تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا} (23)

المفردات :

وقدمنا : وعمدنا وقصدنا .

الهباء : دقاق التراب إذا انبث في الهواء ، ولا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس .

المنثور : المتفرق في الجو ، بحيث لا يتأتى جمعه أو حصره .

التفسير :

23- { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } .

كان المشركون يعملون أعمالا حسنة المظهر ، مثل صلة الرحم وإطعام الفقراء ، لكن لا أساس لها من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فهي أشبه بخضراء الدمن . وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء . وفي يوم القيامة يجدون جزاء هذه الأعمال ضائعا ، ضياع ذرّات التراب ، المنتشرة بسبب شعاع الشمس ، أو ضياع الوقش الجاف في شدة الرياح .

قال تعالى : { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . . } [ إبراهيم : 18 ]

قال قتادة : { هباء منثورا } . يبس الشجر إذا ذرته الريح ، فهو ذلك الورق .

وقال عبيد بن يعلى : الهباء : الرماد إذا ذرته الريح .

قال ابن كثير :

وحاصل هذه الأقوال : التنبيه على مضمون الآية ، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شيء . فلما عرضت على الملك الحكم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا ، إذا بها لا شيء بالكلية ، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق ، الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية .

كما قال تعالى : { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . . } [ إبراهيم : 18 ]

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا} (23)

{ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ } أي : أعمالهم التي رجوا أن تكون خيرا لهم وتعبوا فيها ، { فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } أي باطلا مضمحلا قد خسروه وحرموا أجره وعوقبوا عليه وذلك لفقده الإيمان وصدوره عن مكذب لله ورسله ، فالعمل الذي يقبله الله ، ما صدر عن المؤمن المخلص المصدق للرسل المتبع لهم فيه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا} (23)

قوله : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( قدمنا ) من القدوم . والقدوم الحقيقي لا يجوز في حق الله . وإنما المراد به هنا إنفاذ أمره وحكمه في أعمال الكافرين التي عملوها حال كفرهم ، من صلة رحم وإغاثة ملهوف وإتحاف ضيف وعون مضطرب وغير ذلك من وجوه المكارم وأفعال الخير ، فإنها جميعا لا تنفعهم عند الله وليس لهم في مقابلتها من أجر ولا مثوبة . وهو قوله : ( فجعلناه هباء منثورا ) الهباء معناه التراب الدقيق وهو مثل الغبار الداخل في الكوّة يتراءى مع ضوء الشمس . والمنثور معناه المفرّق . نثرت الشيء أي فرّقته . وقال ابن عباس : الهباء المنثور : ما تُسفي به الرياح وتبثه .

وحاصل ذلك : التنبيه على المقصود من الآية وهو أن الكافرين والمنافقين والمرائين يعملون الأعمال النافعة في الدنيا وهم يعتقدون أنهم على شيء . لكن أعمالهم في ميزان الله لا تساوي شيئا بالكلية ، فقد شبّهت بذرات التراب أو الرماد المفرّق المبعثر في الهواء ، والذي لا يقدر صاحبه منه على شيء لفرط حقارته وهوانه .

والأصل في ذلك كله : أن قبول الأعمال مرهون بشرطين أساسيين :

أحدهما : الإخلاص لله فيها ؛ وهو أن يبتغي صاحب العمل بعمله مرضاة الله . فإن ابتغى غير ذلك كان رياء فهو بذلك متدرج في دائرة الحبوط والبطلان .

وأما الشرط الثاني : فهو موافقة الشرع ؛ فأيما عمل مخالف للشرع كان مردودا . وذلك للخبر : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " وأعمال الكافرين لا تخلو من انعدام أحد الشرطين أو كليهما . وأعتى من ذلك وأنكى ، كفرانهم برسالة الإسلام وتكذيبهم نبوة محمد ( ص ) فأنى لهم أن يتقبّل الله لهم عملا ؟ ! .