، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصدّ عن سبيل الله وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل، وما عدّد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حُرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم {قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها} أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرّم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

فيها ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: سبب نزولها، وفيه ثلاثة أقوال:

الأول: رُوِي أنَّ اليهود أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحليلَ لحوم الإبل، فأخبر اللهُ بتحليلها لهم حتى حرَّمها إسرائيلُ على نفسه.

المعنى إني لم أحرِّمْها عليكم، وإنما كان إسرائيل هو الذي حرَّمها على نفسه.

المسألة الثانية: اختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه؛ فقيل: كان بإذْنِ الله تعالى.

وقيل: كان باجتهادٍ، وذلك مبنيٌّ على جواز اجتهادِ الأنبياء؛ وقد بينّاه في موضعه.

واختلف في تحريم اليهود ذلك. فقيل: إنَّ إسرائيلَ حرَّمها على نفسه وعليهم.

وقيل: اقتدوا به في تحريم ذلك، فحرَّم اللهُ تعالى عليهم بَغْيهم، ونزلت به التوراة، وذلك في قوله تعالى: {فبِظُلْم من الذين هادُوا حرَّمْنا عليهم طيباتٍ أُحِلَّتْ لهم} [النساء:160].

والصحيحُ أنَّ للنبي أن يجتهد؛ وإذا أدَّاه اجتهادُه إلى شيء كان دِيناً يلزمُ اتّباعُه لتقريرِ اللهِ سبحانه إياه على ذلك، وكما يُوحَى إليه ويلزم اتباعه، كذلك يُؤْذن له ويجتهد، ويتعيّن موجبُ اجتهاده إذا قُدر عليه.

والظاهر من الآية -مع أنّ الله سبحانه أضاف التحريم إليه بقوله إلاَّ ما حرّم إسرائيلُ على نفسه مِنْ قَبْلِ أن تنزَّلَ التوراة- أنَّ اللهَ سبحانه أَذِنَ له في تحريم ما شاء، ولولا تقدّم الإذنِ له ما تسَوَّر على التحليل والتحريم، وتقدم ما يقتضي ذلك على القول بجواز الاجتهاد فحرّمه مجتهداً فأقرَّه اللهُ سبحانه عليه.

وقد حرَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم العَسَل على الرواية الصحيحة أو جاريته مارية فلم يقر الله تحريمه، ونزل قوله تعالى: {يأيها النبي لِمَ تحرِّمُ ما أحلَّ اللهُ لك} [التحريم:1]. وكان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاداً أو بأمْرٍ على ما يأتي بيانُه إن شاء الله تعالى.

المسألة الثالثة: حقيقةُ التحريم: الْمَنْع؛ فكلُّ من امتنع من شيء مع اعتقاده الامتناع منه فقد حرّمه، وذلك يكونُ بأسبابٍ؛ إما بنَذْرٍ كما فعل يعقوب في تحريم الإبل وألبانها؛ وإما بيمينٍ كما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في العَسل، أو في جاريته؛ فإن كان بِنَذْرٍ فإنه غير منعقد في شَرْعنا.

ولسنا نتحقّق كيفيةَ تحريم يعقوب؛ هل كان بنَذْرٍ أو بيمين؛ فإنْ كان بيمين فقد أحلَّ الله لنا اليمين بالكفارة أو بالاستثناء المتصل رخصة منه لنا، ولم يكن ذلك لغيرنا من الأمم.

فلو قال رجل: حرَّمتُ الخبْزَ على نفسي أو اللحم لم يَحْرُم ولم ينعقد يميناً؛ فإن قال: حرمت أهلي فقد اختلف العلماءُ فيه اختلافاً كثيراً يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.

والصحيح أنه يلزمه تحريمُ الأهل إذا ابتدأ بتحريمها كما يحرمها بالطلاق، ولا يلزمه تحريمٌ فيما عدا ذلك؛ لقوله سبحانه: {لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا} [المادة:87].

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أخبر بذلك بين أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من الإخبار بعظيم اجتراء أهل الكتاب على الكذب بأمر حسّي فقال تعالى: {كل الطعام} أي من الشحوم مطلقاً وغيرها {كان حلاًّ لبني إسرائيل} أي أكله -كما كان حلاًّ لمن قبلهم على أصل الإباحة {إلا ما حرم إسرائيل} تبرراً وتطوعاً {على نفسه} وخصه بالذكر استجلاباً لبنيه إلى ما يرفعهم بعد اجتذابهم للمؤمنين إلى ما يضرهم ولا ينفعهم. ولما كانوا بما أغرقوا فيه من الكذب ربما قالوا: إنما حرم ذلك اتباعاً لحكم التوراة قال: {من قبل} وأثبت الجار لأن تحريمه كان في بعض ذلك الزمان، لا مستغرقاً له. وعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد فقال: {أن تنزل التوراة}.

ولما كانت هذه الآية إلزاماً لليهود باعتقاد النسخ الذي طعنوا به في هذا الدين في أمر القبلة، وكانوا ينكرونه ليصير عذراً لهم في التخلف عن اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم، فكانوا يقولون: لم تزل الشحوم وما ذكر معها حراماً على من قبلنا كما كانت حراماً علينا، فأمر بجوابهم بأن قال: {قل} أي لليهود {فأتوا بالتوارة فاتلوها} أي لتدل لكم {إن كنتم صادقين} فيما ادعيتموه، فلم يأتوا بها فبان كذبهم فافتضحوا فضيحة لا مثل لها في الدنيا...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

كان الكلام من أول السورة إلى هنا في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع إثبات التوحيد، واستتبع ذلك محاجة أهل الكتاب في ذلك، وفي بعض بدعهم وما استحدثوا في دينهم. أما هذه الآيات ففي دفع شبهتين عظيمتين من شبهات اليهود على الإسلام، قررهما الأستاذ الإمام هكذا:

قالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده – كما تدعي- فكيف تستحل ما كان محرما عليه وعليهم كلحم الإبل؟ أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم وموافق في الدين، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر وتقول: إنك أولى الناس به. هذه هي الشبهة الأولى. وأما الثانية فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم بأن تكون البركة في نسل ولده إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه؛ فلو كنت على ما كانوا عليه لعظمت ما عظموا، ولما تحولت عن بيت المقدس وعظمت مكانا آخر اتخذته مصلى وقبلة، وهو الكعبة، فخالفت الجميع.

فقوله تعالى: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة) هو جواب عن الشبهة الأولى، قال الأستاذ الإمام: ولكن الجلال وكثيرا من المفسرين يقررون الشبهة ولا يبينون وجه دفعها بيانا مقنعا، إذ يعترفون بأن بعض الطيبات كانت محرمة على إسرائيل. والصواب ما قصه الله تعالى علينا في هذه الآية وغيرها من الآيات التي توضحها، وهي أن كان الطعام كان حلالا لبني إسرائيل ولإبراهيم من قبل بالأولى، ثم حرم الله عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبا، كما قال: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) [النساء: 160] الآية. فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل، كما هو مستعمل عندهم، لا يعقوب نفسه. ومعنى تحريم الشعب ذلك على نفسه: أنه ارتكب الظلم واجترح السيئات التي كانت سبب التحريم، كما صرحت الآية. فكأنه يقول: إذا كان الأصل في الأطعمة الحل، وكان تحريم ما حرم على إسرائيل تأديبا على جرائم أصابوها، وكان النبي وأمته لم يجترحوا تلك السيئات، فلم تحرم عليهم الطيبات؟ ثم قال تعالى مبينا تقرير الدفع وسنده (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) في قولكم، لا تخافون أن تكذبكم نصوصها. أقول: كأنه يقول: أما إنكم لو جئتم بما عندكم منها لما كان إلا مؤيدا للقرآن فيما جاء به من أنها هي حرمت عليكم ما حرمتُ. وعللت جملة التكاليف بأنكم شعب غليظ الرقبة متمرد يقاوم الرب، كما قال موسى عند أخذ العهد عليكم بحفظ الشريعة...

قال الأستاذ الإمام: أما قول الجلال وغيره: إن يعقوب كان به عرق النّسا- بالفتح والقصر- فنذر: إن شُفي لا يأكل لحم الإبل. فهو دسيسة من اليهود وقيل: إنه نذر أن لا يأكل هذا العرق. وفي التوراة أن يعقوب التقى في بعض أسفاره بالرب في الطريق فتصارعا إلى الصباح، وكاد يعقوب يغلبه، ولكن اعتراه عرق النسا إلخ ما حرفوه...

وليس فيه أنه نذر شيئا ولا حرم شيئا وقيل: إن ما حرمه يعقوب هو زائدتا الكبد والكليتين والشحم إلا ما كان على الظهر. وقال مجاهد: حرم لحوم الأنعام كلها. وكل ذلك من الإسرائيليات. وصحة السند في بعضها عن ابن عباس أو غيره-كما زعم الحاكم- لا يمنع أن يكون مصدرها إسرائيليا. والأقرب ما قاله الأستاذ الإمام لأنه هو الذي تقوم به الحجة، لا سيما عند المطلع على التوراة. ولو أريد بإسرائيل يعقوب نفسه لما كان هناك حاجة إلى قوله "من قبل أن تنزل التوراة "لأن زمن يعقوب سابق على زمن نزول التوراة سبقا لا يشتبه فيه فيحترس عنه. والمتبادر عندي: أن المراد بما حرمه إسرائيل على نفسه ما امتنعوا عن أكله وحرموه على أنفسهم بحكم العادة والتقليد، لا بحكم من الله، كما يعهد مثل ذلك في جميع الأمم. ومنه تحريم العرب للبحائر والسوائب وغير ذلك مما حكاه القرآن عنهم في سورتي المائدة والأنعام. وقيل: إن شبهتهم التي دفعتها الآية هي إنكار النسخ، فألزمهم بأن التوراة نفسها نسخت بعض ما كان عليه إبراهيم وإسرائيل، وهو إلزام لا يمكنهم التفصي منه. لأنه ثابت عندهم في التوراة وهو يدل على نبوة النبي على كل حال. إذ أخبرهم بما عندهم ولم يطلع عليه. وبهذا يسقط بحثهم في كون التحليل والتحريم لا يكونان إلا من الله.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

هذا يرتبط بالآي السَّابقة في قوله تعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً} [آل عمران: 67] وما بينهما اعتراضات وانتقالات في فنون الخطاب. وهذه حجّة جزئية بعد الحجج الأصليّة على أنّ دين اليهودية ليس من الحنيفية في شيء، فإنّ الحنيفية لم يكن ما حرّم من الطّعام بنصّ التَّوراة محرّماً فيها، ولذلك كان بنو إسرائيل قبل التَّوراة على شريعة إبراهيم، فلم يكن محرّماً عليهم ما حُرّم من الطعام إلاّ طعاماً حرّمه يعقوب على نفسه. والحجَّة ظاهرة ويدلّ لهذا الارتباط قوله في آخرها: {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً} [آل عمران: 95]. ويحتمل أنّ اليهود مع ذلك طعنوا في الإسلام، وأنَّه لم يكن على شريعة إبراهيم، إذْ أباح للمسلمين أكل المحرّمات على اليهود، جهلاً منهم بتاريخ تشريعهم، أو تضليلاً من أحبارهم لعامّتهم، تنفيراً عن الإسلام، لأن الأمم في سذاجتهم إنَّما يتعلّقون بالمألوفات، فيعدّونها كالحقائق، ويقيمونها ميزاناً للقبول والنّقد، فبيّن لهم أنّ هذا ممّا لا يُلتفت إليه عند النّظر في بقيّة الأديان، وحسبكم أنّ ديناً عظيماً وهو دين إبراهيم، وزُمرة من الأنبياء من بنيه وحفدته، لم يكونوا يحرّمون ذلك. وتعريف (الطّعام) تعريف الجنس، و (كُلّ) للتنصيص على العموم. وقد استدلّ القرآن عليهم بهذا الحكم لأنَّه أصرح ما في التَّوراة دلالة على وقوع النسخ... وقوله: {من قبل أن تنزل التوراة} تصريح بمحلّ الحجَّة من الردّ إذ المقصود تنبيههم على ما تناسوه فنُزلوا منزلة الجاهل بكون يعقوب كان قبل موسى،... وقوله: {قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين} أي في زعمكم أنّ الأمر ليس كما قلناه أو إن كنتم صادقين في جميع ما تقدّم: من قولكم إنّ إبراهيم كان على دين اليهودية، وهو أمر للتعجيز، إذ قد علم أنَّهم لا يأتون بها إذا استدلّوا على الصّدق...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

...هذا أسلوب لا بُدَّ من مراعاته واتباعه مع النَّاس الذين ينسبون إلى الشريعة تحليل شيء غير موجود فيها، أو ينكرون وجود بعض العقائد الباطلة في كتبهم، وهي موجودة فيها، وذلك كبعض الملحدين الذين يتحرّكون في وضع سياسي واقتصادي معيّن؛ فإذا تحدّث إليهم متحدّث بما عندهم من ذلك، وخافوا أن تعطل هذه القضايا بعض خططهم وأهدافهم، أنكروا وجودها اعتماداً على أنَّ النَّاس لا يقرأون، أو أنَّهم لا يصلون إلى هذه الكتب، فيمكن للعاملين في سبيل الدعوة إلى اللّه أن يطلبوا منهم إبراز كتبهم أمام النَّاس ليظهروا ما فيها من شؤون العقيدة في عالم الإلحاد والإيمان، ليبرز من ذلك زيفهم وبطلان أساليبهم الخادعة. فإذا وضحت الحقيقة من خلال ذلك، أو من خلال هروبهم عن إظهارها، فلا بُدَّ من أن يقفوا وقفة الصدق أمام الحقيقة الواضحة...