العهد : كل ما يلتزم به الإنسان باختياره ، والوفاء بالعهد لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ، ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة ، ويدخل فيه الوعد .
{ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون } .
تدعو هذه الآية إلى : الوفاء بالعهود ، وعدم الحنث في الأيمان ، وهي في جملتها داخلة في الآية السابقة ، لكن القرآن أفرد الوفاء بالعهد نصا في آية مستقلة ؛ لما له من أهمية في حياة الفرد والمجتمع ، فإذا حافظ الفرد والمجتمع على العهود والمواثيق ؛ أدى ذلك إلى الأمن والأمان ، ونعم الناس بالهدوء والاطمئنان .
أخرج ابن جرير في أسباب نزول الآية : أن الآية نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ، كان من أسلم يبايع على الإسلام فقال تعالى : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } .
فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه ، وكثرة المشركين ، أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام ، وإن كان في المسلمين قلة وفي المشركين كثرة .
أوفوا بالعهد والميثاق ، الذي أوجبتموه على أنفسكم ، حقا لمن عاهدتموه وواثقتموه عليه ، ويدخل في ذلك كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره ، والوعد من العهد .
من عاهدته وفّ بعهده ، مسلما كان أو كافرا ، فإنما العهد لله تعالى .
{ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } .
لا يليق بالرجل أن يخلف وعده أو يحنث في عهده ، وكانوا يوثقون عهدهم بالأيام ، وإشهاد الله تعالى ، فأمرهم الله ألا يفكوا ارتباطاتهم ، وألا يحنثوا في أيمانها ، وقد أشهدتم الله على أيمانكم ، وجعلتموه راعيا وكفيلا يرعى الموفى للعهد بالخير ، والناقض له بالجزاء والعقاب .
فهو سبحانه يشاهد عقودكم وعهودكم وأفعالكم ، سيجازيكم ويكافئكم على الوفاء ، ويعاقبكم على الحنث في الأيمان وعلى نقض العهود ، وقد أكد القرآن الكريم والسنة الصحيحة : احترام العهود والوفاء بها .
قال تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } ( الفتح : 10 ) .
وقال تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } ( الفتح : 18 ) .
وقال تعالى : { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا }( الإسراء : 34 ) .
وقال سبحانه : { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون } ( البقرة : 40 ) .
وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ) ، ولا تعارض بين هذه الآية وبين ما ورد في الصحيحين من أن : " من حلف على يمين ورأى غيرها خير منها ؛ فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " 58 .
فالآية تتحدث عن الوفاء بوجه عام ، وتأمر بالالتزام بالأيمان والبر بها بين الأفراد والجماعات ، والحديث يتحدث عن إنسان يقسم على شيء ثم يرى غيره خيرا منه ، فالآية عامة في نهيها عن نقض الأيمان ، والسنة الصحيحة خصصت هذا النعيم ، وأباحت النقض إذا كان اليمين مانعا عن عمل خير ، ويؤيد هذا التخصيص قوله تعالى : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس . . . } .
الأولى : قوله تعالى : " وأوفوا بعهد الله " ، لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ، ويلتزمه الإنسان بالعدل والإحسان ؛ لأن المعنى فيها : افعلوا كذا ، وانتهوا عن كذا ؛ فعطف على ذلك التقدير . وقد قيل : إنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام . وقيل : نزلت في التزام الحلف الذي كان في الجاهلية وجاء الإسلام بالوفاء ، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد . والعموم يتناول كل ذلك كما بيناه . روى الصحيح عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا حلف في الإسلام ، وأيما حلف كان في الجاهلية ، لم يزده الإسلام إلا شدة ) ، يعني : في نصرة الحق والقيام به والمواساة . وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق ، قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه{[10040]} ، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، أي : حلف الفضائل . والفضول هنا : جمع فضل للكثرة ، كفلس وفلوس . روى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ، ما أحب أن لي به حمر النعم ، لو أُدعى به في الإسلام لأجبت ) . وقال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له ، لسلطان الوليد فإنه كان أميرا على المدينة ، فقال له حسين بن علي : احلف بالله لتنصفني من حقي ، أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لأدعون بحلف الفضول . قال عبد الله بن الزبير : وأنا أحلف والله لئن دعانا{[10041]} ، لآخذن سيفي ، ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه ، أو نموت جميعا . وبلغت المسور بن مخرمة ، فقال مثل ذلك . وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي ، فقال مثل ذلك . فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه . قال العلماء : فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية ، هو الذي شده الإسلام وخصه النبي عليه الصلاة والسلام من عموم قوله : ( لا حلف في الإسلام ) . والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم ، وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم ، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عاما على من قدر من المكلفين ، وجعل لهم السبيل على الظالمين ، فقال تعالى : " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم{[10042]} " [ الشورى : 42 ] . وفي الصحيح : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) قالوا : يا رسول الله ، هذا ننصره مظلوما ، فكيف ننصره ظالما ؟ قال : ( تأخذ على يديه : في رواية : تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ) . وقد تقدم قوله عليه السلام : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه ، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) .
الثانية : قوله تعالى : " ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها " ، يقول بعد تشديدها وتغليظها ، يقال : توكيد وتأكيد ، ووكد وأكد ، وهما لغتان .
الثالثة : قوله تعالى : " وقد جعلتم الله عليكم كفيلا " ، يعني : شهيدا . ويقال حافظا ، ويقال : ضامنا . وإنما قال : " بعد توكيدها " ، فرقا بين اليمين المؤكدة بالعزم ، وبين لغو اليمين ، وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك : التوكيد هو حلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا ، يردد فيه الأيمان ثلاثا أو أكثر من ذلك ؛ كقوله : والله لا أنقصه من كذا ، والله لا أنقصه من كذا ، والله لا أنقصه من كذا . قال : فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين . وقال يحيى بن سعيد : هي العهود ، والعهد يمين ، ولكن الفرق بينهما أن العهد لا يكفر . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال : هذه غدرة فلان ) . وأما اليمين بالله فقد شرع الله سبحانه فيها الكفارة بخصلة واحدة ، وحل ما انعقدت عليه اليمين . وقال ابن عمر : التوكيد هو أن يحلف مرتين ، فإن حلف واحدة فلا كفارة فيه . وقد تقدم في المائدة{[10043]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.