تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ} (17)

{ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال17 للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد18 } .

المفردات :

أودية : جمع واد ، وهو كل منفرج بين جبال أو آكام . ويكون منفذا للسيل .

الزبد : ما يعلو وجه الماء كالرغوة .

رابيا : مرتفعا فوق الماء .

الحلية : ما يتخذ للزينة من الذهب والفضة وغيرهما .

متاع : المتاع كل ما ينتفع به من الطعام والثياب وأثاث البيت . ويراد بالمتاع هنا : أثاث البيت المتخذ من نحو الحديد والنحاس والرصاص .

جفاء : مرميا به ، يقال : جفأ الماء بالزبد ؛ إذا قذفه ورمى به ، وجفأت القدر : رمت بزبدها عند الغليان .

التفسير :

17 { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا . . . } .

تمهيد :

ضرب الله تعالى بهذه الآية مثلا في بقاء الحق ونقائه ، وهلاك الباطل وفنائه ، فدولة الباطل ساعة ، ودولة الحق إلى قيام الساعة ، وقد يرتفع شأن الباطل إلى حين ؛ لكنه لا أساس له ، قال تعالى : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء* تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون* ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار }( إبراهيم : 24 26 ) .

{ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها . . . } .

ضرب الله مثلا للحق في عموم فائدته ، وعظيم بركته بالماء الصافي الذي أنزله الله من السماء فسالت به أودية بين الجبال والآكام ؛ بحسب مقدارها في الصغر والكبر ، فحمل السيل الذي حدث من ذلك الماء زبدا عاليا ، مرتفعا فوقه ، طافيا عليها ، وهذا هو المثل الأول الذي ضربه الله للحق والباطل والإيمان والكفر ؛ فالحق يشبه الماء ؛ فهو ينساب في بطون الأرض ، ثم تحيا به الأرض ، وتثمر ما ينفع الإنسان والحيوان ، والباطل يشبه الرغوة التي تعلو فوق سطح الماء ؛ لكنها تضمحل وتزول وتنتهي .

{ ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله } .

أي : ومن الذي يطرحه الناس في النار من ذهب أو فضة ، وكذلك من سائر الفلزات كالحديد والنحاس والرصاص ؛ عندما يطرح الناس هذه المعادن في النار ؛ لتصفيتها وصهرها ، وليتخذوا حليا تصنع من الذهب والفضة ، أو أواني ينتفعون بها ويصنعونها من الحديد والرصاص والنحاس ، وفي أثناء صهر هذه المعادن يعلو فوقها زبد كزبد الماء في كونه رابيا فوقه ولا ينتفع به ، والزبد الذي يعلو فوق الماء ، ومثله الزبد الذي يعلو فوق المعادن عند صهرها ؛ مثل للباطل ، لا ثبات له ولا دوام له أمام الحق .

{ كذلك يضرب الله الحق والباطل } .

أي : مثل ذلك البيان البديع ، يضرب الله الأمثلة للحق والباطل إذا اجتمعا ؛ بأن يبين : بأنه لا ثبات للباطل مهما علا وارتفع مع وجود الحق كما أنه لا ثبات للزبد مع الماء الصافي ، ولا مع المعادن النقية ، وتقدير الكلام( كذلك يضرب الله مثل الحق ، ومثل الباطل ) .

{ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } .

أي : فأما الزبد الذي يعلو السيل ؛ فيذهب في جانبي الوادي ، ويعلق بالشجر وتنسقه الرياح ، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس ، يذهب ولا يرجع منه شيء ؛ وأما ما ينفع الناس من الماء الخالص الصافي ، وما خلص من الذهب والفضة والنحاس والرصاص ، فيمكث في الأرض ، فالماء يشرب بعضه ، ويذهب بعضه الآخر إلى جوف الأرض ؛ لينتفع به العيون والآبار والأفلاج ، وأما المعادن فيصاغ من بعضها أنواع الحلي والنقود ، ويؤخذ من بعضها الأواني وأصناف الآلات والأدوات ، والمصانع ووسائل الدفاع ونحو ذلك .

{ كذلك يضرب الله الأمثال } . أي : مثل ذلك البيان البديع الذي اشتملت عليه الآية الكريمة ، يضرب الأمثال للناس في كل باب ؛ حتى تستبين لهم طرق الهدى فيسلكوها ، وطرق الباطل فيتركوها .

من أقوال العلماء

قال الإمام الشوكاني :

هذان مثلان ضربهما الله تعالى في هذه الآية للحق والباطل يقول : إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال ؛ فإن الله تعالى سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله ، كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ، وكخبث هذه الأجسام ؛ فإنه وإن علا عليها ، فإن الكير يقذفه ويدفعه ، فهذا مثل الباطل .

وأما الماء الذي ينفع الناس ، وينبت المرعى ؛ فيمكث في الأرض ، وكذلك الصافي من هذه الأجسام ؛ فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه ، وهو مثل الحق .

وقال الزجاج :

( مثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان له كمثل الماء المنتفع به في نبات الأرض ، وحياة كل شيء ، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر ؛ لأنها كلها تبقى منتفعا بها .

ومثل الكافر وكفره ، كمثل الزبد الذي يذهب جفاء ، وكمثل خبث الحديد ، وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي ينتفع به )xxv .

من الصحيحين

روى البخاري ومسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب ، وكانت منها أجاذب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا ، وأصابت طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ؛ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به ، ونفع به الناس فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به )xxvi .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ} (17)

قوله تعالى : " أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا " ضرب مثلا للحق والباطل ، فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء ، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الأودية ، وتدفعه الرياح ، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل ، على ما نبينه . قال مجاهد : " فسالت أودية بقدرها " قال : بقدر ملئها . وقال ابن جريج : بقدر صغرها وكبرها . وقرأ الأشهب العقيلي والحسن " بقدرها " بسكون الدال ، والمعنى واحد . وقيل : معناها بما قدر لها . والأودية . جمع الوادي ، وسمي واديا لخروجه وسيلانه ، فالوادي على هذا اسم للماء السائل . وقال أبو علي : " فسالت أودية " توسع ، أي سال ماؤها فحذف ، قال : ومعنى " بقدرها " بقدر مياهها ؛ لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها . " فاحتمل السيل زبدا رابيا " أي طالعا عاليا مرتفعا فوق الماء ، وتم الكلام ، قاله مجاهد . ثم قال : " ومما يوقدون عليه في النار " وهو المثل الثاني . " ابتغاء حلية " أي حلية الذهب والفضة . " أو متاع زبد مثله " قال مجاهد : الحديد والنحاس والرصاص . وقوله : " زبد مثله " أي يعلو هذه الأشياء زبد كما يعلو السيل ، وإنما احتمل السيل الزبد لأن الماء خالطه تراب الأرض فصار ذلك زبدا ، كذلك ما يوقد عليه في النار من الجوهر ومن الذهب والفضة مما ينبث في الأرض من المعادن فقد خالطه التراب ، فإنما يوقد عليه ليذوب فيزايله تراب الأرض . وقوله : " كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء " قال مجاهد : جمودا . وقال أبو عبيدة قال أبو عمرو بن العلاء : أجفأت القدر إذا غلت حتى ينصب{[9378]} زبدها ، وإذا جمد في أسفلها . والجفاء ما أجفاه الوادي أي رمى به . وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ " جفالا " قال أبو عبيدة : يقال أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها ، وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته . " وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " قال مجاهد : هو الماء الخالص الصافي . وقيل : الماء وما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ، وهو أن المثلين ضربهما الله للحق في ثباته ، والباطل في اضمحلاله ، فالباطل وإن علا في بعض الأحوال فإنه يضمحل كاضمحلال الزبد والخبث . وقيل : المراد مثل ضربه الله للقرآن وما يدخل منه القلوب ، فشبه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه ، وشبه القلوب بالأودية ، يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية بحسب سعتها وضيقها . قال ابن عباس : " أنزل من الماء ماء " قال : قرآنا ، " فسالت أودية بقدرها " قال : الأودية قلوب العباد . قال صاحب " سوق العروس " :{[9379]} " إن صح هذا التفسير فالمعنى فيه أن الله سبحانه مثل القرآن بالماء . ومثل القلوب بالأودية ، ومثل المحكم بالصافي ، ومثل المتشابه بالزبد . وقيل : الزبد مخايل النفس وغوائل الشك ترتفع من حيث ما فيها فتضطرب من سلطان تِلَعِها ، كما أن ماء السيل يجري صافيا فيرفع ما يجد في الوادي باقيا ، وأما حلية الذهب والفضة فمثل الأحوال النية . والأخلاق الزكية ، التي بها جمال الرجال ، وقوام صالح الأعمال ، كما أن من الذهب والفضة زينة النساء . وبهما قيمة الأشياء . وقرأ حميد وابن محيصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص ، " يوقدون " بالياء واختاره أبو عبيد ؛ لقوله : " ينفع الناس " فأخبر ، ولا مخاطبة هاهنا . الباقون بالتاء لقوله في أول الكلام : " أفاتخذتم من دونه أولياء " [ الرعد : 16 ] الآية . وقوله : " في النار " متعلق بمحذوف ، وهو في موضع الحال ، وذو الحال الهاء التي في " عليه " التقدير : ومما توقدون عليه ثابتا في النار أو كامنا . وفي قوله : " في النار " ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هي اسم ذي الحال ولا يستقيم أن يتعلق " في النار " ب " يوقدون " من حيث لا يستقيم أوقدت عليه في النار ؛ لأن الموقد عليه يكون في النار ، فيصير قوله : " في النار " غير مقيد . وقوله : " ابتغاء حلية " مفعول له . " زبد مثله " ابتداء وخبر ، أي زبد مثل زبد السيل . وقيل : إن خبر " زبد " قوله : " في النار " الكسائي : " زبد " ابتداء ، و " مثله " نعت له ، والخبر في الجملة التي قبله ، وهو " مما يوقدون " . " كذلك يضرب الله الأمثال " أي كما بين لكم هذه الأمثال فكذلك يضربها بينات . تم الكلام .


[9378]:في ز و ي: ينضب. بالمعجمة.
[9379]:هو: أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري، نزيل مكة المكرمة، المتوفى بها سنة 478 وكتابه " سوق العروس" في علم القراءات. (كشف الظنون).