{ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذّكرون90 وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون91 ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون92 ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون93 } .
العدل : المساواة في كل شيء بلا زيادة أو نقصان ، أو إعطاء كل ذي حق حقه بدون إفراط أو تفريط .
الإحسان : مصدر أحسن ، يحسن ، إحسانا ، ويطلق على إتقان العمل ، ومقابلة الخير بأكثر منه ، والشر بالعفو عنه .
إيتاء ذي القربى : إعطاء الأقارب حقهم من الصلة والبر .
الفحشاء : ما قبح من القول والفعل ، فيدخل فيه الزنا وشرب الخمر والحرص والطمع ، ونحو ذلك من الأقوال والأفعال المذمومة ، وخص بعض المفسرين الفحشاء : بالزنا ؛ لأنه عدوان على الأعراض .
المنكر : كل ما أنكره الشرع بالنهي عنه ، فيعم جميع المعاصي و الدناءات والرذائل على اختلاف أنواعها .
البغي : تجاوز الحد في كل شيء ، ويشمل الاستعلاء على الناس ، والتجبر عليهم بالظلم والعدوان .
يعظكم : الوعظ : التنبيه إلى الخير بالنصح والإرشاد .
90 { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } .
هذه آية جامعة لخلال الخير ، ناهية عن الشر ، وخطباء المساجد يختمون بها خطبة الجمعة ، والعدل : هو الميزان بالحق بأن يأخذ كل ذي حق حقه ، وهو أمر أساسي في الحكم الذي يقوم في الإسلام على العدل والشورى ، واختيار الرجل المناسب ، أو حسن اختيار المسئولين المساعدين للحكم .
قال تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . . . }( النساء : 58 ) .
والعدل قاعدة أساسية في تعامل الأفراد والدول ، وبالعدل قامت السماوات والأرض ، وبالعدل يأخذ كل ذي حق حقه ، ويأمن الإنسان على نفسه ، ويلقى المعتدي جزاءه حسب جريمته . كتب أبو بكر الصديق إلى عمر بن الخطاب يقول : " إن الحق ثقيل ولكن مآله هنئ ، وإن الباطل خفيف ولكن مآله وبئ " .
{ والإحسان } . يطلق على شيئين :
ب مقابلة الإساءة بالعفو ، ومقابلة الخير بما هو أزيد منه ، والإحسان يكمل العدل ، قال علي بن أبي طالب : العدل : الإنصاف ، الإحسان : التفضل .
والعدل والإحسان لهما أثرهما في سلامة المجتمع ، واقتناع الأفراد بوصول حقهم إليهم ، وبذلك تصفو الحياة ويتماسك المجتمع ، ويعم السلام النفسي والاجتماعي بين طوائف المجتمع : { وإيتاء ذي القربى } . أي : العطف على الأقارب ومساعدتهم ومعونتهم والبر بهم ماديا ومعنويا .
{ وينهى عن الفحشاء والمنكر } .
{ والفحشاء } : كل ما اشتد قبحه ، وخصه بعضهم بالزنا ؛ لأن فيها عدوانا على الأعراض ، وانتهاك الحرمات ، واختلاط الأنساب ، وانتشار الأمراض الفتاكة ، مثل : الزهري والسيلان وقمل العانة ، ومرض الإيدز الذي يجتاح بعض البلاد كالوباء ؛ عقوبة رادعة على استباحة الحرمات .
{ والمنكر } : كل فعل تنكره الفطرة ، ومن ثم تنكره الشريعة فهي شريعة الفطرة ، ويشمل المنكر جميع المعاصي والرذائل ، والدناءات على اختلاف أنواعها ، كالضرب والقتل والتطاول على الناس .
{ والبغي } : العدوان وتجاوز الحد ، وظلم الناس والتعدي على حقوقهم .
{ يعظكم لعلكم تذكرون } . أي : يرشدكم وينبهكم إلى ثلاث ، وينهاكم عن ثلاث ؛ لعلكم تنتبهون وتحسنون التذكر لما ينفعكم ، فتعملون بتلك الأوامر ، وتجتنبون النواهي ، وفي ذلك صلاح دنياكم وآخرتكم ، وقد اشتملت هذه الآية على مكارم الأخلاق .
أن أكثم بن صيفي أرسل رسولين إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، يسألاه عن نسبه وعن دعوته ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا محمد بن عبد الله وأنا عبد الله ورسوله ) ثم تلا عليهما هذه الآية : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . }الآية .
ثم حملا الآية إلى أكثم بن صيفي ، فقال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق ، وينهى عن ملائمها ، فكونوا في هذا الأمر رءوسا ، ولا تكونوا فيه أذنابا ، وكونوا فيه أو لا تكونوا فيه آخرا . قال سعيد بن جبير عن قتادة في قوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . } الآية .
ليس من خلق كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به ، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم ، إلا نهى عنه وقدّم فيه ، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها .
أخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم والبيهقي : عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : أعظم آية في كتاب الله تعالى : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }( البقرة : 255 ) .
وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . }( النحل : 90 ) .
وأكثر آية في كتاب الله تفويضا : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا* ويرزقه من حيث لا يحتسب }( الطلاق : 3 ، 2 ) .
وأشد آية في كتاب الله رجاء : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } ( الزمر : 53 ) .
وعن عكرمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن المغيرة هذه الآية ، فقال : يا ابن أخي ، أعد علي ، فأعادها عليه ، فقال له الوليد : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما هو بقول بشر .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه : أنه قرأ هذه الآية : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . }الآية ، ثم قال : إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله ، والشر كله في آية واحدة ، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا ؛ إلا جمعه وأمر به ، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه وزجر عنه .
الأولى : قوله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " ، روي عن عثمان بن مظعون أنه قال : لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجب فقال : يا آل غالب ، اتبعوه تفلحوا ، فو الله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق . وفي حديث - إن أبا طالب لما قيل له : إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل عليه : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " الآية ، قال : اتبعوا ابن أخي ، فو الله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق . وقال عكرمة : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " إلى آخرها ، فقال : يا ابن أخي أعد ، فأعاد عليه فقال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أصله لمورق ، وأعلاه لمثمر ، وما هو بقول بشر ، وذكر الغزنوي : أن عثمان بن مظعون هو القارئ . قال عثمان : ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده ، فاستقر الإيمان في قلبي ، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : يا ابن أخي أعد ، فأعدت فقال : والله إن له لحلاوة . . . وذكر تمام الخبر . وقال ابن مسعود : هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ، ولشر يجتنب . وحكى النقاش قال : يقال : زكاة العدل : الإحسان ، وزكاة القدرة : العفو ، وزكاة الغنى : المعروف ، وزكاة الجاه : كَتْبُ الرجل إلى إخوانه .
الثانية : اختلف العلماء في تأويل العدل والإحسان ، فقال ابن عباس : العدل : لا إله إلا الله ، والإحسان : أداء الفرائض . وقيل : العدل : الفرض ، والإحسان : النافلة . وقال سفيان بن عيينة : العدل ها هنا : استواء السريرة ، والإحسان : أن تكون السريرة أفضل من العلانية . علي بن أبي طالب : العدل : الإنصاف ، والإحسان : التفضل . قال ابن عطية : العدل : هو كل مفروض ، من عقائد وشرائع في أداء الأمانات ، وترك الظلم والإنصاف ، وإعطاء الحق . والإحسان : هو فعل كل مندوب إليه ، فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه ، ومنها ما هو فرض ، إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل ، والتكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان . وأما قول ابن عباس ففيه نظر ؛ لأن أداء الفرائض : هي الإسلام ، حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل ، وذلك هو العدل ، وإنما الإحسان : التكميلات ، والمندوب إليه ، حسبما يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . فإن صح هذا عن ابن عباس ، فإنما أراد الفرائض مكملة . وقال ابن العربي : العدل بين العبد وبين ربه : إيثار حقه تعالى على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه ، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر . وأما العدل بينه وبين نفسه : فمنعها مما فيه هلاكها ، قال الله تعالى : " ونهى النفس عن الهوى{[10029]} " [ النازعات : 40 ] وعزوب{[10030]} الأطماع عن الأتباع ، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى . وأما العدل بينه وبين الخلق : فبذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قل وكثر ، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن ، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى ، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى .
قلت : هذا التفصيل في العدل حسن وعدل ، وأما الإحسان فقد قال علماؤنا : الإحسان ، مصدر أحسن يحسن إحسانا . ويقال على معنيين : أحدهما متعد بنفسه ، كقولك : أحسنت كذا ، أي : حسنته وكلمته ، وهو منقول بالهمزة ، من حسن الشيء . وثانيهما : متعد بحرف جر ، كقولك : أحسنت إلى فلان ، أي : أوصلت إليه ما ينتفع به . قلت : وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا ؛ فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض ، حتى أن الطائر في سجنك ، والسنور في دارك ، لا ينبغي أن تقصر تعهده بإحسانك ، وهو تعالى غني عن إحسانهم ، ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن . وهو في حديث جبريل بالمعنى الأول لا بالثاني ؛ فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ، ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة ، ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته وجلاله ، حالة الشروع وحالة الاستمرار . وهو المراد بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه . ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) . وثانيهما : لا تنتهي إلى هذا ، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : " الذي يراك حين تقوم . وتقلبك في الساجدين{[10031]} " [ الشعراء : 218 - 219 ] وقوله : " إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه{[10032]} " [ يونس : 61 ] .
الثالثة : قوله تعالى : " وإيتاء ذي القربى " ، أي : القرابة ، يقول : يعطيهم المال كما قال : " وآت ذا القربى حقه{[10033]} " [ الإسراء : 26 ] ، يعني : صلته . وهذا من باب عطف المندوب على الواجب ، وبه استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب ، على ما يأتي بيانه . وإنما خص ذا القربى ؛ لأن حقوقهم أوكد ، وصلتهم أوجب ؛ لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه ، وجعل صلتها من صلته ، فقال في الصحيح : ( أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ){[10034]} . ولا سيما إذا كانوا فقراء .
الرابعة : قوله تعالى : " وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " ، الفحشاء : الفحش ، وهو كل قبيح من قول أو فعل . ابن عباس : هو الزنى . والمنكر : ما أنكره الشرع بالنهي عنه ، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها . وقيل : هو الشرك . والبغي : هو الكبر والظلم والحقد والتعدي ، وحقيقته تجاوز الحد ، وهو داخل تحت المنكر ، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ذنب أسرع عقوبة من بغيٍ ) . وقال عليه السلام : ( الباغي مصروع ) . وقد وعد الله من بُغي عليه بالنصر . وفي بعض الكتب المنزلة : لو بغى جبل على جبل ، لجعل الباغي منهما دكا . .
الخامسة : ترجم الإمام أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال : ( باب قول الله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " وقوله : " إنما بغيكم على أنفسكم{[10035]} " [ يونس : 23 ] ، " ثم بغي عليه لينصرنه الله{[10036]} " ، وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ) ، ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد بن الأعصم النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن بطال : فتأول رضي الله عنه من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ، كما دل عليه حديث عائشة حيث قال عليه السلام : ( أما الله فقد شفاني ، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا ) . ووجه ذلك - والله أعلم - : أنه تأول في قول الله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " ، الندب بالإحسان إلى المسيء ، وترك معاقبته على إساءته . فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي ؟ قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف على الباغي بقوله : " إنما بغيكم على أنفسكم " ، وضمن تعالى نصرة من بغي عليه ، كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ، ومقابلة ذلك بالعفو عمن بغى عليه ، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي سحره ، وقد كان له الانتقام منه بقوله : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به{[10037]} " [ النحل : 126 ] . ولكن آثر الصفح أخذا بقوله : " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور{[10038]} " [ الشورى : 43 ] .
السادسة : تضمنت هذه الآية : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد تقدم القول فيهما{[10039]} . روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي ، فحاجها العامل وغلبها ، بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ، ولا جوره في شيء ، فقام فتى من القوم فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وإنه عدل ولم يحسن . قال : فعجب أبو جعفر من إصابته ، وعزل العامل .