تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ} (59)

{ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ 59 وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ 60 }

المفردات :

رزق : الرزق في اللغة : ما ينتفع به ، ومعلوم أنه ليس كله نازلا من السماء ، وإنما الذي أنزل من السماء ، هو التشريع الذي أحله ، أو أسبابه التي حدث بها كالمطر والهواء وأشعة الشمس ، وعلى هذا فالمراد من إنزال الرزق من السماء : إنزال تشريعه أو أسبابه ، وفسر بعض العلماء إنزال الرزق بمعنى : خلقه ؛ وعليه فلا إشكال .

التفسير :

59 { قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً . . . } الآية .

كان أهل الجاهلية يحرمون على أنفسهم أنواعا من الحيوانات مع أن الله أحلها لهم وهنا يوجه السؤال إليهم ويقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين : أخبروني أيها الجاحدون للوحي والرسالة ، المبدلون لشرع الله على حسب أهوائكم ، إن الله تعالى قد أنزل عليكم ألوانا من الرزق الحلال ، فجئتم أنتم ، وقسمتم هذا الرزق الحلال ، فجعلتم منه حلالا ، وجعلتم منه حراما .

وقد حكى الله عنهم ذلك في آيات متعددة منها قوله تعالى في سورة الأنعام : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } . ( الأنعام : 136 ) .

وقوله في سورة المائدة : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } . ( المائدة : 103 ) .

{ قل أآلله أذن لكم أم على الله تفترون } .

أي : قل لهم يا محمد على سبيل الزجر والتوبيخ : إن الله وحده هو الذي يملك التحليل والتحريم ، فهل هو سبحانه أذن لكم بذلك بوحي من عنده ، أم أنتم تفترون على الله بزعمكم أنه حرم ما حرمتم ، وحلل ما حللتم .

والخلاصة : أنه لا مندوحة لكم في الاعتراف بأحد أمرين : إما دعوى الإذن لكم من الله بالتحريم والتحليل ؛ لأن أحل هذه الأنعام في شريعة إبراهيم وشريعة الرسل من بعده ؛ وإما اعترافكم بالافتراء على الله .

قال الزمخشري في تفسير الكشاف :

والمعنى : أخبروني : الله أذن لكم في التحليل والتحريم ، وأنتم تفعلون ذلك بإذنه ، أم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه . ا ه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ} (59)

فيه مسألتان :

الأولى - قوله تعالى : " قل أرأيتم " يخاطب كفار مكة . " ما أنزل الله لكم من رزق " " ما " في موضع نصب ب " أرأيتم " . وقال الزجاج : في موضع نصب ب " أنزل " . " وأنزل " بمعنى خالق ، كما قال : " وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج{[8517]} " [ الزمر : 6 ] . " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد{[8518]} " [ الحديد : 25 ] . فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال ؛ لأن الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر . " فجعلتم منه حراما وحلالا " قال مجاهد : هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام{[8519]} . وقال الضحاك : هو قول الله تعالى : " وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا{[8520]} " [ الأنعام : 136 ] . " قل أآلله أذن لكم " أي في التحليل والتحريم . " أم على الله " " أم " بمعنى بل . " تفترون " هو قولهم إن الله أمرنا بها .

الثانية - استدل بهذه الآية من نفى القياس ، وهذا بعيد ؛ فإن القياس دليل الله تعالى ، فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم ، فإن خالف في كون القياس دليلا لله تعالى فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى غيره .


[8517]:راجع ج 15 ص 234.
[8518]:راجع ج 17 ص 260.
[8519]:راجع ج 6 ص 335.
[8520]:راجع ج 7 ص 89.