تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ} (21)

{ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ 21 }

المفردات :

أذقنا الناس رحمة : أنعمنا عليهم بالرحمة والمراد بها : الصحة والسعة .

من بعد ضراء مستهم : أي : من بعد ضراء أصابتهم حتى أحسوا بشدتها عليهم .

إذا لهم مكر في آياتنا : المراد بالمكر هنا : الطعن في آيات الله وعدم الاهتداء بها ، والاحتيال في ردها . والمكر في الأصل : تدبير الكيد في خفاء .

قل الله أسرع مكرا : المراد بيان أن الله أعجل عقوبة وأشد أخذا .

التفسير :

21 { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا . . . } الآية .

سبب النزول :

روى البخاري ومسلم : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن قريشا لما استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ دعا عليهم بسنين كسني يوسف ؛ فأصابهم قحط وجهد ، حتى أكلوا العظام والميتة من الجهد ، وحتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع .

فأنزل الله تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم } . ( الدخان : 10 ، 11 ) .

فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إنك جئت تأمرنا بصلة الرحم ، وإن قومك ربما هلكوا ؛ فادع الله لهم ، فدعا لهم ؛ فكشف الله عنهم العذاب ، ومطروا ، فعادوا إلى حالهم ومكرهم الأول يطعنون في آيات الله ، ويعادون رسوله ويكذبونه !

وعلماء القرآن يذكرون : أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ فالآية تسجل طبيعة الناس عامة ؛ وهي التضرع والبكاء في البأساء ، فإذا رزقهم الله الغنى بعد الفقر ، واليسر بعد العسر ، والهناء بعد الشقاء ؛ لم ينسبوا هذه النعم إلى الله تعالى بل نسبوها إلى الصدفة أو أهليتهم لهذه النعم ، ودبروا كيدا ومكرا للتخلص من شكر الله على النعماء . والمراد : أنهم انصرفوا عن شكر الله وحمده ، وانشغلوا بأهوائهم ، وقريب من هذا المعنى ما سبق في هذه السورة : { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه } . ( يونس : 12 ) .

جاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر :

والمعنى : وإذا أنعمنا على هؤلاء الكفار وأمثالهم بنعمة الصحة والسعة ، وأفضنا عليهم أنواع الخير ؛ ورحمناهم بكشف ما نزل من المصائب الأليمة ، والمكاره الشديدة التي خالطتهم وأحاطت بهم ؛ حتى أحسوا بشدة وطأتها عليهم ، وسوء أثرها فيهم ، إذا رحمناهم بكشفها ؛ سارعوا سرا وفي خفاء إلى تدبير ضروب الكيد لآياتنا ؛ التي أنزلناها على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم واحتالوا في دفعها وبالغوا في تكذيبها . ا ه .

{ قل الله أسرع مكرا } .

أي : الله سبحانه وتعالى أقوى أخذا للمكذبين وأشد إهلاكا للماكرين ، فلن يمهلكم حتى تظفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتنالوا منه بمكركم وكيدكم ، بل إن الله سيدبر حفظه ونصره وحمايته ، وقد دبر المشركون كيدا ومكرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة فدبروا حبسه أو نفيه أو قتله ، بيد أن الله دبر نصره وحفظه ؛ فأمره بالهجرة إلى المدينة وأعقب ذلك بالنجاح والنصر المبين .

قال تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } . ( الأنفال : 30 ) .

ونسبة المكر إلى الله تعالى من باب المشاكلة وهي شيء طريف في اللغة العربية ، مثل قول الشاعر :

قالوا : اقترح شيئا نجد لك طبخه *** قلت : اطبخوا لي جبة وقميصا

{ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } .

أي : إن الحفظة من الملائكة الكرام الكاتبين يسجلون عليكم أعمالكم وكيدكم ومكركم ، ويخبرون بها الله سبحانه وتعالى حتى يجازيكم عليها .

وفي هذا دليل على تمام الضبط والحفظ والعناية ، وأن كيدهم ومكرهم لن يخفى على الله سبحانه .

قال تعالى : { أحصاه الله ونسوه } . ( المجادلة : 6 ) .

وقال سبحانه : { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } . ( الكهف : 49 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ} (21)

{ 21 ْ } { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ْ }

يقول تعالى : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ْ } كالصحة بعد المرض ، والغنى بعد الفقر ، والأمن بعد الخوف ، نسوا ما أصابهم من الضراء ، ولم يشكروا الله على الرخاء والرحمة ، بل استمروا في طغيانهم ومكرهم .

ولهذا قال : { إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ْ } أي يسعون بالباطل ، ليبطلوا به الحق .

{ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ْ } فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله ، فمقصودهم منعكس عليهم ، ولم يسلموا من التبعة ، بل تكتب الملائكة عليهم ما يعملون ، ويحصيه الله عليهم ، ثم يجازيهم [ الله ] عليه أوفر الجزاء .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ} (21)

وبعد أن ساقت السورة الكريمة جانبا من أقوال الذين لا يرجون لقاء الله ومن مقترحاتهم الباطلة ومن معتقداتهم الفاسدة ، أتبعت ذلك بتصوير بعض الطبائع البشرية تصويرا صادقا يكشف عن أحوال النفوس في حالتي السراء والضراء فقال - تعالى - :

{ وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ . . . } .

قوله { أَذَقْنَا } من الذوق وحقيقته إدراك الطعام ونحوه بالذوق باللسان واستعمل هنا على سبيل المجاز في إدراك ما يسر وما يؤلم من المعنويات كالرحمة والضراء .

قال الآلوسى " والمراد بالناس كفار مكة على ما قيل ، لما روى من أن الله - تعالى - سلط عليهم القحط سبع سنين ، حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه أن يدعو لهم بالخصب ، ووعدوه بالإِيمان ، فلما دعا لهم ورحمهم الله - تعالى - بالمطر ، طفقوا يطعنون وفى آياته - تعالى - ويعاندون نبيه - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : " إن الناس عام لجميع الكفار " .

والضراء من الضر ، وهو ما يصيب الإِنسان وفى نفسه من أمراض وأسقام .

والمكر : هو التدبير الخفي الذي يفضي بالممكور به إلى ما لا يتوقعه من مضرة وكيد .

والمعنى : وإذا أذقنا الناس منا رحمة كأن منحناهم الصحة والسعادة والغني من بعد ضراء أصابتهم وفى أنفسهم أو فيمن يحبون ، ما كان منهم إلا بالمبادرة إلى الطعن وفى آياتنا الدالة على قدرتنا ، والاستهزاء بها والتهوين من شأنها .

وأسند إذاقته الرحمة إلى ضمير الجلالة ، وأسند المساس إلى الضراء ، رعاية للأدب مع الله - تعالى - ، لأنه وإن كان كل شيء من عنده ، إلا أن الأدب معه - سبحانه - يقتضي إسناد الخير إليه والشر إلى غيره كما وفى قوله - تعالى - : { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وفى الحديث : " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك " .

وإذا الأولى شرطية ، والثانية فجائية والجملة بعدها جواب الشرط .

وجاء التعبير بإذا الفجائية في الجواب ، للإِشارة إلى توغلهم وفى الجحود والكنود فهم بمجرد أن حلت النعمة بهم محل النقمة ، عادوا إلى عنادهم وجهلهم ، ونسبوا كل خير إلى غيره - تعالى - .

قال الرازي : " واعلم أنه - تعالى - ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة وفى قوله - تعالى - { وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ . . . } إلا أنه - تعالى - زاد وفى هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها وفى تلك الآية ، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة .

وفى الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر .

وقوله : { قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يبطل مكرهم .

أى : قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين الذين يسرعون بالمكر وفى مقام الشكر ، إن الله - تعالى - أسرع مكراً منكم ؛ لأنه لا يخفى عليه بشيء من مكركم ، ولأن الحفظة من الملائكة يسجلون عليكم أقوالكم وأفعالكم ، التي ستحاسبون عليها وفى يوم القيامة حساباً عسيراً ، وسترون أن مكركم السيء لا يحيق إلا بكم .

وقوله : { أَسْرَعُ } أفعل تفضيل من الفعل الثلاثي سرع - كضخم وحسن - ، أو من الفعل الرباعي " أسرع " عند من يرى ذلك .

والجملة الكريمة تحقيق للانتقام منهم . وتنبيه على أن مكرهم الخفي غير خاف الحفظة من الملائكة فضلا عن الخالق - عز وجل - الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .

وسمى - سبحانه - إنكارهم لآياته واستهزاءهم بها مكراً ، لأنهم كانوا كثيراً ما يتجمعون سراً ، ليتشاوروا وفى المؤامرات التي يعرقولن بها سير الدعوة الإِسلامية ، وفى الشبهات التي يوجهونها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .