{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ( 98 ) لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ( 99 ) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ( 100 ) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ( 101 ) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ( 102 ) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ( 103 ) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ( 104 ) } .
98 - إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ .
الحصب : ما يرمى به في النار لاشتعالها .
إنكم أيها الكفار وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ . من الأصنام والأوثان والشياطين ، أنتم جميعا حطب جهنم ، أي : وقودها ، أنتم جميعا – العباد والمعبودون – داخلون في جهنم ، وإنما جمع الله الكفار مع أصنامهم ؛ ليزدادوا حسرة وتألما ، كلما شاهدوا أصنامهم تعذب أمامهم ، ولأنهم ظنوا أن الأصنام تشفع لهم عند الله ، فها هم يشاهدونها تتقلب في النار ، نكاية فيمن عبدها .
ولا يدخل في هذه الآية ما عبده هؤلاء المشركون ، من الأنبياء والصالحين كعيسى والعزير والملائكة ، فإن هؤلاء الأخيار ما أمروهم بذلك ، وإنما أمروهم بعبادة الله ، وفي آخر سورة المائدة نجد آيات تفيد : براءة المسيح عيسى ممن عبده من دون الله حيث يقول : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ . . . ( المائدة : 117 ) .
روى محمد بن إسحاق في سيرته : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد الحرام ، وصناديد قريش في الحطيم ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم ، فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أفحمه ، ثم تلا عليهم : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ . فأقبل عبد الله بن الزبعرى فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خصمتك ورب الكعبة ، أليس اليهود عبدوا عزيرا ، والنصارى عبدوا المسيح ، وبنو مليح عبدوا الملائكة ؟ !
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( بل عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك ) فأنزل الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ . ( الأنبياء : 101 ) . يعني : عزيرا والمسيح والملائكة عليهم السلام . 1 ه .
والخلاصة : أن أصنام الكفار ستكون معهم في جهنم ، أما المسيح والملائكة وعزير فهؤلاء قد أدوا واجبهم ، ولم يرضوا عن عبادة الناس لهم ، وقد سبقت لهم الحسنى والسعادة ، ودخول الجنة والبعد عن النار .
الأولى-قوله تعالى : " إنكم وما تعبدون " قال ابن عباس : آية لا يسألني الناس عنها ! لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها ، أو جهلوها{[11369]} فلا يسألون عنها ، فقيل : وما هي ؟ قال : " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " لما أنزلت شق على كفار قريش ، وقالوا : شتم آلهتنا ، وأتوا ابن الزبعرى{[11370]} وأخبروه ، فقال : لو حضرته لرددت عليه . قالوا : وما كنت تقول ؟ قال : كنت أقول له : هذا المسيح تعبده اليهود تعبد عزيرا أفهما من حصب جهنم ؟ فعجبت قريش من مقالته ، ورأوا أن محمدا قد خصم ، فأنزل الله تعالى : " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " [ الأنبياء : 101 ] وفيه نزل " ولما ضرب ابن مريم مثلا " [ الزخرف : 57 ] يعني ابن الزبعرى " إذا قومك منه يصدون " [ الزخرف : 57 ] بكسر الصاد ، أي يضجون ، وسيأتي{[11371]} .
الثانية-هذه الآية أصل القول بالعموم وأن له صيغا مخصوصة ، خلافا لمن قال : ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه ، وهو باطل بما دلت عليه هذه الآية وغيرها ، فهذا عبد الله بن الزبعرى قد فهم " ما " في جاهليته جميع من عبد ، ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء ، واللسن البلغاء ، ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى منها ، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح .
الثالثة-قراءة العامة بالمهملة أي إنكم يا معشر الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وقود جهنم ، قال ابن عباس قال مجاهد وعكرمة وقتادة : حطبها . وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة رضوان الله عليهما " حطمت جهنم " بالطاء . وقرأ ابن عباس " حضب " بالضاد المعجمة ، قال الفراء : يريد الحصب . قال : وذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن الحطب ، وكل ما هيجت به النار وأوقدتها به فهو حضب ، ذكره الجوهري . والموقد محضب . وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : " حصب جهنم " كل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به . ويظهر من هذه الآية أن الناس من الكفار وما يعبدون من الأصنام حطب لجهنم . ونظير هذه الآية قوله تعالى : " فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة " [ البقرة : 24 ] . وقيل : إن المراد بالحجارة حجارة الكبريت ، على ما تقدم في " البقرة{[11372]} " وأن النار لا تكون على الأصنام عذابا ولا عقوبة ؛ لأنها لم تذنب ، ولكن تكون عذابا على من عبدها : أول شيء بالحسرة ، ثم تجمع على النار فتكون نارها أشد من كل نار ، ثم يعذبون بها . وقيل : تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم وقيل : إنما جعلت في النار تبكيتا لعبادتهم .
الرابعة- قوله تعالى : " أنتم لها واردون " أي فيها داخلون . والخطاب للمشركين عبده الأصنام ، أي أنتم واردوها مع الأصنام . ويجوز أن يقال : الخطاب للأصنام وعبدتها ؛ لأن الأصنام وإن كانت جمادات فقد يخبر عنها بكنايات الآدميين . وقال العلماء : لا يدخل في هذا عيسى ولا عزير ولا الملائكة صلوات الله عليهم ؛ لأن " ما " لغير الآدميين . فلو أراد ذلك لقال : " ومن " . قال الزجاج : ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.