{ وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتّخذوا من دوني وكيلا ( 2 ) ذرّية من حملنا مع نوح إنّه كان عبدا شكورا ( 3 ) }
وجعلناه هدى لبني إسرائيل : جعلنا التوراة مصدر هداية لهم تخرجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان .
ألاّ تتخذوا : مفسرة معناها : أي : لا تتخذوا ، كقولك : كتبت إليه : أن أفعل كذا ، أو زائدة والقول مضمر تقديره قلنا لهم : لا تتخذوا .
من دوني وكيلا : أي : معبودا تكلون إليه أموركم ؛ لأنه تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له .
ذرية من حملنا مع نوح : نصب على الاختصاص أو النداء وفيه تهييج وتنبيه على المنة والإنعام عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح في السفينة وإيماء إلى علة النهي ، كأنه قال : لا تشركوا ، فإنه المنعم عليكم والمنجي لكم من الشدائد وأنتم ضعفاء محتاجون إلى لطفه ، وفي التعبير بالذرية الغالب إطلاقها على الأطفال والنساء مناسبة تامة لما ذكر .
إنه كان عبدا شكورا : أي : لمعرفته بنعم الله واستعمالها على الوجه الذي ينبغي ، قال مقاتل : وكان من شكره أنه كان يذكر الله عز وجل حين يأكل ويشرب ، ويحمده على كل نعمه ، ويذكر الله حين يقوم أو يقعد أو يلبس ثوبا جديدا ، أو ينام أو يستيقظ ، ويذكر الله جل ثناء بكل خطوة وبكل عمل يعمله ؛ فسماه الله عبدا شكورا .
3 ، 2- { وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألاّ تتّخذوا من دوني وكيلا . ذرية من حملنا مع نوح إنّه كان عبدا شكورا } .
ذكر الله : إسراء محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ، وبمناسبة الحديث عن بيت المقدس ذكر ما أنعم الله
به على بني إسرائيل ؛ فقد أعطاهم التوراة فيها هدى ونورا .
وأمرهم أن يخلصوا له العبادة وأن يفوضوا له الأمور ، وأن يتوكلوا عليه وحده ، ولا يتخذوا وكيلا سواه ، فهذا هو الهدى وهذا هو الإيمان .
ثم ذكرهم بنعمة الله عليهم في الماضي ؛ استمالة لهم وتهييجا لإيمانهم ؛ فهم من ذرية نوح الذين نجاهم الله في السفينة ؛ لإيمانهم وأغرق من عداهم من الكافرون ، وخاطبهم الله بهذا السبب ؛ ليذكرهم باستخلاص الله لآبائهم الأولين ، مع نوح العبد الشكور ، وليردهم إلى هذا النسب المؤمن العريق .
1- لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى : إكرامه محمدا صلى الله عليه وسلم بالإسراء ذكر في هذه الآية : أنه أكرم موسى قبله بالتوراة وجعلها مصدر هداية .
2- قال الله عن محمد أسرى بعبده وقال عن نوح { إنه كان عبدا شكورا } ، وبذلك تلتقي وحدة الرسالات ووحدة الرسل في مقام العبودية الحقة لله .
قال ابن القيم في ( طريق الهجرتين ) :
أكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه ، وعدم استغنائه عنه طرفة عين ، ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم : ( اللهم ، أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك ) . 1 ه .
وكلما زاد العبد ذلا لربه وإمعانا في عبادته والالتجاء إليه ، زاد عزة ورفعة بالإيمان والاعتماد على الله ، وفي الحديث : ( احفظ الله ؛ يحفظك ، احفظ الله ؛ تجده تجاهك ، وإذا سألت ؛ فاسأل الله ، وإذا استعنت ؛ فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك . . جفت الأقلام وطويت الصحف ) .
3- قال تعالى عن نوح : { إنه كان عبدا شكورا } . وورد : أن نوحا كان يشكر الله على كل حال ويروى من شكره :
أنه كان إذا أكل قال : الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني . وإذا شرب قال : الحمد لله الذي سقاني ، ولو شاء أظمأني ، وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ، ولو شاء أعراني ، وإذا قضى حاجته ، قال : الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية .
وورد في كتب السنة : أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله عند كل نعمة ويتعجب من فضل الله عند كل مشهد أو منظر مثير ، فورد أنه كان يذكر الله عند الصباح إذا أسفر ، وعند المساء إذا أقبل ، ويذكر الله إذا تقدم للطعام ، وإذا شبع وإذا اكتسى ، وإذا نام وإذا استيقظ ، وإذا سافر وإذا عاد من السفر ، وهذا دليل على الأخوة النفسية للأنبياء فهم عبيد مخلصون لله ، وهم شاكرون لأنعم الله .
4- حفلت كتب السنة بهدى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في يومه وليلته ، ومن دعائه عن الأكل : ( اللهم ، بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار باسم الله ) وعند أكل الفاكهة ( اللهم ، اجعلها نعمة دائمة تصلنا بها إلى نعمة الجنة ) وإذا أتم الأكل قال : ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ) . وإذا لبس ثوبا قال : ( الحمد لله الذي أكساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس ) أو قال : ( الحمد لله الذي كساني هذا من غير حول مني ولا قوة ) . وكان إذا خرج من بيت الخلاء يقول : ( غفرانك ، الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى على ما ينفعني ) .
ويكاد دعاء نوح ومحمد أن يكونا متقاربين في الاعتراف لله بفضله وشكره على نعمه ، صحيح أن الأسلوب مختلف ، ولكن الفكرة والمعنى متقاربان .
5- وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد النوم قال : ( باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، إن أمسكت روحي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها فيما تحفظ به عبادك الصالحين ) {[333]} .
وكان إذا أرق من الليل يقول : ( اللهم غالت النجوم ، ونامت العيون وبقيت أنت يا حي يا قيوم ، أرح ليلي وأنم عيني ){[334]} .
وكان إذا استيقظ يقول : ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ){[335]} .
وإذا رأى الصباح يقول : ( أصبحنا وأصبح الملك لله ، والحمد لله لا شريك له لا إله إلا هو وإليه النشور ){[336]} .
وإذا خرج للسفر يقول : ( اللهم ، لك انتشرت ولك سرت وبك آمنت وعليك توكلت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت ){[337]} .
وإذا عاد من السفر يقول : ( تائبون آيبون حامدونا لربنا شاكرون ){[338]} .
وكلها أدعية تحقق معنى العبودية لله والشكر له ، فكما أن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا ، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم كان عبدا شكورا ، والأنبياء إخوة في طريق الدعوة إلى الله .
{ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي : يا ذرية من مننا عليهم وحملناهم مع نوح ، { إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } ففيه التنويه بالثناء على نوح عليه السلام بقيامه بشكر الله واتصافه بذلك والحث لذريته أن يقتدوا به في شكره ويتابعوه عليه ، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم إذ{[467]} أبقاهم واستخلفهم في الأرض وأغرق غيرهم .
وقوله : { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ . . . } منصوب على الاختصاص ، أو على النداء والمقصود بهذه الجملة الكريمة إثارة عزائمهم نحو الإِيمان والعمل الصالح ، وتنبيههم إلى نعمه - سبحانه - عليهم ، حيث جعلهم من ذرية أولئك الصالحين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - وحضهم على السير على منهاجهم فى الإِيمان والعمل الصالح ، فإن شأن الأبناء أن يقتدوا بالآباء فى التقوى والصلاح .
والمعنى : لا تتخذوا يا بنى إسرائيل معبودا غير الله - تعالى - ، فأنتم أبناء أولئك القوم الصالحين ، الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فأنجاهم الله - تعالى - مع نبيهم من الغرق .
قال الآلوسى : وفى التعبير بما ذكر إيماء إلى علة النهى من أوجه : أحدها تذكيرهم بالنعمة فى إنجاء آبائهم . والثانى : تذكيرهم بضعفهم وحالهم المحوج إلى الحمل والثالث : أنهم أضعف منهم - أى من آبائهم - لأنهم متولدون عنهم وفى إيثار لفظ الذرية الواقعة على الأطفال والنساء فى العرف الغالب مناسبة تامة لما ذكر .
وقوله : { إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً } تذييل قصد به الثناء على نوح - عليه السلام - أى : إن نوحا - عليه السلام - كان من عبادنا الشاكرين لنعمنا ، المستعملين لها فيما خلقت له ، المتوجهين إلينا بالتضرع والدعاء فى السراء والضراء .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله : { إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً } ما وجه ملاءمته لما قبله ؟ .
قلت : كأنه قيل لا تتخذوا من دونى وكيلا ، ولا تشركوا بى ، لأن نوحا كان عبدا شكورا ، وأنتم مَنْ آمن به وحمل معه ، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم ، ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم ، والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح - عليه السلام - فهم متصلون به ، فاستأهلوا لذلك الاختصاص . . .
وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - بأسلوب يرضى العقول السليمة ، والعواطف الشريفة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك قضاءه العادل فى بنى إسرائيل وساق سنة من سننه التى لا تتخلف فى خلقه فقال - تعالى - : { وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً . . . } .