{ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ( 84 ) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( 85 ) وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ( 86 ) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ( 87 ) } .
84 – { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ . . . } الآية .
روى الشيخان : عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ، جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ، فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه ؛ فقام ليصلي عليه ؛ فقام عمر بن الخطاب ، وأخذ بثوبه ، وقال : يا رسول الله ، أتصلي عليه ، وقد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين . قال : إنما خيرني الله ، فقال ، { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة . . . } وسأزيده على السبعين ؛ فقال عمر : إنه منافق . . . !
ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبي ومشى معه ، وقام على قبره حتى فرغ منه .
قال عمر : فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسوله أعلم قال : فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا . . . } الآية .
قال : فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد على ذلك منافق ، ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل .
وقد أورد الإمام ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية في هذا المعنى .
ضعّف جماعة العلماء كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني ، والغزالي ، حديث الصلاة على زعيم المنافقين ؛ لمخالفته لظاهر الآية من أوجه هي :
1 – أن الآية نزلت أثناء رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك ، وابن أبي مات في السنة التي بعدها .
2 – قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله خيرني " ، يعارض صريح الآية ، بأن الله لن يغفر لهم بسبب كفرهم ، ف أو فيه للتسوية لا للتخيير .
حاول بعض العلماء الجمع بين الآية والحديث ، ومن هؤلاء الزمخشري في تفسير الكشاف فقال : روى : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم ؛ فلما مرض رأس النفاق عبد الله بن أبي ، بعث إليه ليأتيه ، فلما دخل عليه قال له النبي : " أهلك حب يهود " فقال عبد الله بن أبي : يا رسول الله ، إنما بعثت إليك لتستغفر لي لا تؤنبني ، وسأله أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده ، ويصلّى عليه .
فلما مات دعاه ابنه عبد الله – وكان مؤمنا صالحا – فقال : يا رسول الله ، أسألك أن تكفنه في بعض قمصانك ، وأن تقوم على قبره ؛ حتى لا يشمت به الأعداء .
وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن تكفينه في قميصه لا ينفعه مع كفره ، فلا فرق بينه وبين غيره من الأكفان ، وليكون إلباسه إياه لطفا لغيره .
فقد روى أنه قيل للرسول صلى الله عليه وسلم : لم وجهت إليه قميصك وهو كافر ؟ فقال : " إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا ، وإني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب " ؛ فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوا زعيمهم عبد الله بن أبي يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك ترحمه واستغفاره ؛ كان للدعاء إلى التراحم والتعاطف ؛ لأنهم إذا رأوه يترحم على من يظهر الإيمان وباطنه على خلاف ذلك ؛ دعا المسلم على أن يتعاطف على من واطأ قلبه لسانه ، ورآه حتما عليه .
ثم قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
فإن قلت : كيف جازت الصلاة على عبد الله بن أبي المنافق ؟
قلت : لم يتقدم نهى عن الصلاة عليهم ، وكانوا يجرون مجرى المسلمين لظاهر إيمانهم ، لما في ذلك من المصلحة .
وعن ابن عباس رضي الله عنه : ما أدري ما هذه الصلاة إلا أني أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخادع .
تفيد روايات متعددة : أن عمر رضي الله عنه كان ميالا إلى عدم الصلاة على المنافقين ؛ استنباطا من إشارات غير صريحة في القرآن إلى ذلك .
وجاء في رواية عن ابن عباس : فقال عمر رضي الله عنه : لم تعطي قميصك الرجس النجس ؟ ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا ، فلعل الله أن يدخل به ألفا في الإسلام " وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله بن أبي ، فلما رأوه يطلب هذا القميص ، ويرجو أن ينفعه ؛ أسلم منهم يومئذ ألف ، وكان صلى الله عليه وسلم رحيما سهلا مألفا محببا وكان ميالا إلى الصلاة على عبد الله بن أبي ؛ بناء على الظاهر من إسلامه .
وأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي ؛ فأخذ جبريل بثوبه فقال : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره . . . } الآية .
فهذه الرواية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على عبد الله بن أبي .
وأمام هذا التعارض في الروايات رجح بعض العلماء رواية البخاري ، وجمع بعضهم بين الروايتين فقال : المراد من الصلاة في رواية عمر وابنه : الدعاء ، أو الهم بالصلاة عليه ، ثم منعه جبريل .
من مناقب عمر رضي الله عنه : شدته على المشركين والمنافقين ؛ فهو صاحب رأى قتل الأسرى في بدر ، وقد أيد الوحي رأيه في أسارى بدر ، وآية تحريم الخمر ، وآية تحويل القبلة ، وآية أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب ، وآية عدم الصلاة على المنافقين ، لهذا قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه " 128 .
وقال صلى الله عليه وسلم : " إنه كان فيما مضى من الناس ملهمون ولو كان في أمتي محدثون لكان عمر " 129 .
وقال صلى الله عليه وسلم : " لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبيا " .
{ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } .
هذه الآية استمرار في الحديث عن المنافقين ، وكيفية معاملتهم ؛ فقد منعت الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة على موتاهم . . .
والمعنى : تبرأ أيها الرسول من المنافقين ، ولا تصل على أحد منهم إذا مات ولا تقم على قبره ؛ لتستغفر له ، أو تدعوا له ؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله ، فأنكروا وجود الله وتوحيده ، وأنكروا بعثة نبيه ، وماتوا وهم فاسقون ؛ خارجون من دين الإسلام ، متمردون على أحكامه ، متجاوزون حدوده وأوامره ونواهيه .
وتفيد الآية : الامتناع عن الصلاة على الكفار ، وكل من عرف نفاقه .
وإن كان سبب نزول الآية : الصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ذكر ابن كثير وغيره من المفسرين .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تصلّ يا محمد على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبدا. "وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ "يقول: ولا تتولّ دفنه وتقبره من قول القائل: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره. "إنّهُمْ كَفَرُوا باللّهِ" يقول إنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله، وماتوا وهم خارجون من الإسلام مفارقون أمر الله ونهيه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت حين صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبيّ... حدثنا محمد بن المثنى وسفيان بن وكيع، وسوّار بن عبد الله، قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: جاء ابن عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات أبوه، فقال: أعطني قميصك حتى أكفنه فيه، وصلّ عليه واستغفر له فأعطاه قميصه، وقال: «إذَا فَرَغْتُمْ فَآذِنُونِي» فلما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: «بَلْ خَيّرَنِي وقالَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفرْ لَهُمْ» قال: فصلى عليه. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى: "وَلا تُصَلّ على أحَدٍ منْهُمْ ماتَ أبَدا وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ" قال: فترك الصلاة عليهم...
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ ابن سلول، دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة، تحوّلت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على عدوّ الله عبد الله بن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا، أعدّد أيامه، ورسول الله عليه الصلاة والسلام يتبسمّ. حتى إذا أكثرت عليه، قال: «اخّرْ عَنّيِ يا عُمَرُ إنّي خُيّرْتُ فاخْتَرْتُ، وَقَدْ قِيلَ لي اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لهم فلو أني أعلم أنين إن زدت على السبعين غفر له لزدت» قال ثم صلى عليه ومشى معه فقام على حتى نزلت هاتان الآيتان "ولا تصل على أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَدا..." فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه الله...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... سماهم فسقة، واسم الكفرة أقبح وأذم، لكنهم جمعوا مع الكفر أنواع الفسق ليعلم أن اعتقادهم الكفر والمذهب الذي يذهبون إليه؛ إنما اعتقدوا لهواهم؛ إذ الفسق مما يحرمه كل مذهب ودين، وكل يأنف عن الفسق، ويتبرأ منه، ولا كذلك الكفر؛ لأن كل من آمن بشيء كفر بضده. وأصل الفسق هو الخروج عن الأمر، والله أعلم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
ليس بعد التَّبَرِّي التولي، ولا بعدَ الفراق الوفاق، ولا بعد الحجبة قربة. مضى لهم من الزمان ما كان لأملهم فيه فسحة، أو لرجائهم مساغ، أو لظنِّهم تحقيق، ولكن سَبَقَ لهم القضاءُ بالشقاوة، ونعوذ بالله مِنْ سوءِ الخاتمة...
اعلم أنه تعالى أمر رسوله بأن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم، فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه إلى الغزوات سبب قوي من أسباب إذلالهم وإهانتهم، وهذا الذي ذكره في هذه الآية، وهو منع الرسول من أن يصلي على من مات منهم، سبب آخر قوي في إذلالهم وتخذيلهم...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يَبْرَأ من المنافقين، وألا يصلي على أحد منهم إذا مات، وألا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا عليه. وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أُبَيّ بن سلول رأس المنافقين...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما أتم سبحانه الكلام في الاستغفار وتعليله إلى أن ختم بإهانة المتخلفين، وكان القتل المسبب عن الجهاد سبباً لترك الصلاة على الشهيد تشريفاً له، جعل الموت الواقع في القعود المرضي به عن الجهاد سبباً لترك الصلاة إهانة لذلك القاعد، فقال عاطفاً على ما أفهمت جملة: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} الآية، من نحو: فلا تستغفر لهم أصلاً: {ولا تصلِّ} أي الصلاة التي شرعت لتشريف المصلى عليه والشفاعة فيه {على أحد منهم} ثم وصف الأحد بقوله: {مات} وقوله {أبداً} متعلق بالنهي لا بالموت {ولا تقم على قبره} أي لأن قيامك رحمة وهم غير أهل لها، ثم علل ذلك بقوله: {إنهم كفروا بالله} أي الذي له العظمة كلها ولما كان الموت على الكفر مانعاً من الصلاة على الميت بجميع معانيها لم يحتج إلى التأكيد بإعادة الجار فقيل -: {ورسوله} أي الذي هو أعظم الناس نعمة عليهم بما له من نصائحهم بالرسالة، والمعنى أنهم لعظم ما ارتكبوا من ذلك لم يهدهم الله فاستمروا على الضلالة حتى ماتوا على صفة من وقع النهي على الاستغفار لهم المشار إليها بقوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} وذلك المراد من قوله معبراً بالماضي والمعنى على المضارع تحقيقاً للخبر وأنه واقع لا محالة: {وماتوا وهم} أي والحال أنهم بضمائرهم وظواهرهم {فاسقون} أي غريقون في الفسق...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
هذا بيان ما شرعه الله تعالى في شأن من يموت من هؤلاء المنافقين في أثر ما شرعه في شأن الأحياء منهم، وهو كسابقه خاص بمن نزلت فيهم وهم الذين ثبتت أدلة كفرهم، أو إعلامه تعالى لرسوله بحقيقة أمرهم، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر الأكفر عبد الله بن أبي بن سلول والإثنى عشر الذين أرادوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} أي لا تصل أيها الرسول بعد الآن على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين عرفناك شأنهم صلاة الجنازة أبداً ما حييت، ولا تقف على قبره عند الدفن للدعاء له بالتثبيت، كما تقوم على قبور المؤمنين عند دفنهم، ويلزم هذا النهي عدم تشييع جنائزهم.
روى أبو داود والحاكم وصححه والبزار من حديث عثمان رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل)، وقد نص الفقهاء على العمل بهذا الحديث، ولا نعرف شيئا من السنة في معنى القيام على القبر غيره، فانتظار الدفن أعم منه، وأدخل فيه بعضهم زيارة القبور وهو غير ظاهر، فقد ورد في زيارة القبور أحاديث متعددة بلفظ الزيارة لا بلفظ القيام.
وقد علل تعالى هذا النهي ببيان مستأنف فقال: {إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}، أي إنهم كفروا وماتوا وهم فاسقون، أي وهم في حال خروجهم السابق من حظيرة الإيمان، كما تقدم في تفسير مثله من هذا السياق [والجملة الحالية تدل على وقوع مضمونها قبل حدوث العامل فيها]، والنهي يتعلق بالحال والاستقبال، ولا سيما إذا أكد بكلمة أبدا التي هي نص في معنى الاستقبال، ولكن قال في تعليل النهي: (وماتوا) وهو فعل ماض، والقاعدة في التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي أن يكون لتأكيده وتحققه حتى كأنه وقع بالفعل، أي وسيموتون وهم متلبسون بكفرهم، ولعل فيه إشارة إلى ما روي في سبب نزول الآية وهو صلاته صلوات الله عليه على عبد الله بن أبيّ، فيكون المعنى ومات من مات منهم على كفره، وسيموت الآخرون كذلك...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وكما أمر اللّه رسوله -[صلى الله عليه وسلم]- بألا يسمح للمتخلفين في ساعة العسرة أن يعودوا فينتظموا في الصفوف، كذلك أمره ألا يخلع عليهم أي ظلال من ظلال التكريم: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره. إنهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون). ولقد ذكر المفسرون حوادث خاصة عنتها هذه الآية. ولكن دلالة الآية أعم من الحوادث الخاصة. فهي تقرر أصلاً من أصول التقدير في نظام الجماعة المكافحة في سبيل العقيدة، هو عدم التسامح في منح مظاهر التكريم لمن يؤثرون الراحة المسترخية على الكفاح الشاق؛ وعدم المجاملة في تقدير منازل الأفراد في الصف. ومقياس هذا التقدير هو الصبر والثبات والقوة والإصرار والعزيمة التي لا تسترخي ولا تلين. والنص يعلل هذا النهي في موضعه هنا (إنهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون) وهو تعليل خاص بعدم الصلاة أو قيام الرسول -[صلى الله عليه وسلم]- على قبر منافق.. ولكن القاعدة -كما ذكرنا- أوسع من المناسبة الخاصة. فالصلاة والقيام تكريم. والجماعة المسلمة يجب ألا تبذل هذا التكريم لمن يتخلف عن الصف في ساعة الجهاد، لتبقى له قيمته، ولتظل قيم الرجال منوطة بما يبذلون في سبيل اللّه، وبما يصبرون على البذل، ويثبتون على الجهد، ويخلصون أنفسهم وأموالهم للّه لا يتخلفون بهما في ساعة الشدة، ثم يعودون في الصف مكرمين! لا التكريم الظاهر ينالونه في أعين الجماعة، ولا التكريم الباطن ينالونه في عالم الضمير:...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وحرصا على إزالة كل لبس، وعلى تمييز المنافقين من المؤمنين تمييزا تاما، نهى الله رسوله والمؤمنين عن الصلاة عليهم بعد وفاتهم، ونهاه عن القيام على قبورهم للدعاء لهم، وبذلك بقيت هذه الميزة خاصة بأموات المؤمنين وحدهم، فقال تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}. وقد تلقى حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء المنافقين وعرف أشخاصهم، فكان بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى هو الذي يلفت نظر المسلمين إليهم كلما مات واحد منهم، حتى لا يصلوا عليه ولا يقفوا على قبره، امتثالا لهذه الآية الكريمة، ومن أجل ذلك أطلق على حذيفة بن اليمان لقب "صاحب السر"، والسر إنما هو في هذا المقام بالخصوص. وهكذا أصبحت صلاة الجنازة قاصرة على المؤمنين يستغفر بها أحياؤهم لأمواتهم، ومما جاء في فضلها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل وما القيراطان؟ قال: أصغرهما مثل أحد) يشير إلى جبل أحد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل) أخرجه أبو داود في سننه، وانفرد به. وبعدما فضح كتاب الله في هذه السورة الكريمة الأعذار المنتحلة التي كان يعتذر بها المنافقون عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، كقوله تعالى حكاية عنهم أيضا: {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} جاءت الآيات الكريمة بالقول الفصل في بيان العذر الصحيح والعذر الباطل...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
أسلوب أشدّ في مواجهة المنافقين:
بعد أن أزاح المنافقون الستار عن عدم مشاركتهم في ميدان القتال، وعلم الناس تخلفهم الصريح، وفشا سرّهم، أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه بأن يتبع أسلوباً أشدّ وأكثر صراحة ليقتلع وإِلى الأبد جذور النفاق والأفكار الشيطانية، وليعلم المنافقون بأنّهم لا محل لهم في المجتمع الإِسلامي، وكخطوة عملية في مجال تطبيق هذا الأسلوب الجديد، صدر الأمر الإِلهي (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره).
إِن هذا الأسلوب في الواقع هو نوع من الكفاح السلبي الفاعل في مواجهة المنافقين، لأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستطع للأسباب التي ذكرناها آنفاً أن يأمر بقتل هؤلاء صراحة لتطهير المجتمع الإِسلامي منهم، أمّا هذا الأسلوب السلبي فهو مؤثر في احتقار هؤلاء وتحجيم دورهم، وتقزيمهم وطردهم من المجتمع الإِسلامي.
من المعلوم أنّ المؤمن الحقيقي محترم في الشرع الإِسلامي حيّاً وميتاً، ولهذا نرى الدين الإِسلامي الحنيف قد أصدر ضمن تشريعاته الأمر بتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وأوجب أن يولى احتراماً كبيراً، وأن يودع التراب بمراسم خاصّة، وحتى بعد دفنه فإنّ من حقوقه أن يزور المؤمنون قبره، ويستغفروا له، ويطلبوا الرحمة له.
إنّ عدم إجراء هذه المراسم لفرد معين يعني طرده من المجتمع الإِسلامي، وإذا كان الطارد له هو النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، فإنّ الصدمة والأثر النفسي على نفسيته ووجوده سيكون شديداً جداً.
إن هذا البرنامج والأسلوب الدقيق في الواقع كان قد أعد لمقابلة منافقي ذلك العصر، ويجب أن يستفيد المسلمون من هذه الأساليب، أي أنّ هؤلاء المنافقين ما داموا يُظهرون الإِسلام، فمن الواجب عليهم أن يعاملوهم كمسلمين وإن كان باطنهم شيئاً آخر، أمّا إِذ أظهروا نفاقهم، وكشفوا اللثام عن وجوههم الحقيقية، فعندئذ يجب أن يعاملوهم كأجانب عن الإِسلام.
وفي آخر الآية يتّضح سبب هذا الأمر الإِلهي ب (أنّهم كفرو بالله ورسوله) ورغم ذلك فإنّهم لم يفكروا بالتوبة ولم يندموا على أفعالهم ليغسلوها بالتوبة، بل إنّهم بقوا على أفعالهم (وماتوا وهم كافرون).
وهنا يمكن أن يسأل أحدكم: إِنّ المنافقين إِذا كانوا حقيقة بهذا البعد عن رحمة الله، وعلى المسلمين أن لا يُظهروا أي ود أو محبّة تجاههم، فلماذا فضّلهم الله تعالى ومنحهم كل هذه القوى الاقتصادية من الأموال والأولاد؟