ونرد على أعقابنا : ونرجع إلى الوراء بالعودة إلى الشرك . وسيأتي لذلك مزيد بيان في الشرح .
استهوته الشياطين : ذهبت بهواه وعقله .
يدعونه إلى الهدى : المراد بالهدى الطريق الهادي إلى المقصد ، جعل نفس الهدى للمبالغة .
71- قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا . . . الآية . ثبت بالقرآن والسنة أن المشركين عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المال والجاه والسلطان ، والملك ، نظير أن يترك دعوة الإسلام ، فقال كلمته الخالدة لعمه أبي طالب : ( والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) .
وقد عرض المشركون مثل هذه العروض على أبي بكر الصديق ، وعلى غيره من المسلمين .
جاء في تفسير ابن كثير ، قال السدي : قال المشركون للمؤمنين اتبعوا سبيلنا . واتركوا دين محمد ، فأنزل الله عز وجل :
قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا . . . والمعنى : قل يا محمد : للمشركين ، أو قل يا أيها العاقل لهؤلاء المشركين ، الذين يحاولون رد المسلمين عن الإسلام ، قل لهم : أنعبد من دون الله ما لا يقدر على نفعنا إن دعوناه ، ولا ضرنا إن تركناه ، ومن شأن الإله الحق أن ينفع ويضر ، فكيف يليق بنا أن نعبد آلهة خالية من النفع والضر ؟
ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله . . أي : نرجع إلى الشرك الذي كنا فيه بعد أن هدانا الله إلى الإسلام ، وأنقذنا من الكفر والضلال .
يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها : قد رد على عقبيه .
قال العلامة أبو السعود : ( والتعبير عن الرجوع إلى الشرك بالرد على الأعقاب ، لزيادة تقبيحه ، بتصويره بصورة ما هو علم في القبح ) ا . ه .
وهو الرجوع إلى الوراء إدبارا بغير رؤية موضع القدم .
كالذي استهوته الشياطين في الأرض . وهم الغيلان ، أو مردة الجن ، يدعونه باسمه واسم أبيه وأمه فيتبعها ويرى أنه في شيء ، فيصبح وقد ألقته في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا ، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ( 107 ) .
حيران . أي أمسى حيران لا يدري كيف ينجو من المهالك ويصل إلى غايته .
له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا . أي له رفاق لم يستجيبوا إلى استهواء الشياطين ، بل ثبتوا على الطريق المستقيم ، وجعلوا يدعونه إلى الطريق المستقيم قائلين له : ائتنا لكي تنجو من الهلاك ، ولكنه لحيرته وضلاله لا يجيبهم ولا يأتيهم .
جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية : إن مثل من يكفر بالله بعد إيمانه ، كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق ، فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق ، فجعلوا يدعونه إليهم ، ويقولون : ائتنا فإنا على الطريق ، فأبى أن يأتيهم ، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومحمد - صلى الله عليه وآله وسلم – هو الذي يدعوا إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام .
قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين . أي قل أيها الرسول لدعاة الضلال : إن هدى الله – هو الإسلام – هو الطريق الهادي إلى السلامة في الدنيا والآخرة ، وما عداه فهو الضلال والخذلان ، وأمرنا لنسلم وجوهنا لله رب العالمين .
قوله تعالى : " قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا " أي ما لا ينفعنا إن دعوناه{[6476]} . " ولا يضرنا " إن تركناه ، يريد الأصنام . " ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله " أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى . وواحد الأعقاب عقب وهو مؤنث ، وتصغيره عقيبة . يقال : رجع فلان على عقبيه ، إذا أدبر . قال أبو عبيدة : يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها : قد رد على عقبيه . وقال المبرد : معناه تعقب بالشر بعد الخير . وأصله من العاقبة والعقبى وهما ما كان تاليا للشيء واجبا أن يتبعه ، ومنه " والعاقبة للمتقين{[6477]} " [ الأعراف : 128 ] . ومنه عقب الرجل . ومنه العقوبة ، لأنها تالية للذنب ، وعنه تكون .
قوله تعالى : " كالذي " الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف . " استهوته الشياطين في الأرض حيران " أي استغوته وزينت له هواه ودعته إليه . يقال : هوى يهوي إلى الشيء أسرع إليه . وقال الزجاج : هو من هوى يهوي ، من هوى النفس ، أي زين له الشيطان هواه . وقراءة الجماعة " استهوته " أي هوت به ، على تأنيث الجماعة . وقرأ حمزة " استهواه الشياطين " على تذكير الجمع . وروي عن ابن مسعود " استهواه الشيطان " ، وروي عن الحسن ، وهو كذلك في حرف أبي . ومعنى " ائتنا " تابعنا . وفي قراءة عبدالله أيضا " يدعونه إلى الهدى بينا " . وعن الحسن أيضا " استهوته الشياطون " . " حيران " نصب على الحال ، ولم ينصرف لأن أنثاه حيرى كسكران وسكرى وغضبان وغضبى . والحيران هو الذي لا يهتدي لجهة أمره . وقد حار يحار حيرا وحيرورة{[6478]} ، أي تردد . وبه سمي الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائرا ، والجمع حوران . والحائر الموضع الذي{[6479]} يتحير فيه الماء . قال الشاعر :
تخطو على بَرْدِيَّتَيْنِ غذاهما *** غَدِقٌ بساحة حائرٍ يَعْبُوبُ{[6480]}
قال ابن عباس : أي مثل عابد الصنم مثل من دعاه الغول فيتبعه فيصبح وقد ألقته في مضلة ومهلكة ، فهو حائر في تلك المهامه . وقال في رواية أبي صالح : نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق ، كان يدعو أباه إلى الكفر وأبواه يدعوانه إلى الإسلام والمسلمون ، وهو معنى قوله : " له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى " فيأبى . قال أبو عمر : أمه أم رومان بنت الحارث بن غنم الكنانية ، فهو شقيق عائشة . وشهد عبدالرحمن بن أبي بكر بدرا وأحدا مع قومه وهو كافر ، ودعا إلى البراز فقام إليه أبوه ليبارزه فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له{[6481]} ( متعني بنفسك ) . ثم أسلم وحسن إسلامه ، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية . هذا قول أهل السير . قالوا : كان اسمه عبدالكعبة فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبدالرحمن ، وكان أسن ولد أبي بكر . قال : إنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ولاء : أب وبنوه إلا أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبدالرحمن بن أبي بكر وابنه أبا عتيق محمد بن عبدالرحمن . والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.