تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} (55)

53

المفردات :

زبورا : الزبور كتاب داود عليه السلام ، والزبور لغة : الكتاب ، جمعه : زبر .

55- { وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا } .

{ وربك أعلم بمن في السماوات ومن في الأرض } .

أي : فلا يخفى عليه شيء منهما ، وعلمه يشمل من في السماوات والأرض من ملائكة ورسل وإنس وجن وكائنات لا يعلم إلا الله من هي ؟ وما قدرها ؟ وما درجتها ؟ .

وبهذا العلم المطلق بحقائق الخلائق ؛ فضل الله بعض النبيين على بعض .

{ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } . بالمعجزات وكثرة التابعين ، ( وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون أبي طالب مفضلا على الخلائق ونبيا دون صناديد قريش وأكابرهم ){[417]} .

وفي معنى الآية قوله تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات . . . } ( البقرة : 253 ) .

فالله أعلم بمن في السماوات ومن في الأرض وأحوالهم ، فأتى موسى التوراة وكلمه ، وعيسى الإنجيل ، وداود الزبور ، فضلهم بما آتاهم على غيره . وقد أتى محمدا القرآن ففضله به على الأنبياء كافة .

ونجد في كتب العقائد : أن أولي العزم من الرسل خمسة هم : نوح وإبراهيم وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام وقد فضل الله هؤلاء الخمسة على بقية الأنبياء ؛ لجهادهم وصبرهم وبلائهم في سبيل دعوة الحق والخير وأفضل هؤلاء الخمسة محمد صلى الله عليه وسلم ثم إبراهيم فموسى فعيسى عليهم السلام .

{ وآتينا داود زبورا } . وهو نموذج من عطاء الله لأحد أنبيائه ، ومن مظاهر التفضيل أيضا ؛ إذا كانت الكتب أبقى من الخوارق المادية التي يراها الناس في ظرف معين من الزمان .

وقد خص الله داود بالذكر للإشارة إلى أن داود عليه السلام لم يكن في نشأته الأولى ممن يظن أنه يبلغ ما بلغ في الحكمة والملك ، وقد اختصه الله بهما وميزه الله على أهل عصره وإذ كان ذلك اختصاصا ربانيا ؛ فلا غرابة أن يختص سبحانه من العرب من علم أنه أرجحهم عقلا ، وأكملهم فضلا ؛ لختم نبوته ، وهداية بريته بمنهاجه وشرعته .


[417]:- تفسير النيسابوري 15/51.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} (55)

{ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } من جميع أصناف الخلائق فيعطي كلا منهم ما يستحقه تقتضيه حكمته ويفضل بعضهم على بعض في جميع الخصال الحسية والمعنوية كما فضل بعض النبيين المشتركين بوحيه على بعض بالفضائل والخصائص الراجعة إلى ما من به عليهم من الأوصاف الممدوحة والأخلاق المرضية والأعمال الصالحة وكثرة الأتباع ونزول الكتب على بعضهم المشتملة على الأحكام الشرعية والعقائد المرضية ، كما أنزل على داود زبورا وهو الكتاب المعروف .

فإذا كان تعالى قد فضل بعضهم على بعض وآتى بعضهم كتبا فلم ينكر المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم ما أنزله الله عليه وما فضله به من النبوة والكتاب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} (55)

قوله : ( وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ) الله عليم بخلقه الذين حفلت بهم السماوات والأرض ؛ فهم في كفرة أعدادهم واختلاف أنواعهم وأجناسهم وألوانهم وطبائعهم لا يعلمهم إلا الله . وقد خلق الله عباده مختلفين متفاوتين فيما بينهم في القدرات والطاعات والفطر . والله عليم بمن يستحق الرحمة والتوفيق والهداية ليكون من أهل الفلاح والنجاء ، وهو سبحانه عليم أيضا بمن يستحق الخذلان ليكون من أهل التعس والشقاء .

قوله : ( ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض ) هذه سنة الله في عباده أن جعلهم مختلفين في أقدارهم ومنازلهم ، متفاوتين في درجاتهم ومراتبهم . وهذه الحقيقة في المفاضلة تنسحب على عموم النبيين والمرسلين ولا خلاف أن المرسلين أفضل من النبيين غير المرسلين . وكذلك فإن أولي العزم من الرسل أفضل من بقيتهم . وأولوا العزم من الرسل خمسة ، وهم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام . ويستفاد من ذلك قوله : ( وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ) ومن الثابت أن محمد أفضل النبيين والمرسلين ، ومن بعده إبراهيم الخليل ، ثم موسى ، ثم عيسى . وذلك هو تقدير الله في الخلق لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون .

قوله : ( وآتينا داود زبورا ) ذلك تنبهي على فضل هذا النبي الكريم ؛ فقد آتاه الله الزبور . وهو كتاب سماوي مقدس يتكون من مجموعة من الخطب والدعاء كان داود يخاطب بذلك ربه كلما دخل بيت العبادة . وبذلك فإن الزبور ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود . وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد . وقد روي عن أنس قوله في ذلك : " الزبور ثناء على الله ، ودعاء وتسبيح " {[2699]} .


[2699]:- فتح القدير جـ3 ص 236 وتفسير القرطبي جـ10 ص 278 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 45، 46.