تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَأن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ( 169 ) وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إنا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( 170 ) }

المفردات :

خلف : المراد بهم هنا : الأولاد ، وأكثر ما يستعمل الخلف بسكون اللام في الشر ومنه : سكت ألفا ونطق خلف ، وأكثر ما يستعمل الخلف بفتح اللام في الخير وأصل الخلف بصيغتيه : ما يكون وراء غيره أو بعده .

عرض هذا الأدنى : العرض : ما لا ثبات له ، وفي النهاية : العرض – بالفتح – متاع الدنيا وحطامها . والمراد بهذا الأدنى : الدنيا . وأشير إلها " بهذا " وهو للمذكر ، على تقدير : هذا الشيء الأدنى .

ميثاق الكتاب : المراد بالكتاب : التوراة . وبميثاقه : عهده الوثيق المؤكد .

التفسير :

{ 169 - فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى… } الآية .

أي : فجاء من بعد الصالحين والطالحين الأولين من بني إسرائيل ذرية خلفهم ، ورثوا كتاب التوراة عن أسلافهم ، وهم الذين عاصروا النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكنهم هجروا التوراة ، وآثروا الدنيا ومتاعها وزينتها ، وتفانوا في جمع حطامها ، لا يبالون حلالا كان أو حراما ، أي : من غير طريق شرعي ، كالسحت والرشوة والمحاباة في الحكم ، والاتجار في الدين ، وتحريف الكلم عن مواضعه .

{ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَأن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } . زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وأن الله لا يعذبهم على أعمالهم ، ومع هذا فإنهم مقيمون على المعاصي ، مصرون على الذنوب ، لا يتورّعون عن ضم الحرام إلى غيره ، فأن يأتيهم عرض آخر من عروض الدنيا مثل الذي أخذوه أولا بالباطل ، يأخذوه بلهف دون تعفف ، و هم يعلمون أن وعد الله بالمغفرة مخصوص بالتائبين ، الذين يقلعون عن ذنوبهم .

{ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق } .

أي : أن الله تعالى ينكر عليهم صنيعهم هذا ؛ لأنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق ، ألا يقولوا على الله إلا الحق ، فكيف يطمعون في مغفرة ذنوبهم مع إصرارهم عليها ، وتكرر وقوعها منهم ، بدون ندم أو إقلاع وتوبة .

وهذا هو المذكور في التوراة : من ارتكب ذنبا عظيما : فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة ، ومن جملة الميثاق أن يبينوا للناس الحق ولا يكتمونه ، وألا يحرّفوا الكلم ، وألا يغيروا الشرائع لأجل أخذ الرشوة48 .

{ ودرسوا ما فيه } .

أي : والحال أنهم قد درسوا التوراة دراسة تامة ، فعرفوا ما فيها من تحريم أكل مال الغير بالباطل ، والكذب على الله .

إنها دراسة نظرية لم تتغلغل في وجدانهم ، ولم تؤثر في قلوبهم .

وهذا شأن كل منافق عليم اللسان ، يسخّر علمه ودراسته ومعرفته ، لإلباس الباطل ثوب الحق .

{ والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } .

أن ثواب الآخرة بقى ، ونعيم الآخرة أدوم ، فكيف يليق بعاقل أن يبيع الباقي الدائم ، ويشتري الخسيس القليل .

ولو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى ؛ لوجب إيثار ما يبقى على ما يفنى ، فكيف والحال أن الآخرة من ذهب يبقى ، والدنيا من خزف يفنى .

إن عقيدة الإيمان بالآخرة هي التي صنعت الرجال الأبطال ، الذين مارسوا الجهاد في الميدان ، وفي الفقه والتشريع والقضاء ، وأن إيثار العاجلة هو الذي يوسوس للضعفاء ولذلك يقول القرآن لليهود ، تحريضا لهم على العودة إلى حكم التوراة :

{ أفلا تعقلون } ، فإن متاع الدنيا قليل ومتاع الآخرة كثير دائم .

 
التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 169 ) }

فجاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم بَدَلُ سوء أخذوا الكتاب من أسلافهم ، فقرءوه وعلموه ، وخالفوا حكمه ، يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا من دنيء المكاسب كالرشوة وغيرها ؛ وذلك لشدة حرصهم ونَهَمهم ، ويقولون مع ذلك : إن الله سيغفر لنا ذنوبنا تمنيًا على الله الأباطيل ، وإن يأت هؤلاء اليهودَ متاعٌ زائلٌ من أنواع الحرام يأخذوه ويستحلوه ، مصرِّين على ذنوبهم وتناولهم الحرام ، ألَمْ يؤخذ على هؤلاء العهود بإقامة التوراة والعمل بما فيها ، وألا يقولوا على الله إلا الحق وألا يكذبوا عليه ، وعلموا ما في الكتاب فضيعوه ، وتركوا العمل به ، وخالفوا عهد الله إليهم في ذلك ؟ والدار الآخرة خير للذين يتقون الله ، فيمتثلون أوامره ، ويجتنبون نواهيه ، أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون دنيء المكاسب أن ما عند الله خير وأبقى للمتقين ؟

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ . . . } .

قال الإمام القرطبى : الخلْف - بسكون اللام - الأولاد ، الواحد والجمع فيه سواء ، الخلف - بفتح اللام - البدل ، ولداً كان أو غريبا . وقال ابن الأعرابى : الخلف - بفتح اللام - الصالح ، وبسكونها الطالح ، ومنه قيل للردى من الكلام خلف - بسكون اللام - ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلْفا " قال لبيد .

ذهب الذين يعاش في أكنافهم . . . وبقيت في خلف كجلد الأجرب

فخلْف في الذم بالإسكان ، وخَلَف بالفتح في المدح ، هذا هو المستعمل المشهور ، وفى الحديث الشريف " يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له " وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر .

والعرض - بفتح الراء - متاع الدنيا وحطامها من المال وغيره .

قال صاحب الكشاف : قوله تعالى : { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى } أى حطام هذا الشىء الأدنى ، يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفى قوله هذا تخسيس وتحقير ، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب ، لأنه عاجل قريب ، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة ) .

والضمير في قوله { مِن بَعْدِهِمْ } يعود إلى اليهود الذين وصفهم الله في الآية السابقة بقوله { وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } والمعنى : فخلف من بعد أولئك القوم الذين قطعناهم في الأرض أمما خلف سوء ، ورثوا كتاب الله وهو التوراة فقرأوه وتعلموه ، ووقفوا على ما فيه من تحليل وتحريم وأمر ونهى ولكنهم لم يتأثروا به بل خالفوا أحكامه ، واستحلوا محارمه مع علمهم بها ، فهم يتهافتون على حطام الدنيا ومتاعها ويتقبلون المال الحرام بشراهة نفس . ويأكلون الحست أكلا لما ويقولون وهم والغون في المعاصى ومصرون على الذنوب : إن الله سيغفر لنا ذنوبنا ولا يؤاخذنا بما أكلنا من أموال ، لأننا من نسل أنبيائه ، فنحن شعبه الذي اصطفاه من سائر البشر ، إلى غير ذلك من الأقاويل التي يفترونها على الله وهم يعلمون .

وجملة { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى } مستأنفة لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم إياه . وقيل : هى حال من الضمير في ورثوا .

ثم أخبر - سبحانه - عنهم بأنهم أهل إصرار على ذنوبهم ، وليسوا بأهل إنابة ولا توبة فقال تعالى : { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } أى : أنهم يأخذون عرض الحياة الدنيا ويعرضون عن شريعة الله التي أنزلها عليهم في التوراة ويزعمون أن الله لا يؤاخذهم بما فعلوا . ثم هم بعد ذلك لا يتوبون إلى الله ولا يستغفرونه ، وإنما حالهم أنهم إن لاح لهم عرض حرام آخر مثل الذي أخذوه أولا بالباطل ، تهافتوا عليه من جديد واستحلوه وأكلوه في بطونهم ، وبدون توبة أو ندم .

قال مجاهد قوله تعالى { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } لا يشرف لهم شىء من متاع الدنيا إلا أخذوه حلالاً كان أو حراما ، ويتمنون المغفرة { وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه .

وقال السدى : ( كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم وإن خيارهم اجتمعوا ، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا ، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى ، فيقال له ما شأنك ترتشى في الحكم ؟ فيقول شيغفر لى ، فيطعن عليه البقية الآخرون من بنى إسرائيل صنعه فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه قبل الرشوة ، يقول الله : ( وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه ) .

ثم أنكر - سبحانه - عليهم ما زعموه بقولهم : { سَيُغْفَرُ لَنَا } وهم مصرون على معصيتهم فقال تعالى : { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } .

والمعنى : لقد أخذ الله العهد في التوراة على هؤلاء المرتشين في أحكامهم : والقائلين سيغفر الله فعلنا هذا ألا يقولوا على الله إلا القول الحق ، ولا يخبروا عنه إلا بالصدق ولا يخالفوا أمره . ولا ينقضوا عهده ، ولا يتجاوزوا حدوده ، وقد درس هؤلاء الكتاب ، أى : قرأوه وفهموه ، ولكنهم لم يعملوا بما أخذ عليهم من عهود ولم يتبعوا أوامر كتابهم ونواهيه ، تلأنهم درسوه ولم يتأثروا به ، ولم تخالط تعاليمه شغاف قلوبهم ، فضيعون واشتروا به ثمناً قليلا فبئس ما يشترون .

وقوله { أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } بدل من ميثاق الكتاب أو عطف بيان له . وقيل إنه مفعول لأجله أى : لئلا يقولوا .

وجملة { وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } معطوفة في المعنى على قوله تعالى { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الكتاب } أى أن الله تعالى قد أخذ عليهم الميثاق في التوراة ودرسوه .

قال ابن دريد : ( كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له .

ثم بين الله لهم أن ما أعده في الآخرة للمتقين الذين يتعففون عن السحت وعن أكل أموال الناس بالباطل خير من متاع الدنيا وزهرتها الذىآثره هؤلاء الذين يفترون علىالله الكذب فقال تعالى : { والدار الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أى : والدار الآخرة وما أعده فيها من نعيم لأولئك الذين يتقونه حق تقاته في السر والعلن ، خير من عرض هذا الأدنى الذي استحله هؤلاء اليهود بدون حق وآثروه على ما عند الله من نعيم مقيم وثواب جزيل { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } - يا من أكلتم أموال الناس بالباطل وقلتم سيغفر الله لنا ذنوبنا - هذا الحكم الواضح ، الذي لا يخفى على ذى عقل سليم ، لم تطمسه الشهوات ، ولم يستحوذ عليه الشيطان .

وفى هذا إشارة إلى أن الطمع في متاع الحياة الدنيا هو الذي جعل بنى إسرائيل يقولون على الله غير الحق . ويتشبعون من المال الحرام بدون تعفف ويبيعون دينهم بدنياهم .

قال الإمام الآلوسى : ( والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على الذنوب وجاء البت من السين فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون ، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - إنهم وبخوا على إيجابهم على الله - تعالى - غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ثم لا يتوبون منها .

وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمنى على الله ، ورووا ع شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى " ومن هنا قيل : إن القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وبإتباعهم أنفسهم هواها وتمنيهم على الله - سبحانه - الأمانى ، ووبخوا على افترائهم على الله في الأحكام التي غيروها ، وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها ، وقالوا على الله ما ليس بحق من القول ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

قوله : { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه } الخلف ، بفتحتين معناه البدل والعوض . والخلف بسكون اللام ، معناه القرن من الناس . يقال : هؤلاء خلف سوء ، لناس لاحقين بناس أكثر منهم . والخلف أيضا الرديء من القول . يقال : سكت ألفا ونطق خلفا . أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ{[1567]} . والمقصود هو توبيخ اليهود ؛ فقد تبدل من بعد السابقين الذين فيهم الصالحون والطالحون { خلف } أي بدل آخر لا يقال سوءا عن الفاسقين العصاة من أسلافهم . وهم بذلك لا خير فيهم البتة ؛ فقد ورثوا الكتاب وهو التوراة ؛ فعلموه وعرفوا ما فيه لكنهم خالفوا أحكامه وأوامره . وبذلك كانت الأحفاد والذراري بدل سوء عن الأسلاف السابقين في العصيان والاستكبار على شرائع الله . ثم أخبر الله عن هؤلاء الخلف أنهم { يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا } أي يقبلون بنهم متجشع ما يعرض لهم من متاع الدنيا لفرط حبهم لها وحرصهم على الاستزادة من أموالها وعروضها سواء في ذلك الحلال أو الحرام . { ويقولون سيغفر لنا } فهم سادرون في إلحاح بالغ للأخذ من متاع الدنيا وزينتها بكل أسلوب من الأساليب سواء في ذلك الربا والرشى والابتزاز . واغتصاب الأموال من الآخرين بغير حق . وغير ذلك من أموال السحت ينتزعونها من الناس انتزاعا . ومع ذلك كله يزعمون أنهم لا جناح عليهم فيما يفعلونه فإنهم مغفور لهم .

قوله : { وإن يأتيهم عرض مثله يأخذه } العرض ، بسكون الراء ، معناه المتاع ، وكل شيء سوى الدراهم والدنانير . يقال : أخذت في هذه السلعة عرضا : أعطيت في مقابلها سلعة أخرى . والعرض بفتحتين : متاع الدنيا قل أو كثر{[1568]} ، وتأويل الآية : أن هؤلاء القوم إذا أمكنهم أن يأخذوا من عرض الدنيا مما فيها من السحت وخبيث المكاسب أخذوه من غير تروع ولا تردد ولا رهبة من الله . فهم لاغترارهم وسفاهتهم يظنون أنهم مغفور لهم مما علموا . ويقول بعض المفسرين إن حال اليهود هذه من حيث تلبسهم بالشهوات وفرط إقبالهم على المال ومتاع الحياة الدنيا تنسحب على بعض المسلمين الذين يتقاحمون بإلحاح غليظ ومسف من أجل اكتساب المال بكل الطرق والأسباب . وأجد أن في هذا التشبيه نظرا . لأن الطامعين الجشعين من المسلمين الذين يغالون في حب المال ، ويبالغون في كسبه وتحصيه بكل الأساليب يعلمون أنهم آثمون ولا يحملون في أذهانهم مسبقا أنهم مغفور لهم مهما فعلوا ، كبني إسرائيل والفرق بين الصنفين عظيم .

قوله : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه } يقول الله موبخا هؤلاء الناهمين البطرين الذي يزعمون أنهم مغفور لهم مهما عملوا من السيئات واكتساب الحرام –يقول لهم : ألم يأخذ الله عليهم العهود بأن يقيموا التوراة وأن يعملوا بما فيها ، وأن لا يقولوا على الله إلا الحق ولا يغيروا ما أنزل على نبيهم موسى في التوراة أو يحرفوا فيها أيما تحريف ؛ فقد ورثوا الكتاب { ودرسوا ما فيه } أي أقروا التوراة وعرفوا ما فيها من الأحكام والتعاليم لكنهم ضيعوا كتاب الله وتركوا العمل بمقتضاه وخالفوا ما أخذ الله عليهم من العهود بالتصديق والاستقامة والتزام ما شرعه الله التزاما صحيحا لا محرفا ولا منقوصا .

قوله : { والدار الآخرة خير للذين يتقوت أفلا تعقلون } ذلك تذكير صادع بما هو خير وأبقى . وتلكم هي الدار الآخرة ؛ لا جرم أن النجاة فيها رأس كل كسب وفلاح . وهي خير مما يجمعه الناس في حياتهم من وجوه الكسب والثراء ، ورفيع المكانة والدرجات . إن ذلك كله حطام داثر ؛ لأنه إلى الفناء والخراب صائر ؛ فهو ليس إلا السراب واليباب الذي يؤول لا محالة إلى الزوال المحقق والغياب الذي لا يرجى من بعده مرد ولا إياب { أفلا تعقلون } الاستفهام للتوبيخ ومفاده : أفلا يعلم هؤلاء الذين يأخذون عرض الدنيا الفنية بغير حق ولا عدل ويزعمون أنهم مغفور لهم –أن ما عند الله في الدار الآخرة خير لهم مما جمعوه من السحت والحرام ؟ !


[1567]:المصباح المنير جـ 1 ص 192 ومختار الصحاح ص 185.
[1568]:المعحم الوسيط جـ 2 ص 594.