ولا تخزون : لا تفضحوني من الخزي ، أولا تخجلوني .
رجل رشيد : ذو رشد وعقل يهتدي إلى الحق ويرعوى عن القبيح .
78 { وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ . . . } الآية .
علم قوم لوط بوجود أضياف في بيته ، وربما كانت زوجته هي التي أخبرتهم ، فأسرعوا يتدافعون جميعا ، كأنما يسوقهم سائق ، وهم في شدة الفرح والتعطش ؛ لقضاء الشهوة مع هؤلاء الرجال .
{ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } .
أي : كان شأنهم ارتكاب الفاحشة مع الرجال علنا ، وقطع الطريق ، والاستيلاء على أموال عابر السبيل ؛ بدون رحمة أو رأفة ، كما حكى الله عنهم : { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر } . ( العنكبوت : 29 ) .
فهم قوم تعودوا على إتيان هذا الشذوذ في جماعتهم وناديهم ، وكان لوط عليه السلام ينصحهم ، ويحذرهم من هذا الشذوذ ، كما قال لهم في آية أخرى : { أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون } . ( الشعراء : 165 ، 166 ) .
{ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } .
تقرب لوط إلى قومه ، وقال لهم : يا قوم ، النساء أطهر لكم من الرجال ، وأنا أنصحكم بقضاء هذه الشهوة مع بنات أمتي من الزوجات ، والصالحات للزواج ، فكل نبي في أمته بمنزلة الولد .
وكان مما يتلى في القرآن : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } . ( الأحزاب : 6 ) .
وقيل : المراد : تزوجوا بناتي هن أطهر لكم من الرجال ؛ أي : عرض عليهم الزواج ببناته من صلبه ، ليصرفهم عن اللواط بضيوفه .
وعلماء التفسير يرجحون أن المراد : تزوجوا بنات أمتي ، أي : النساء جملة ؛ لأن نبي القوم أب لهم ؛ قال مجاهد : لم يكن بناته ولكن كن من أمته ، وكل نبي أبو أمته ، وقال سعيد بن جبير : يعني : نساؤهم هن بناته ؛ وهو أب لهم ، وقد رجح الإمام فخر الدين الرازي رأي الجمهور واستدل على ذلك بما يأتي :
1 أنه قال : { قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } . وبناته اللائي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم ؛ أما نساء أمته ففيهن كفاية الكل .
2 أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان ، وهما : زنتا وزعورا . وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز ؛ لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة .
{ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } . أي : راقبوا الله في ترك هذه الفاحشة السيئة التي لم يسبقكم إليها أحد من العالمين ؛ بل أنتم اخترعتموها واستمررتم عليها .
{ ولا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } . لا تفضحوني في ضيوفي وتذلوني لعدم قدرتي على الدفاع عن ضيوفي ، وإن إهانتهم إهانة لي ، ويطلق لفظ الضيف على المفرد والمثنى والجمع ، وقد يثني فيقال : ضيفان ويجمع فيقال : أضياف وضيوف .
{ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } . فيه رشد وحكمة وعقل وخير ، يقبل ما آمر به ، وينهاكم عن المنكر ويهديكم إلى الطريق الأقوم .
قوله تعالى : " وجاءه قومه يهرعون إليه " في موضع الحال . " يهرعون " أي يسرعون . قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة : لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة ، يقال : أهرع الرجل إهرَاعا أي أسرع في رِعْدَةٍ من بَرْدٍ أو غضب أو حُمَّى ، وهو مُهْرَع ، قال مهلهل :
فجاؤوا يُهْرَعون وهم أسارَى *** نَقودُهُم على رَغْمِ الأُنُوفِ
وهذا مثل : أولع فلان بالأمر ، وأرعد زيد . وزهي فلان . وتجيء ولا تستعمل إلا على هذا الوجه . وقيل : أهرع أي أَهْرَعَهُ حِرْصُهُ ، وعلى هذا " يهرعون " أي يستحثون عليه . ومن قال بالأول قال : لم يسمع إلا أهرع الرجل أي أسرع ، على لفظ ما لم يسم فاعله . قال ابن القوطية : هرع الإنسان هرعا ، وأهرع : سيق واستعجل . وقال الهروي يقال : هرع الرجل وأهرع أي استحث . قال ابن عباس وقتادة والسدي : ( " يهرعون " يهرولون ) . الضحاك : يسعون . ابن عيينة : كأنهم يدفعون . وقال شمر بن عطية : هو مشي بين الهرولة والجَمَزَى . وقال الحسن : مشي بين مشيين ، والمعنى متقارب . وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة ، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم ، خرجت حتى أتت مجالس قومها ، فقالت لهم : إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رئي مثلهم جمالا ، وكذا وكذا ، فحينئذ جاؤوا يهرعون إليه . ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطا في حرث له . وقيل : وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سدوم ، فسألوها الدلالة على من يضيفهم ، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط ، وقالت لهم : مكانكم ! وذهبت إلى أبيها فأخبرته ، فخرج إليهم ، فقالوا : نريد أن تضيفنا الليلة ، فقال لهم : أوما سمعتم بعمل هؤلاء القوم ؟ فقالوا : وما عملهم ؟ فقال أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض - وقد كان الله عز وجل ، قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات - فلما قال لوط هذه المقالة ، قال جبريل لأصحابه : هذه واحدة ، وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات ، ثم دخل بهم المدينة .
قوله تعالى : " ومن قبل " أي ومن قبل مجيء الرسل . وقيل : من قبل لوط . " كانوا يعملون السيئات " أي كانت عادتهم إتيان الرجال . فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا ، وقال : " هؤلاء بناتي " ابتداء وخبر . وقد اختلف في قوله : " هؤلاء بناتي " فقيل : كان له ثلاث بنات من صلبه . وقيل : بنتان : زيتا{[8799]} وزعوراء ، فقيل : كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه . وقيل : ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح ، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة ، وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ ، فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنتا له من عتبة بن أبي لهب ، والأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي ، وكانا كافرين . وقالت فرقة - منهم مجاهد وسعيد بن جبير - أشار بقوله : " بناتي " إلى النساء جملة ؛ إذ نبي القوم أب لهم ، ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود . " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " [ الأحزاب : 6 ] . وقالت طائفة : إنما كان الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه ، روي هذا القول عن أبي عبيدة ، كما يقال لمن ينهى عن أكل مال الغير : الخنزير أحل لك من هذا . وقال عكرمة : لم يعرض عليهم بناته ولا بنات أمته ، وإنما قال لهم هذا لينصرفوا .
قوله تعالى : " هن أطهر لكم " ابتداء وخبر ؛ أي : أزوجكموهن ، فهو أطهر لكم مما تريدون ، أي أحل . والتطهر التنزه عما لا يحل . وقال ابن عباس : ( كان رؤساؤهم خطبوا بناته فلم يجبهم ، وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ببناته ) . وليس ألف " أطهر " للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح الرجال{[8800]} طهارة ، بل هو كقولك : الله أكبر وأعلى وأجل ، وإن لم يكن تفضيل ، وهذا جائز شائع{[8801]} في كلام العرب ، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه . وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أحد : اعل هبل{[8802]} اعل هبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : ( قل الله أعلى وأجل ) . وهبل لم يكن قط عاليا ولا جليلا . وقرأ العامة برفع الراء . وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو " هن أطهر " بالنصب على الحال . و " هن " عماد . ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون " هن " ههنا عمادا ، وإنما يكون عمادا فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها ، نحو كان زيد هو أخاك ، لتدل بها على أن الأخ ليس بنعت . قال الزجاج : ويدل بها على أن كان تحتاج إلى خبر . وقال غيره : يدل بها على أن الخبر معرفة أو ما قارنها .
قوله تعالى : " فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي " أي لا تهينوني ولا تذلوني . ومنه قول حسان :
فأخزاك ربي يا عُتيبَ بن مالك *** ولقَّاكَ قبلَ الموت إحدى الصواعق
مددت يمينا للنبي تَعَمُّدًا *** ودَمَّيْتَ فاهُ قُطِّعَتْ بالبَوَارِقِ
ويجوز أن يكون من الخزاية ، وهو الحياء ، والخجل ، قال ذو الرمة :
خزاية{[8803]} أدركته بعد جولته *** من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
من البيض لا تَخْزَى إذا الريح ألصقت*** بها مِرْطَهَا أو زايلَ الحَلْيُ جيدَهَا
وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد ؛ لأنه في الأصل مصدر ، قال الشاعر :
لا تعدمي الدهرَ شِفَارَ الجازِرِ *** للضيفِ والضيفُ أحقُّ زائرِ
ويجوز فيه التثنية والجمع ، والأول أكثر كقولك : رجال صَوْمٍ وفِطْرٍ وزَوْرٍ . وخزي الرجل خَزَايَةً ، أي استحيا مثل ذلَّ وهان . وخزي خزيا إذا افتضح ، يخزى فيهما جميعا . ثم وبخهم بقوله : " أليس منكم رجل رشيد " أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . وقيل : " رشيد " أي ذو رشد . أو بمعنى راشد أو مرشد ، أي صالح أو مصلح ابن عباس : مؤمن . أبو مالك : ناه عن المنكر . وقيل : الرشيد بمعنى الرشد ، والرشد والرشاد الهدى والاستقامة . ويجوز أي يكون بمعنى المرشد ، كالحكيم بمعنى المحكم .