وعلى الله قصد السبيل : أي : وعليه السبيل القصد ، أي : المعتدل ، فإن قصد ، يقصد ، قصدا ، أي : استقام واعتدل ، ومنه الاقتصاد ، أي : الاعتدال والتوسط ، جاء في تفسير المراغي : يقال : سبيل قصد وقاصد ، إذا أدّاك إلى مطلوبك .
ومنها جائر : أي : ومن السبل مائل عن المحجّة ، منحرف عن الحق .
{ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين } .
القصد : الاستقامة ، والسبيل : الطريق ، وقصد السبيل على تقدير مضاف ، أي : وعلى الله بيان : الطريق المستقيم ، وهو طريق الإسلام .
وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ؛ فالله سبحانه بحكمته العالية ، بين للناس : الطريق المستقيم ، وهو طريق الهدى وطاعة الرحمان ، وإتباع الإسلام ، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ومن السبل والطرق طرق جائرة مائلة عن الاستقامة منحرفة عن الجادة ، وهي كل طريق تخالف ما جاء به خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم من عقائد وشرائع وآداب ، فالطريق القصد المستقيم ، يوصل إلى الإسلام ، والطريق الجائر المنحرف ، يوصل إلى الكفر والضلال ، وفي هذا المعنى قال تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }( الأنعام : 153 ) .
{ ولو شاء لهداكم أجمعين } . لو أراد الله تعالى أن يهديكم جميعا إلى الإسلام لهداكم ، أي : لأجبركم على الهدى كالملائكة ، وهم عباد مكرمون ، { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } ( التحريم : 6 ) .
لكنه أراد سبحانه أن يخلق للإنسان العقل والإرادة والاختيار ، وحرية الفكر والتصرف ، فمن اختار طريق الهدى ؛ أعانه عليه ، ويسره له ، وأمدّه بالمعونة والتوفيق ، ومن اختار طريق الضلال والانحراف ، وآثر الهوى على الهدى ؛ تركه الله ضالا متحيرا ، وبذلك تكون هناك عدالة الجزاء يوم القيامة ، قال تعالى : { فأما من طغى*وآثر الحياة الدنيا*فإن الجحيم هي المأوى*وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى*فإن الجنة هي المأوى } ( النازعات : 37 41 ) .
وقال عز شأنه : { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا . . . } ( يونس : 99 ) .
وقال عز شأنه : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم . . . }( هود : 119 ، 118 ) .
وقال تعالى : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا*إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا }( الإنسان : 3 ، 2 ) .
قوله تعالى : " وعلى الله قصد السبيل " أي على الله بيان قصد السبيل ، فحذف المضاف وهو البيان . والسبيل : السلام ، أي على الله بيانه بالرسل والحجج والبراهين . وقصد السبيل : استعانة الطريق ، يقال : طريق قاصد أي يؤدي إلى المطلوب . " ومنها جائر " أي ومن السبيل جائر ؛ أي عادل عن الحق فلا يهتدى به ، ومنه قول امرئ القيس :
ومن الطريقة جائر وهُدًى *** قصد السبيل ومنه ذو دَخْل
عَدَوْلِيَةٌ أو من سَفِينِ ابن يامن *** يجورُ بها المَلاَّحُ طوراً ويَهْتَدِي
العدولية سفينة منسوبة إلى عَدَوْلَي قرية بالبحرين . والعدولي : الملاح ، قاله في الصحاح . وفي التنزيل " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل " [ الأنعام : 153 ] وقد تقدم{[9814]} . وقيل : المعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق ، أي عادل عنه فلا يهتدى إليه . وفيهم قولان : أحدهما : أنهم أهل الأهواء المختلفة ، قاله ابن عباس . الثاني : ملل الكفر من اليهودية والمجوسية والنصرانية . وفي مصحف عبد الله " ومنكم جائر " وكذا قرأ علي " ومنكم " بالكاف . وقيل : المعنى وعنها جائر ، أي عن السبيل . ف " من " بمعنى عن . وقال ابن عباس : أي من أراد الله أن يهديه سهل له طريق الإيمان ، ومن أراد أن يضله ثقل عليه الإيمان وفروعه . وقيل : معنى " قصد السبيل " مسيركم ورجوعكم . والسبيل واحدة بمعنى الجمع ، ولذلك أنث الكناية فقال : " ومنها " والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز .
قوله تعالى : " ولو شاء لهداكم أجمعين " بين أن المشيئة لله تعالى ، وهو يصحح ما ذهب إليه ابن عباس في تأويل الآية ، ويرد على القدرية ومن وافقها كما تقدم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.