تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (71)

المفردات :

ونرد على أعقابنا : ونرجع إلى الوراء بالعودة إلى الشرك . وسيأتي لذلك مزيد بيان في الشرح .

استهوته الشياطين : ذهبت بهواه وعقله .

يدعونه إلى الهدى : المراد بالهدى الطريق الهادي إلى المقصد ، جعل نفس الهدى للمبالغة .

التفسير :

71- قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا . . . الآية . ثبت بالقرآن والسنة أن المشركين عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المال والجاه والسلطان ، والملك ، نظير أن يترك دعوة الإسلام ، فقال كلمته الخالدة لعمه أبي طالب : ( والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) .

وقد عرض المشركون مثل هذه العروض على أبي بكر الصديق ، وعلى غيره من المسلمين .

جاء في تفسير ابن كثير ، قال السدي : قال المشركون للمؤمنين اتبعوا سبيلنا . واتركوا دين محمد ، فأنزل الله عز وجل :

قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا . . . والمعنى : قل يا محمد : للمشركين ، أو قل يا أيها العاقل لهؤلاء المشركين ، الذين يحاولون رد المسلمين عن الإسلام ، قل لهم : أنعبد من دون الله ما لا يقدر على نفعنا إن دعوناه ، ولا ضرنا إن تركناه ، ومن شأن الإله الحق أن ينفع ويضر ، فكيف يليق بنا أن نعبد آلهة خالية من النفع والضر ؟

ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله . . أي : نرجع إلى الشرك الذي كنا فيه بعد أن هدانا الله إلى الإسلام ، وأنقذنا من الكفر والضلال .

يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها : قد رد على عقبيه .

قال العلامة أبو السعود : ( والتعبير عن الرجوع إلى الشرك بالرد على الأعقاب ، لزيادة تقبيحه ، بتصويره بصورة ما هو علم في القبح ) ا . ه .

وهو الرجوع إلى الوراء إدبارا بغير رؤية موضع القدم .

كالذي استهوته الشياطين في الأرض . وهم الغيلان ، أو مردة الجن ، يدعونه باسمه واسم أبيه وأمه فيتبعها ويرى أنه في شيء ، فيصبح وقد ألقته في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا ، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ( 107 ) .

حيران . أي أمسى حيران لا يدري كيف ينجو من المهالك ويصل إلى غايته .

له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا . أي له رفاق لم يستجيبوا إلى استهواء الشياطين ، بل ثبتوا على الطريق المستقيم ، وجعلوا يدعونه إلى الطريق المستقيم قائلين له : ائتنا لكي تنجو من الهلاك ، ولكنه لحيرته وضلاله لا يجيبهم ولا يأتيهم .

من تفسير ابن كثير :

جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية : إن مثل من يكفر بالله بعد إيمانه ، كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق ، فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق ، فجعلوا يدعونه إليهم ، ويقولون : ائتنا فإنا على الطريق ، فأبى أن يأتيهم ، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومحمد - صلى الله عليه وآله وسلم – هو الذي يدعوا إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام .

قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين . أي قل أيها الرسول لدعاة الضلال : إن هدى الله – هو الإسلام – هو الطريق الهادي إلى السلامة في الدنيا والآخرة ، وما عداه فهو الضلال والخذلان ، وأمرنا لنسلم وجوهنا لله رب العالمين .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (71)

{ 71 - 73 } { قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ }

{ قُلْ } يا أيها الرسول للمشركين بالله ، الداعين معه غيره ، الذين يدعونكم إلى دينهم ، مبينا وشارحا لوصف آلهتهم ، التي يكتفي العاقل بذكر وصفها ، عن النهي عنها ، فإن كل عاقل إذا تصور مذهب المشركين جزم ببطلانه ، قبل أن تقام البراهين على ذلك ، فقال : { أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا } وهذا وصف ، يدخل فيه كل مَن عُبِد مِنْ دون الله ، فإنه لا ينفع ولا يضر ، وليس له من الأمر شيء ، إن الأمر إلا لله .

{ وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ } أي : وننقلب بعد هداية الله لنا إلى الضلال ، ومن الرشد إلى الغي ، ومن الصراط الموصل إلى جنات النعيم ، إلى الطرق التي تفضي بسالكها إلى العذاب الأليم . فهذه حال لا يرتضيها ذو رشد ، وصاحبها { كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ } أي : أضلته وتيهته عن طريقه ومنهجه له الموصل إلى مقصده . فبقي { حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى } والشياطين يدعونه إلى الردى ، فبقي بين الداعيين حائرا وهذه حال الناس كلهم ، إلا من عصمه الله تعالى ، فإنهم يجدون فيهم جواذب ودواعي{[293]}  متعارضة ، دواعي{[294]}  الرسالة والعقل الصحيح ، والفطرة المستقيمة { يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى } والصعود إلى أعلى عليين .

ودواعي{[295]}  الشيطان ، ومن سلك مسلكه ، والنفس الأمارة بالسوء ، يدعونه إلى الضلال ، والنزول إلى أسفل سافلين ، فمن الناس من يكون مع داعي الهدى ، في أموره كلها أو أغلبها ، ومنهم من بالعكس من ذلك . ومنهم من يتساوى لديه الداعيان ، ويتعارض عنده الجاذبان ، وفي هذا الموضع ، تعرف أهل السعادة من أهل الشقاوة .

وقوله : { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } أي : ليس الهدى إلا الطريق التي شرعها الله على لسان رسوله ، وما عداه ، فهو ضلال وردى وهلاك . { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } بأن ننقاد لتوحيده ، ونستسلم لأوامره ونواهيه ، وندخل تحت عبوديته ، فإن هذا أفضل نعمة أنعم الله بها على العباد ، وأكمل تربية أوصلها إليهم .


[293]:- كذا في ب، وفي أ: دواع.
[294]:- كذا في ب، وفي أ: داع.
[295]:- كذا في ب، وفي أ: داعي