من قوة : من كل ما يتقوى به في الحرب .
رباط الخيل : المكان الذي ترابط فيه الخيل المعدة للقتال .
لا تعلمونهم : لا تعرفونهم بأعيانهم أو لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة .
60 – { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . . . } الآية .
انتصر المسلمون في غزوة بدر بفضل الله وعونه ، وأراد القرآن أن ينبه المسلمين ، على وجوب إعداد القوة الحربية والمادية والأدبية والنفسية والمعنوية ، وكل وسائل القوة يجب إعدادها وتجهيزها ؛ فلا شيء يمنع الحرب مثل الإعداد لها .
هيئوا لقتال الأعداء ، وما أمكنكم من أنواع القوى المادية والمعنوية ، من كل ما يتقوى به عليهم في الحرب ؛ من حصون وقلاع وسلاح .
ويشمل ذلك وسائل القوة الحديثة كالمدافع والبوارج ، والدبابات ، والمصفحات ، والمدرعات ، ودراسة الفنون الحربية الحديثة التي تساعد على توجيه الأسلحة ، وإحكام تصويب القتال والرمي ، فإن النصر متوقف على استخدام القوة المتاحة ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
{ رباط الخيل } : هو المكان الذي تربط فيه الخيل عند الحدود ، ليحرس فرسانه الثغور ، ويراقبوا العدو ، وقد كانت الخيول أداة الحرب البرية الرهيبة في الماضي ، وما تزال لها أهميتها أحيانا في الحاضر ، مثل نقل بعض المؤن و الذخيرة في الطرق الجبلية . وإن كان الدور الحاسم اليوم هو لسلاح الطيران ، والمدافع ، والدبابات ، والغواصات البحرية ، المزودة بوسائل التقنية الحديثة ، المساعدة على إحكام الرمي وإصابة الهدف .
ومن الحديث الشريف : " ألا إن القوة الرمي " l .
وقد كان الرمي وسيلة لإصابة أهداف العدو من بعيد ؛ فكل ما يحقق النصر يجب اتخاذه من عدد الحرب ؛ لأن المهم تحقيق الأهداف ، وأما الوسائل والآلات ؛ فهي التي يجب إعدادها بحسب متطلبات العصر ، ويكون المقصود إعداد جيش دائم ، مستعد للدفاع عن البلاد ، مزود بأحدث الأسلحة وأقدرها على إحراز النصر . مع التدريب المستمر ، وإنفاق المال على تسليح الجيش ؛ بحسب الطاقة .
وقد خص الله الخيل بالذكر ، وإن كانت داخلة في القوة ؛ تشريفا لها وتكريما ، واعتدادا بأهميتها .
كما ذكر جبريل وميكائيل مع الملائكة تشريفا لهما .
{ ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } .
تبين الآية هنا سبب الإعداد وحكمته وهو إرهاب عدو الله وعدو المسلمين ، من الكفار الذين ظهرت عداوتهم . مثل مشركي مكة في الماضي ، وإرهاب العدو الخفي الموالي لهؤلاء الأعداء ، سواء أكان معلوما لنا أم معلوم بل الله يعلمهم ؛ لأنه علام الغيوب ، وهذا يشمل اليهود والنافقين في الماضي ، ومن تظهر عداوتهم مثل فارس والروم ، وسلالتهم ف دول العالم المعاصر .
وقد رجح ابن جرير الطبري أن المراد بقوله تعالى : { لا تعلمونهم الله يعلمهم } . كفار الجن أي : ترهبون بني آدم وترهبون جنسا آخر من غير بني آدم لا ترونهم ولا تعلمونهم ولكن الله يعلمهم ، ورجح الفخر الرازي أن المراد بهم : المنافقون ؛ فعداوتهم للمؤمنين قد تكون خفية ؛ وهم يتربصون بهم الدوائر ؛ فإذا لاحظوا ضعفا منهم تحرشوا بهم ، ولا شك أن العدو المجاهر والمستخفي إذا عرف قوة استعدادنا الحربي ؛ منعه ذلك من التحرش بنا ، أو التفكير في أن يجرب حظه معنا .
{ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } .
تأتي هذه الفقرة في أعقاب الحث على الإعداد ؛ لبيان أن الإعداد الملائم للحرب يحتاج إلى المال ، والإنفاق منه في سبيل الله ، فبينت الآية : أن أي شيء تقدمونه من مال قل أو كثر ، في إعداد الجيوش أو رعاية المحاربين وأسرهم بما يحتاجون إليه ؛ فإن الله يوفى أجره كاملا للمنافقين ، ويجازيهم عليه على أتم وجه ، ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم ، مهما قلت أو كثرت .
روى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" من جهز فقد غزا ، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا " li .
وجاء في رياض الصالحين للإمام النووي عن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف " .
{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } . ( البقرة : 261 ) .
1 – لا يزال الإعداد المادي والمعنوي ، وتجهيز الجيوش الضاربة المقاتلة ؛ هدف كل أمة في القديم والحديث .
2 – سبق القرآن على دعوة المسلمين وتوجيههم إلى إعداد القوة المادية والمعنوية ، وسائر وسائل الحرب الحديثة ؛ حتى يكونوا أعزة أقوياء ، وقد تمسك المسلمون الأولون بذلك ؛ فتقدموا وانتصروا ، ودالت لهم دول الأكاسرة والقياصرة .
3 – إن وضع المسلمين الآن لا يسر الصديق ، ولا يكيد العدو ؛ فبلاد المسلمين تتخطف من حولهم ، ويطمع فيها الأعداء ، والمسلمون متقاعسون عن الجهاد وعن الإنفاق في سبيل الله .
4 – يجب أن تعود معامل الأسلحة وصيانتها إلى بلاد المسلمين ، وأن نعمل بقوله الله تعالى ؛ فنعد العدة التي أمر الله بإعدادها ، ونتلافى ما فرطنا ، ونأخذ بأسباب الوحدة والقوة .
5 – المقصود من إعداد العدة : إرهاب الأعداء ؛ حتى لا يكفروا في الاعتداء على المسلمين ، وحتى يعيش المسلمون في ديارهم آمنين مطمئنين .
وليس المقصود من إعداد العدة إرهاب المسلمين ، أو العدوان على الآمنين ، أو قهر الناس واستغلالهم .
قال تعالى : { ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } .
6 – ينبغي أن نعود إلى هدى القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ، وسيرة السلف الصالح ، وأن نهجر الهوى والترف ، وأن نبني الأفراد والأسر والمجتمعات بالخلق السليم ، والتربية الصالحة ، والمحضن الصالح ، والمجتمع المتميز ، والجيش القوي .
قال تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } . ( الكهف : 30 ) .
{ 60 ْ } { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ْ }
أي { وَأَعِدُّوا ْ } لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم . { مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ْ } أي : كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم ، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات ، والبنادق ، والطيارات الجوية ، والمراكب البرية والبحرية ، والحصون والقلاع والخنادق ، وآلات الدفاع ، والرأْي : والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم ، وتَعَلُّم الرَّمْيِ ، والشجاعة والتدبير .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : { ألا إن القوة الرَّمْيُ ْ } ومن ذلك : الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال ، ولهذا قال تعالى : { وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ْ } وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان ، وهي إرهاب الأعداء ، والحكم يدور مع علته .
فإذا كان شيء موجود{[353]} أكثر إرهابا منها ، كالسيارات البرية والهوائية ، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد ، كانت مأمورا بالاستعداد بها ، والسعي لتحصيلها ، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة ، وجب ذلك ، لأن ما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب
وقوله : { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْْ } ممن تعلمون أنهم أعداؤكم . ْ{ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ } ممن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به ْ{ اللَّهُ يَعْلَمُهُم }ْ فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم ، ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك النفقات المالية في جهاد الكفار .
ولهذا قال تعالى مرغبا في ذلك : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّه } قليلا كان أو كثيرا ْ { يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أجره يوم القيامة مضاعفا أضعافا كثيرة ، حتى إن النفقة في سبيل اللّه ، تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة . { وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } أي : لا تنقصون من أجرها وثوابها شيئا .
ثم أمر - سبحانه - المؤمنين باعداد وسائل القوة التي بها يصلون إلى النصر ، وغلى بعث الرعب في قلوبهم أعدائهم . . فقال - عز وجل - : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ . . . } .
وقوله : { وَأَعِدُّواْ } معطوف على ما قبله ، وهو من الإِعداد بمعنى تهيئة الشئ للمستقبل ، والخطاب لكافة المؤمنين .
والرباط في الأصل مصدر ربط ، أي شد ، ويطلق ، بمعنى المربوط مطلقا ، وكثر استعماله في الخيل التي تربط في سبيل الله ، فالإِضافة إما باعتبار عموم المفهوم الأصلى ، أو بملاحظة كون الربط مشتركا بين معان آخر كملازمة الثغور ، والمواظبة على الأمر ، فإضافته لأحد معانيه للبيان .
قال صاحب الكشاف : والرباط : اسم للخيل التي تربط في سبيل الله ، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة ، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال - يقال نعم الربيط هذا ، لما يرتبط من الخيل .
والمعنى : عليكم - أيها المؤمنون - أن تعدوا لقتال أعدائكم ما تستطيعون إعداه من وسائل القولة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها .
وجاء - سبحانه - بلفظ { قُوَّةٍ } منكراً ، ليشمل كل ما يتقوى به في الحرب كائنا ما كان .
قال الجمل : وقوله { مِّن قُوَّةٍ } في محل نصب على الحال ، وفى صاحبها وجهان : أحدهما أنه الموصول . والثانى : أنه العائد عليه ، إذ التقدير ما استطعتموه حال كونه بعض القوة ، ويجوز أن تكون { مِن } لبيان الجنس .
وقوله : { وَمِن رِّبَاطِ الخيل } معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام .
أى : أعدوا لقتال أعدائكم ، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم في الحرب ، من نحو : حصون وقلاع وسلاح . ومن رباط الخيل للغزو والجهاد في سبيل الله .
وخص رباط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به ، لمزيد فضلها وغنائها في الحرب ، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية في القتال في العهد النبوى ، وقوله : { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ } بيان للمقصود من الأمر بإعداد ما يمكنهم إعداده من قوة .
وقوله : { تُرْهِبُونَ } من الرهبة وهى مخافة مع ترحز واضطراب .
والضمير المجرور - وهو قوله { بِهِ } - يعود إلى الإِعداد المأخوذ من قوله { وَأَعِدُّواْ } .
أى : أعدوا ما استطعتم من قوة ، حال كونكم مرهبين بهذا الإِعداد عدو الله وعدوكم ، من كل كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق ، وعلى رأس هؤلاء جميعا ، كفار مكة الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق ، ويهود المدينة الذين لم يتركوا وسيلة للإِضرار بكم إلا فعلوها .
وقوله { وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ } معطوف على ما قبله .
أى : ترهبون بهذا الإِ عداد أعداء معروفين لكم - كمشركى مكة ويهود المدينة ، وترهبون به أيضاً أعداء آخرين غيرهم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم لكم ، ولكن الله - تعالى - الذي لا يخفى عليه شئ يعلمهم ، وسيحبط أعمالهم .
وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله لا تعلمونهم الله يعلمهم ، فمنهم من قال : المراد بهم بنو قريظة ومنهم من قال : المراد بهم أهل فارس والروم .
ورجح ابن جرير أن المراد بهم : كفار الجن . . لأن المؤمنين كانوا عالمين بمداراة بنى قريضة وفارس والروم لهم . . والمعنى ترهبون بذلك الإِعداد عدو الله وعدوكم من بنى آدم الذين علمتم عداوتهم ، وترهبون به جنسا آخر من غير بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم : الله يعلمهم دونكم ، لأن بنى آدم لا يرونهم .
ورجح الفخر الرازى أن المراد بهم المنافقون ، قال : لأن المنافقين من عادته أن يتربص ظهور الآفات ، ويحتال في إلقاء الإِفساد والتفريق بين المسلمين - بطرق قد لا تعرف ، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك الأفعال المذمومة .
ولعل ما رجحه الفخر الرازى هو الأقرب إلى الصواب ، لأن عداوة المنافقين للمؤمنين كثيراً ما تكون خافية ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - في آية أخرى : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } ثم ختم - سبحانه الآية الكريمة بالدعوة إلى الإِنفاق في سبيله ، وبشر المنفقين بسحن الجزاء فقال : { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } .
أى : { وَمَا تُنفِقُواْ } - أيها المؤمنون - { مِن شَيْءٍ } قل أو أكثر هذا المنفق { فِي سَبِيلِ الله } أي في وجوه الخيرات التي من أجَلِّها الجهاد لإِعلاء كلمة الدين { يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أى : يصل إليكم عوضه في الدنيا وأجره في الآخرة { وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أى : لا تنقصون شيئاً من العوض أو الأجر .
قال : والتعبير بالظلم - مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما - لبيان كمال نزاهته - سبحانه - عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه - تعالى - من القبائح ، وإبراز الإِثابة في معرض الأمور الواجبة عليه - تعالى - .
هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
1- وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه ، لأن أعداء الإِسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم ، وخافوا بأسهم ، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم .
قال القرطبى : وقوله - تعالى - { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ } . أمر الله المؤمنين بإعداد القوة للأعداء ، بعد أن أكد تقدمه التقوى . فإن الله - تعالى - لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم ، وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ . .
وقال بعض العلماء : دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، اتقاء بأس العدو وهجومه ، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضاره الإِسلام ، كان الإِسلام عزيزاً ، عظيماً ، أبي الضيم ، قوي القنا ، جليل الجاه ، وفير السنا ، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار .
أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة ، ومالوا إلى النعيم والترف ، فأهملوا فرضاً من فروض الكفاية ، فأصحبت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض ، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى .
وكيف لا يطمع العدو في بلاد الإِسلام ، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة ، وذخائر الحرب ، بل كلها مما يشترى من بلاط العدو ؟
أما آن لها أن تتنبه من غفلتها ، فتعد العدة التي أمر الله بها لأعدائه ، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقى منها بخيله ورجله . . ؟
إن القوة التي طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء ، تتناول كل ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء . كإعداد الجيوش المدربة ، والأسلحة المتنوعة التي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة .
وما روى من تفسيره القوة - التي وردت في الآية - بالرمي ، فإنما هو على سبيل المثال ، ولأن الرمي كان في ذلك الوقت أقوى ما يتقوى به .
قال الفخر الرازى عند تفسيره للآية ، والمراد بالقوة هنا ما يكون سبباً لحصول القوة ، وذكروا فيه وجوها :
الأول : المراد من القوة أنواح الأسلحة .
الثانى : روى أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية على المنبر وقال : " ألا إن القوة الرمي " قالها ثلاثاً .
الثالث : قال بعضهم : القوة هي الحصون .
الرابع : قال أصحاب المعانى : الأولى أن يقال : هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو ، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " القوة هى الرمي " لا ينفى كون غير الرمى معتبراً . كما أن قوله - صلى الله عليه وسلم - " الحج عرفه " " والندم توبة " لا ينفى اعتبار غيره . بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا .
وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل ، والسلاح ، وتعليم الفروسية ، والرمي فريضة إلا أنه من فرض الكفايات .
إن رباط الخيل للجهاد في سبيل الله فضله عظيم ، وثوابه كبير فقد كانت الخيل هى خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال في الحرب وأسرعها ، وما زالت الخيل لها قيمتها في بعض أنواع الحروب .
قال القرطبى ، فإن قيل : إن قوله { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ } كان يكفى ، فلماذا خص الخيل بالذكر ؟
قيل له : إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها ، وهى أقوى القوة ، وأشد العدة ، وحصون الفرسان ، وبها يجال في الميدان ، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفاً ، وأقسم بغبارها تكريماً ، فقال : { والعاديات ضَبْحاً } وقال الإِمام ابن العربى : وأما رباط الخيل هو فضل عظيم ومنزلة شريفة .
روى الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
" الخيل ثلاثة ، لرجل ستر ، ولرجل أجر ، وعلى رجل وزر . فأما الذي هى عليه وزر رجل ربطها رياء وفخراً ونواء لأهل الإِسلام - أى : مناوأة ومعاداة - فهى عليه وزر " .
وأما الذي هى له أجر فرجل ربطها في سبيل الله ، فأطال لها في مرج أو روضة ، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شئ إلا كتب الله له عدد ما أكلت حسنات . .
وروى البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله قال : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلوى ناصية فرس بأصبعيه وهو يقول : " الخير معقود في نواصى الخيل إلى يوم القيامة " " .
4- أن المقصود من إعداد العدة في الإِسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا في الاعتداء على المسلمين ، وحتى يعيش أتباع هذا الدين آمنين مطمئنين في ديارهم ، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من الناس دون أن يخشوا أحداً سواه - عز وجل . .
وليس المقصود بأعداد العدة إرهاب المسالمين ، أو العدوان على الآمنين ، أو القهر والإِذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله - تعالى - .
ولذلك وجدنا الآية صريحة في بيان المقصود من هذا الإِعداد ، وهو - كما عبرت عنه { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ } .
وهناك آيات أخرى صريحة في بيان سبب مشروعيته القتال في الإِسلام ومن ذلك قوله - تعالى - : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } وقوله - تعالى - : { وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين للَّهِ فَإِنِ انتهوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين } والخلاصة : أن من تتبع آيات القرآن الواردة في القتال يجدها جميعها تقرر أن سبب القتال في الإِسم ينحصر في رد العدوان ، وحماية الدعوة الإِسلامية من التطاول عليها وتثبيت حرية العقيدة ، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان .
5- وجوب الإِنفاق في سبيل الله ، ومن أشرف وجوه الإِنفاق في سبيل الله أن يبذل المسلم ما يستطيع بذله في الجهاد الذي هو ذروة سنام الإِسلام ، والذى ما تركه قوم إلا ذلوا . . وألقوا بأنفسهم في التهلكة . .
ولقد بشرت الآية الكريمة المنفقين في سبيل الله ، بأنه - سبحانه - سيجازيهم على إنفاقهم جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم .
قال - تعالى - { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } وفى الحديث الشريف الذي رواه الترمذى عن أبى يحيى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " .