تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا} (87)

81

المفردات :

العهد : شهادة ألا إله إلا الله ، والتبري من الحول والقوة ، وعدم رجاء أحد إلا الله ؛ وقيل : العهد : المحافظة على الصلاة

التفسير :

87- { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا .

أي : لا يشفعون ولا يشفع لهم غيرهم ، لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا ؛ وهم من المؤمنون الصادقون ؛ فإنهم يملكونها بتمليك الله لهم إياها ، وإذنه لهم فيها ، كما قال تعالى :

{ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه . . . } ( البقرة : 255 ) .

وكما قال سبحانه : { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } . ( النجم : 26 ) .

وقال ابن كثير في تفسير الآية :

أي : ليس لهم من يشفع لهم ، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض ، كما قال تعالى مخبرا عنهم : { فما لنا من شافعين . ولا صديق حميم } . ( الشعراء : 101 ، 100 ) .

وقوله : { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } . هذا استثناء منقطع بمعنى : لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا ؛ وهو شهادة : أن لا إله إلا الله والقيام بحقه .

قال ابن عباس :

العهد : ( شهادة أن لا إله إلا الله ) ويبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله عز وجل ، وقال ابن أبي حاتم : عن الأسود بن يزيد ؛ قال : قرأ عبد الله ابن مسعود هذه الآية : { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } . ثم قال : اتخذوا عند الله عهدا ، فإن الله يقول يوم القيامة : من كان له عند الله عهد فليقم ، قالوا : يا أبا عبد الرحمن فعلمنا ، قال : قولوا : اللهم ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، وإني لا أثق إلا برحمتك ، فاجعل لي عندك عهدا تؤديه إليّ يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد .

قال المسعودي : وكان يلحق بهن : خائفا مستجيرا مستغفرا راهبا راغبا إليكxxii .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها ، لم ينتقص منه شيئا ؛ جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه ، ومن جاء قد انتقص منها شيئا فليس له عند الله عهد إنشاء رحمه وإن شاء عذبه )xxiii .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا} (87)

قوله تعالى : " لا يملكون الشفاعة " أي هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد " إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " وهم المسلمون فيملكون الشفاعة فهو استثناء الشيء من غير جنسه أي لكن " من اتخذ عند الرحمن عهدا " يشفع ف " من " في موضع نصب على هذا . وقيل : هو في موضع رفع على البدل من الواو في " يملكون " أي لا يملك أحد عند الله الشفاعة " إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " فإنه يملك وعلى هذا يكون الاستثناء متصلا . و " المجرمين " في قول " ونسوق الجرمين إلى جهنم وردا " الكفرة والعصاة ، ثم أخبر أنهم لا يملكون الشفاعة إلا العصاة المؤمنون ، فإنهم يملكونها بأن يشفع فيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا أزال أشفع حتى أقول : يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فيقول : يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي ) خرجه مسلم بمعناه ، وقد تقدم . وتظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيشفعون ، وعلى القول الأول يكون الكلام متصلا بقوله . " واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا " فلا تقبل غدا شفاعة عبدة الأصنام لأحد ، ولا شفاعة الأصنام لأحد ، ولا يملكون شفاعة أحد لهم أي لا تنفعهم شفاعة ، كما قال : فما تنفعهم شفاعة الشافعين{[10960]} " وقيل : أي نحشر المتقين والمجرمين لا يملك أحدا شفاعة " إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " أي إذا أذن له الله{[10961]} في الشفاعة . كما قال : " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " {[10962]}[ البقرة :255 ] وهذا العهد هو الذي قال " أم اتخذ عند الرحمن عهدا " وهو لفظ جامع للإيمان وجميع الصالحات التي يصل بها صاحبها إلى حيز من يشفع وقال ابن عباس : العهد لا إله إلا الله . وقال مقاتل وابن عباس أيضا : لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله وتبرأ من الحول والقوة{[10963]} [ إلا ] لله ولا يرجو إلا الله تعالى . وقال ابن مسعود : سمعت رسول الله يقول لأصحابه ( أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا ) قيل يا رسول الله وما ذاك ؟ قال ( يقول عند كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك [ فلا تكلني إلى نفسي ]{[10964]} فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقربني من الشر وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ، فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعا ووضعها تحت العرش ، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الذين عند الله عهد ؟ فيقوم فيدخل الجنة ) .


[10960]:راجع جـ 19 ص 82.
[10961]:في ب و جـ و ز و ك: الرب.
[10962]:راجع جـ 3 ص 268 فما بعد.
[10963]:أي من حوله وقوته لله.
[10964]:الزيادة من رواية الترمذي.