تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} (67)

63

المفردات :

الإسراف : مجاوزة الحدّ في النفقة بالنظر لنظرائه في المال .

التقتير : التضييق والشح .

قواما : وسطا وعدلا .

التفسير :

67-{ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } .

من صفات عباد الرحمان ، الاعتدال في النفقة والتوسط فيها ، فالإسلام قد جاء بنظمه في العبادات والمعاملات ، ومن هذه النظم : إخلاص الوجه لله ، والتوسط في العبادة وفي النفقة ، لقد حظي الإسلام بنظام اقتصادي متوازن ، فيه محاسن الرأسمالية والاشتراكية ، وليس فيه المساوئ التي فيهما ، فالمال مال الله ، والعبد مستخلف عن الله في إرادته ، والإنسان موظف في ماله ، عليه إخراج الزكاة والصدقة والتكافل الاجتماعي وصلة الرحم ، ومساعدة المحتاجين ، قال تعالى : { والذين في أموالهم حق معلوم*للسائل والمحروم } [ المعارج : 24-25 ] .

كما حرم الإسلام الشح والبخل ، قال تعالى : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [ الحشر : 9 ] .

وتوعد الكانزين ومانعي الزكاة بالسعير والعذاب . قال تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } [ التوبة : 34 ] .

والخلاصة

أن الفضيلة وسط بين رذيلتين ، وأن من صفة عباد الرحمان التوسط في النفقة ، والبعد عن البخل وعن الإسراف ، فالإسراف والبخل كلاهما مفسدة للحياة والمال ، والجماعات والأمم .

قال تعالى : { ولا تبذر تبذيرا* إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا } [ الإسراء : 26-27 ] .

والبخل فيه إمساك للمال عن الإنفاق في الوجوه المشروعة .

قال تعالى : { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء . . . } [ محمد : 38 ] .

أما التوسط والاعتدال في النفقة فهو سمة العقلاء ، الذين فقهوا رسالة المال ، وجعلوه وسيلة لإصلاح أنفسهم وأقاربهم ومجتمعهم ، وأسعدوا بتصرفهم الأفراد والجماعات .

قال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } [ الإسراء : 29 ]

جاء في تفسير النيسابوري :

وصف القرآن عباد الرحمان بالتوسط في الإنفاق ، والقتر والإقتار ، والتضييق نقيض الإسراف ، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثيابا للجمال والزينة ، ولكن ما يسد جوعتهم ، ويستر عورتهم ويكنّهم من الحر والقرّ .

عن عمر : كفى شرها ألا يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله . اه .

{ وكان بين ذلك قواما } .

قواما : أي : وسطا بين الإسراف والبخل ، وقوام الرجل : قامته ، وحسن طوله وهيئته .

وجاء في تفسير ابن كثير طائفة من الأحاديث تمدح التوسط في النفقة والاعتدال والقصد ، مثل :

قال الحافظ أبو بكر البزار : عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحسن القصد في الغنى ، وما أحسن القصد في الفقر ، وما أحسن القصد في العبادة ) ثم قال : لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه .

وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف ، وقال غيره : السرف : النفقة في معصية الله عز وجل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} (67)

{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا } النفقات الواجبة والمستحبة { لَمْ يُسْرِفُوا } بأن يزيدوا على الحد فيدخلوا في قسم التبذير وإهمال الحقوق الواجبة ، { وَلَمْ يَقْتُرُوا } فيدخلوا في باب البخل والشح { وَكَانَ } إنفاقهم { بَيْنَ ذَلِكَ } بين الإسراف والتقتير { قَوَامًا } يبذلون في الواجبات من الزكوات والكفارات والنفقات الواجبة ، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي من غير ضرر ولا ضرار وهذا من عدلهم واقتصادهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} (67)

ثم بين - سبحانه - حالهم فى سلوكهم وفى معاشهم فقال - تعالى - : { والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ . . . } .

أى : أن من صفاتهم أنهم ملتزمون فى إنفاقهم التوسط ، فلا هم مسرفون ومتجاوزون للحدود التى شرعها الله - تعالى - ولا هم بخلاء فى نفقتهم إلى درجة التقتير والتضييق ، وإنما هم خيار عدول يعرفون أن خير الأمور أوسطها .

واسم الإشارة فى قوله - تعالى - : { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } يعود إلى المذكور من الإسراف والتقتير . والقوام : الشىء بين الشيئين . وقوام الرجل : قامته وحسن طوله وهيئته ، وهو : خبر لكان ، واسمها : مقدر فيها .

أى : وكان إنفاقهم " قواما " أى وسطا بين الإسراف والتقتير والتبذير والبخل ، فهم فى حياتهم نموذج يقتدى به فى القصد والاعتدال والتوازن . وذلك لأن الإسراف والتقتير كلاهما مفسد لحياة الأفراد والجماعات والأمم ، لأن الإسراف تضييع للمال فى غير محله . والتقتير إمساك له عن وجوهه المشروعة ، أما الوسط والاعتدال فى إنفاق المال ، فهو سمة من سمات العقلاء الذين على أكتفاهم تنهض الأمم ، وتسعد الأفراد والجماعات .