تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَأن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ( 169 ) وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إنا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( 170 ) }

المفردات :

خلف : المراد بهم هنا : الأولاد ، وأكثر ما يستعمل الخلف بسكون اللام في الشر ومنه : سكت ألفا ونطق خلف ، وأكثر ما يستعمل الخلف بفتح اللام في الخير وأصل الخلف بصيغتيه : ما يكون وراء غيره أو بعده .

عرض هذا الأدنى : العرض : ما لا ثبات له ، وفي النهاية : العرض – بالفتح – متاع الدنيا وحطامها . والمراد بهذا الأدنى : الدنيا . وأشير إلها " بهذا " وهو للمذكر ، على تقدير : هذا الشيء الأدنى .

ميثاق الكتاب : المراد بالكتاب : التوراة . وبميثاقه : عهده الوثيق المؤكد .

التفسير :

{ 169 - فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى… } الآية .

أي : فجاء من بعد الصالحين والطالحين الأولين من بني إسرائيل ذرية خلفهم ، ورثوا كتاب التوراة عن أسلافهم ، وهم الذين عاصروا النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكنهم هجروا التوراة ، وآثروا الدنيا ومتاعها وزينتها ، وتفانوا في جمع حطامها ، لا يبالون حلالا كان أو حراما ، أي : من غير طريق شرعي ، كالسحت والرشوة والمحاباة في الحكم ، والاتجار في الدين ، وتحريف الكلم عن مواضعه .

{ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَأن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } . زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وأن الله لا يعذبهم على أعمالهم ، ومع هذا فإنهم مقيمون على المعاصي ، مصرون على الذنوب ، لا يتورّعون عن ضم الحرام إلى غيره ، فأن يأتيهم عرض آخر من عروض الدنيا مثل الذي أخذوه أولا بالباطل ، يأخذوه بلهف دون تعفف ، و هم يعلمون أن وعد الله بالمغفرة مخصوص بالتائبين ، الذين يقلعون عن ذنوبهم .

{ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق } .

أي : أن الله تعالى ينكر عليهم صنيعهم هذا ؛ لأنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق ، ألا يقولوا على الله إلا الحق ، فكيف يطمعون في مغفرة ذنوبهم مع إصرارهم عليها ، وتكرر وقوعها منهم ، بدون ندم أو إقلاع وتوبة .

وهذا هو المذكور في التوراة : من ارتكب ذنبا عظيما : فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة ، ومن جملة الميثاق أن يبينوا للناس الحق ولا يكتمونه ، وألا يحرّفوا الكلم ، وألا يغيروا الشرائع لأجل أخذ الرشوة48 .

{ ودرسوا ما فيه } .

أي : والحال أنهم قد درسوا التوراة دراسة تامة ، فعرفوا ما فيها من تحريم أكل مال الغير بالباطل ، والكذب على الله .

إنها دراسة نظرية لم تتغلغل في وجدانهم ، ولم تؤثر في قلوبهم .

وهذا شأن كل منافق عليم اللسان ، يسخّر علمه ودراسته ومعرفته ، لإلباس الباطل ثوب الحق .

{ والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } .

أن ثواب الآخرة بقى ، ونعيم الآخرة أدوم ، فكيف يليق بعاقل أن يبيع الباقي الدائم ، ويشتري الخسيس القليل .

ولو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى ؛ لوجب إيثار ما يبقى على ما يفنى ، فكيف والحال أن الآخرة من ذهب يبقى ، والدنيا من خزف يفنى .

إن عقيدة الإيمان بالآخرة هي التي صنعت الرجال الأبطال ، الذين مارسوا الجهاد في الميدان ، وفي الفقه والتشريع والقضاء ، وأن إيثار العاجلة هو الذي يوسوس للضعفاء ولذلك يقول القرآن لليهود ، تحريضا لهم على العودة إلى حكم التوراة :

{ أفلا تعقلون } ، فإن متاع الدنيا قليل ومتاع الآخرة كثير دائم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

قوله تعالى : " فخلف من بعدهم خلف " يعني أولاد الذين فرقهم في الأرض . قال أبو حاتم : " الخلف " بسكون اللام : الأولاد ، الواحد والجميع فيه سواء . و " الخلف " بفتح اللام البدل ، ولدا كان أو غريبا . وقال ابن الأعرابي : " الخلف " بالفتح الصالح ، وبالجزم الطالح . قال لبيد :

ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ومنه قيل للرديء من الكلام : خلف . ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلفا " . فخلف في الذم بالإسكان ، وخلف بالفتح في المدح . هذا هو المستعمل المشهور . قال صلى الله عليه وسلم : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " . وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر . قال حسان بن ثابت :

لنا القدم الأولى إليك وخَلْفُنَا *** لأوَّلنا في طاعة الله تابع

وقال آخر .

إنا وجدنا خَلَفًا بئسَ الخَلَفْ *** أغلق عنا بابَهُ ثم حَلَفْ{[7448]}

لا يدخل البواب إلا من عرف *** عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف

ويروى : خضف ، أي ردم{[7449]} . والمقصود من الآية الذم . " ورثوا الكتاب " قال المفسرون : هم اليهود ، ورثوا كتاب الله فقرؤوه وعلموه ، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له . فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا . " يأخذون عرض هذا الأدنى " ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم . " ويقولون سيغفر لنا " وهم لا يتوبون . ودل على أنهم لا يتوبون .

قوله تعالى : " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه " والعرض : متاع الدنيا ، بفتح الراء . وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير . والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة . ثم ذمهم باغترارهم في قولهم وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها ، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون ، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم .

قلت : وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا . أسند الدارمي أبو محمد : حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت ، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة ، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب ، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف ، إن قصروا قالوا سنبلغ ، وإن أساؤوا قالوا سيغفر لنا ، إنا لا نشرك بالله شيئا . وقيل : إن الضمير في " يأتهم " ليهود المدينة ، أي وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم .

قوله تعالى : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } فيه مسألتان .

الأولى - قوله تعالى : " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب " يريد التوراة . وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام ، وألا يميل الحكام بالرشا إلى الباطل .

قلت : وهذا الذي لزم هؤلاء وأخذ عليهم به الميثاق في قول الحق ، لازم لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم وكتاب ربنا ، على ما تقدم بيانه في " النساء{[7450]} " ولا خلاف فيه في جميع الشرائع ، والحمد لله .

الثانية - قوله تعالى : " ودرسوا ما فيه " أي قرؤوه ، وهم قريبو عهد به . وقرأ أبو عبدالرحمن " وادارسوا ما فيه " فأدغم{[7451]} التاء في الدال . قال ابن زيد : كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له . وقال ابن عباس : " ألا يقولوا على الله إلا الحق " وقد قالوا الباطل في غفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به . وقال ابن زيد : يعني في الأحكام التي يحكمون بها ، كما ذكرنا . وقال بعض العلماء : إن معنى " ودرسوا ما فيه " أي محوه بترك العمل به والفهم له ، من قولك : درست الريح الآثار ، إذا محتها . وخط دارس وربع دارس ، إذا امحى وعفا أثره . وهذا المعنى مواطئ - أي موافق - لقوله تعالى : " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم{[7452]} " [ البقرة : 101 ] الآية . وقوله : " فنبذوه وراء ظهورهم{[7453]} " [ آل عمران : 187 ] . حسب ما تقدم بيانه .


[7448]:كذا وردت هذه الأبيات في الأصول. والذي في اللسان "مادة خضف" إنا وجدنا خلفا بئس الخلف***عبدا إذا ما ناء بالحمل خضف. أغلق عنا بابه ثم حلف***لا يدخل البواب إلا من عرف
[7449]:الردم: الضراط
[7450]:راجع ج 6 ص 7 فما بعدها.
[7451]:كذا في الأصول: والعبارة كما في البحر أصله تدارسوا أي فأدغم.
[7452]:راجع ج 2 ص 41.
[7453]:راجع ج 4 ص 304