تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ} (106)

{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } .

تحذر هذه الآية من الشرك بجميع أنواعه ، وتدعو إلى الإيمان بالله خالصا نقيا .

والمعنى : وما يؤمن أكثر أهل مكة بالله إلا إيمانا مشوبا بالشرك ؛ من حيث اعتقادهم : أن الأصنام تنفعهم ، أو تقربهم إلى الله زلفى .

قال ابن عباس : هم أهل مكة آمنوا وأشركوا ، وكانوا يقولون في تلبيتهم : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك " ، وهذا هو الشرك الأعظم .

وفي الصحيحين : عن ابن مسعود : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟ ! ، قال : ( أن تجعل لله ندا ، وهو خلقك )47 .

وقد بين ابن القيم في إغاثة اللهفان ، ما خلاصته :

أن الشيطان يزين للناس زيارة القبور ، ويوحي لهم : أن الدعاء عندها مستجاب ، ثم يسأل أصحاب القبور الشفاعة والوسيلة ، ثم يتخذ القبور عيدا تعلق عليها القناديل والستور ، ويطاف بها ويذبح عندها ، ويحج إليها ، ويعتبر ذلك عبادة ومنسكا ، مع أن دين الإسلام جاء بإخلاص العبادة لله وحده ، والنهي عن جميع مظاهر الشرك48 .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ} (106)

قوله تعالى : " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " نزلت في قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها ، وهم يعبدون الأوثان ، قاله الحسن ، ومجاهد وعامر الشعبي وأكثر المفسرين . وقال عكرمة هو قوله : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله{[9297]} " [ الزخرف : 87 ] ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أندادا ، ودعن الحسن أيضا : أنهم أهل كتاب معهم شرك وإيمان ، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح إيمانهم ، حكاه ابن الأنباري . وقال ابن عباس : نزلت في تلبية مشركي العرب : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . وعنه أيضا أنهم النصارى . وعنه أيضا أنهم المشبهة ، آمنوا مجملا وأشركوا مفصلا . وقيل : نزلت في المنافقين ، المعنى : " وما يؤمن أكثرهم بالله " أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه ، ذكره الماوردي عن الحسن أيضا . وقال عطاء : هذا في الدعاء ، وذلك أن الكفار ينسون ربهم في الرخاء ، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء ، بيانه : " وظنوا أنهم أحيط بهم{[9298]} " [ يونس : 22 ] الآية . وقوله : " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه{[9299]} " [ يونس : 12 ] الآية . وفي آية أخرى : " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض{[9300]} " [ فصلت : 51 ] . وقيل : معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة ، فإذا أنجاهم قال قائلهم : لولا فلان ما نجونا ، ولولا الكلب لدخل علينا اللص ، ونحو هذا ، فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان ، ووقايته منسوبة إلى الكلب .

قلت : وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوام المسلمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وقيل : نزلت هذه الآية في قصة الدخان ، وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدخان في سني القحط قالوا : " ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون{[9301]} " [ الدخان : 12 ] فذلك إيمانهم ، وشركهم عودهم إلى الكفر بعد كشف العذاب ، بيانه قوله : " إنكم عائدون " [ الدخان : 15 ] والعود لا يكون إلا بعد ابتداء ، فيكون معنى : " إلا وهم مشركون " أي إلا وهم عائدون إلى الشرك{[9302]} ، والله أعلم .


[9297]:راجع ج 16 ص 123.
[9298]:راجع ج 8 ص 325 و ص 317.
[9299]:راجع ج 8 ص 325 و ص 317.
[9300]:راجع ج 15 ص 373 و ص 38.
[9301]:راجع ج 16 ص 132.
[9302]:من ع، وفي ع: أصابهم.