تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة الزمر

سورة الزمر مكية ، نزلت في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين بمكة ، بعد الإسراء وقبيل الهجرة ، وآياتها 75 آية .

نزلت بعد سورة سبأ ، وقد سميت سورة الزمر بذلك الاسم لقوله تعالى في آخرها : { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا . . . } ( الزمر : 71 ) ، وقوله تعالى : { وسيق الذي اتقوا إلى الجنة زمرا . . . } ( الزمر 73 ) .

وللسورة اسمان : سورة الزمر ، وسورة الغرف ، لقوله تعالى : { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف . . . } ( الزمر : 20 ) .

أدلة التوحيد

سورة الزمر تهز القلب هزّا ، وتسكب فيه مؤثرات الإيمان بالله ، وتستعرض أمامه أدلة القدرة الإلهية ، والجزاء العادل في الدنيا والآخرة ، وتفتح باب الرجاء الآمل في رحمة الله ورضوانه ، ومن آياتها الشهيرة قوله تعالى : { قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } . ( الزمر : 53 ) .

ومنذ افتتاح السورة إلى نهايتها وهي تؤكد على قضية التوحيد الخالص ، ففي مطلع السورة : { ألا لله الدين الخالص . . . } ( الزمر : 3 ) .

وفي خلال السورة نجد لمسات متوالية للقلوب والأفئدة ، تعرض عليها أدلة القدرة ومشاهد الكون ، وخلق الليل والنهار ، وإنزال المطر وإنبات النبات ، وبدء الخليقة ، ومراحل خلق الجنين ، وطبيعة النفس في اللجوء إلى الله في الضراء ، والإعراض عنه في السراء ، من أن يموت قائم على رءوس العباد .

ظل الآخرة

مشاهد الآخرة تظلل السورة وتسيطر على ختامها ، حيث نجد الملائكة حافين من حول العرش ، ونرى المؤمنين يساقون إلى الجنة أفواجا وجماعات في تكريم إلهي ، وسلام ونعيم في الخلود ، ونرى الكفار يساقون إلى جهنم زمرا في مهانة وإذلال .

" وظل الآخرة في السورة يتناسق مع جوها ، وأهداف اللمسات التي تأخذ القلب البشري بها ، فهذه اللمسات أقرب إلى جو الخشية والخوف والفزع والارتعاش ، ومن ثم نجد الحالات التي ترسمها للقلب البشري هي حالات ارتعاشة وانتفاضة وخشية ، نجد هذا في صورة القانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، وفي صورة الذين يخشون ربهم ، حيث تقشعر جلودهم لهذا القرآن ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ، كما نجده في التوجيه إلى التقوى ، والخوف من العذاب والتخفيف منه ، ثم نجده في مشاهد القيامة ، وما فيها من فزع ومن خشية ، وما فيها كذلك من إنابة وخشوع " {[1]} .

فقرات السورة

1- التوحيد الخالص :

في الآيات الأولى من السورة حث على إخلاص العبادة لله ، ثم نهى عن اتخاذ الأنداد والأولياء ، ثم نجد القرآن يلمس القلوب فيبين قدرة الله في خلق الناس من نفس واحدة ، وتزويجها من جنسها ، وخلق الأنعام أزواجا كذلك ، وخلقهم في بطون أمهاتهم في ظلمات ثلاث ، ومنحهم خصائص جنسهم البشري أول مرة ، ثم منحهم خصائص البقاء والارتقاء ، وقد استغرقت هذه الفقرة الآيات من ( 1-7 )

2- أنواع الإنسان وحالته :

في الفقرة الثانية نجد أن الآيات من ( 8-20 ) قد لمست القلوب لمسة أخرى ، وهي تعرض على الناس صورتهم في الضراء وصورتهم في السراء ، وتريهم تقلبهم وضعفهم وقلة ثباتهم على نهج إلا حين يتصلون بربهم ويتطلعون إليه ، ويقنتون له ، فيعرفون الطريق ، ويعلمون الحقيقة وينتفعون بما وهبهم الله من خصائص الإنسان .

ثم وجهت الآيات النبي صلى الله عليه وسلم إلى إعلان كلمة التوحيد الخالصة ، وإعلان خوفه من معصية الله ، وإعلان تصميمه على منهجه وطريقه وتركهم هم إلى منهجهم وطريقهم ، وبيان عاقبة هذا الطريق وذلك يوم يكون الحساب .

3 -مظاهر القدرة :

في الآيات من ( 21-35 ) لفتة إلى حياة النبات في الأرض عقب إنزال الماء من السماء ، ثم نهاية النبات في فترة وجيزة ، وكذلك شأن الدنيا ، ثم تشير الآيات إلى الكتاب المنزل من السماء كذلك لتحيا به القلوب ، وتنشرح له الصدور ، مع تصوير لعاقبة المستجيبين لذكر الله ، والقاسية قلوبهم من ذكر الله .

ثم تضرب الآيات مثالا لمن يعبد إلها واحدا ، ومن يعبد آلهة متعددة ، وهما لا يستويان مثلا ، ولا يتفقان حالا ، كما لا يستوي العبد الذي يملكه سادة متنازعون ، والعبد الذي يعمل لسيد واحد لا يتنازعه أحد فيه .

ثم تضيع حقيقة واقعة ، وهي تعرض الناس جميعا للموت والفناء ، الرسول والمرسل إليهم ، وسيتنوع الجزاء يوم القيامة ، فيُجازي الكافرين في جهنم ، ويُجازي الصادقون المصدقون جزاء المحسنين .

4- نقاش متنوع :

في الآيات من ( 36-61 ) نلمس قدرة القرآن الفائقة على إقامة الحجة وإقناع الإنسان ، وأخذ السبيل على البشرية حتى لا تجد بدا من الإذعان والانقياد ، وقد تناولت هذه الفقرة التوحيد من جوانب متعددة في لمسات متنوعة ، تبدأ بتصوير حقيقة القلب المؤمن ، وموقفه إزاء قوى الأرض واعتداده بالقوة الوحيدة ، واعتماده عليها دون مبالاة بسواها من القوى الضئيلة الهزيلة ، ومن ثم ينفض يده من هذه القوى الوهمية ، ويكل أمره وأمر المجادلين له إلى يوم القيامة ، ويمضي في طريقه ثابتا واثقا مستقيما .

يتلوا هذا بيان الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ليس وكيلا على العباد في هداهم وضلالهم ، إنما الله هو المسيطر عليهم ، الآخذ بناصيتهم في كل حالة من حالتهم ، وليس لهم من دونه شفيع فإن الشفاعة لله جميعا ، وإليه ملك السماوات والأرض وإليه المرجع والمصير .

ثم تتعرض الآيات لوصف المشركين وانقباض قلوبهم عند ذكر كلمة التوحيد ، وانبساطها عند ذكر كلمة الشرك ، وتعقب على هذا بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إعلان كلمة التوحيد خالصة وترك أمور المشركين لله ، وتُصوِّرهم يوم القيامة يودون لو يفتدون بملء الأرض ومثله معه ، وقد تكشفت لهم من الله ما يذهل ويخيف !

وتعرض الآيات موقف الإنسان من حال الهلع والجزع ، ثم في حال النعمة والرخاء ، فهو إذا أصابه الضر دعا الله وحده ، فإذا وهبه الله النعم والرخاء ادعى دعاوى عريضة ، وقال : إنما أوتيته على علم عندي ، هذه الكلمة التي قالها من سبق من المتبطرين والمتكبرين فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وهو قادر على أن يبطش بكل جبار عنيد ، وما كان بسط الرزق وقبضه إلا سنة من سنن الله تجري وفق حكمته وتقديره ، وهو وحده الباسط القابض بيده الخلق والأمر .

ثم فتح الله أبواب رحمته على مصاريعها بالتوبة ، ودعا العصاة إلى الإنابة والاستقامة ، وإتباع منهج الحق والعدل من قبل أن يأتي يوم الحساب فتندم كل نفس ظالمة ، وتتمنى أن تعود إلى الدنيا لتستدرك ما فاتها ، وفي هذا اليوم تظهر الكآبة في وجوه الكافرين ، ويظهر الفوز والسرور في وجوه المؤمنين .

1- الله مستحق للعبادة دون سواه .

تعرض الآيات الأخيرة في السورة من ( 62-75 ) ألوان قدرة الله وجلاله وتفرده بالملك والتصرف في كل شيء ، وإذا تبينت لنا آثار هذه القدرة ظهرت أمامنا دعوة المشركين للنبي إلى مشاركتهم عبادة آلهتهم في مقابل أن يشاركوه عبادة إلهه ، مستغربة مستنكرة ، فكيف يعبد معه سبحانه غيره ، وله وحده مقاليد السماوات والأرض ؟ { وما قدروا الله حق قدره } ، وهم يشركون به ، وهو وحده المعبود القادر القاهر . { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } . فهي في تصرفه وملكه كما يتصرف الإنسان فيما هو داخل قبضته . { والسماوات مطويات بيمينه . . . } ( الزمر : 67 ) .

وستطوى هذه السماوات وتبدل بقدرة الله ، وبمناسبة تصوير هذه الحقيقة على هذا النحو يوم القيامة يعرض مشهدا فريدا من مشاهد القيامة ، ينتهي بموقف الملائكة حافين من حول العرش ، يسحبون بحمد ربهم . { وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } . ( الزمر : 75 ) .

****

سورة الزمر

سورة مكية ، نزلت في الفقرة الأخيرة من حياة المسلمين بمكة ، أي بعد الإسراء وقبل الهجرة ، وقد نزلت تهزّ القلب هزّا ، وتقدم أدلة التوحيد ، وتأخذ بيد الإنسان إلى التوبة والإنابة ، وتفتح أبواب التوبة على مصاريعها ، وتحذّر من الإصرار على الذنوب إلى أن يأتي الموت ، ويتمنى الإنسان العودة إلى الدنيا ، ليستدرك ما فاته فلا يستجاب له ، ثم تعرض في نهاية السورة مشاهد القيامة ، وتقدم المتقين إلى الجنة ، وحمدهم لله رب العالمين .

الدين الخالص

بسم الله الرحمن الرحيم

{ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ( 1 )إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ( 2 ) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ( 3 ) لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار ( 4 ) }

المفردات :

الكتاب : القرآن ، { تنزيل الكتاب } : مبتدأ ، { من الله } : خبر .

العزيز الحكيم : العزيز في ملكه ، الحكيم في صنعه وتدبير خلقه .

1

التفسير :

1- { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } .

بهذه البداية البليغة بدأ الله تعالى سورة الزُّمر ، والزُّمَر جمع زمرة وهي الفوج المتبوع بفوج آخر ، فما أعظم الوحي والتنزيل الذي نزل به جبريل على النبي الأمين ، من الله العزيز الغالب الحكيم ، في أفعاله وتصرفاته ، ومن ذلك اختياره محمدا صلى الله عليه وسلم لتبليغ رسالته للناس أجمعين .


[1]:- حاشية الجمل 2/647 نقلا عن تفسير الخازن.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

1- سورة " الزمر " هي السورة التاسعة والثلاثون في ترتيب المصحف أما ترتيبها في النزول فهي السورة الثامنة والخمسون من السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة سبأ .

وقد ذكر صاحب الإتقان أنها تسمى –أيضا- سورة " الغرف " ، لقوله –تعالى- : [ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها مبنية ] .

2- ويرى المحققون أن السورة بكاملها مكية .

قال الآلوسي : عن ابن عباس أنها نزلت بمكة ولم يستثن ، وأخرج النحاس عنه أنه قال : نزلت سورة الزمر بمكة سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة ، وهي قوله –تعالى- : [ قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ] .

3- وآياتها خمس وسبعون آية في المصحف الكوفي ، وثلاث وسبعون في المصحف الشامي ، واثنتان وسبعون في غيرهما .

4- وتبدأ السورة الكريمة بالثناء على الله –تعالى- الذي أنزل القرآن بالحق على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والذي خلق السموات والأرض بالحق والذي خلق الناس جميعا من نفس واحدة . قال –تعالى- : [ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ، إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ، فاعبد الله مخلصا له الدين . ألا لله الدين الخالص . . ] .

5- ثم تنتقل السورة إلى الحديث عن حالة الإنسان عندما ينزل به الضر ، وعن الجزاء الحسن الذي أعده –سبحانه- للصابرين ، وعن العقاب الأليم الذي أعده للخاسرين .

[ قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ، وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب . قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين . وأمرت لأن أكون أول المسلمين . قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل الله أعبد له ديني . فاعبدوا ما شئتم من دونه ، قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، ألا ذلك هو الخسران المبين ] .

6- ثم بين –سبحانه- مظاهر قدرته في هذا الكون عن طريق إنزاله الماء من السماء ، وعن طريق إنزاله أحسن الحديث . كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم .

قال –تعالى- : [ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ، ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ، إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ] .

7- ثم دعا –سبحانه- الناس بعد ذلك إلى تدبر آيات القرآن ، المشتمل على الهدايات والإرشادات والأمثال ، وإلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاءهم بالصدق ، لأن هذا الاتباع يؤدي إلى تكفير سيئاتهم ، ورفع درجاتهم عند ربهم .

قال –تعالى- : [ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون . قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ] .

8- وبعد أن عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله –تعالى- في قبضه للأرواح ، وفي كشفه الضر عن خلقه . . أتبعت ذلك بمحاجة المشركين ، وببيان ما هم عليه من ضلال ، وبيان أحوالهم عندما يذكر الله –تعالى- وحده ، وببيان سوء عاقبتهم .

قال –تعالى- : [ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون . قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ] .

9- ثم ساق –سبحانه- لعباده ما يدل على سعة رحمته بهم ، ودعاهم إلى الإنابة إليه ، من قبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه الندم .

قال –تعالى- : [ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله . إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم . وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ] .

10- ثم تحدثت السورة في أواخرها عن أحوال السعداء والأشقياء يوم القيامة ، وعن أهوال هذا اليوم .

قال –تعالى- : [ ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ] .

وختمت ببيان ما أعده –سبحانه- للكافرين من شديد العقاب ، وما أعده للمتقين من كريم الثواب .

قال –تعالى- : [ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ، حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين . وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ، وأورثنا الأرض تتبوأ من الجنة حيث تشاء ، فنعم أجر العاملين . وترى الملائكة حافين من حول العرض يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ] .

11- هذا ، والمتأمل في سورة " الزمر " بعد هذا العرض المجمل لها . يراها قد اشتملت على مقاصد متنوعة من أهمها ما يأتي :

( أ ) إقامة الأدلة المتعددة على وحدانية الله –تعالى- وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، تارة عن طريق خلق السموات والأرض ، وتكوين الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر ، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة . . . وتارة عن طريق لجوء المشركين إليه وحده عند الشدائد ، وتارة عن طريق توفي الأنفس حين موتها ، وتارة عن طريق ضرب الأمثال ، كما قوله –تعالى- : [ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل ، هل يستويان مثلا . الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعلمون ] .

( ب ) تذكير الناس بأهوال الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب . وبعث ونشور ، وفرح يعلو وجوه المتقين ، وكآبة تجلل وجوه الكافرين .

نرى ذلك في مثل قوله –تعالى- : [ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين . وينجي الله الذين اتقوا بمقارنتهم ، لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ] .

وفي مثل قوله –تعالى- : [ ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون . وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء ، وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون . ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ] .

( ج ) تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم الحجج والإجابات التي يرد بها على شبهات المشركين ، وعلى دعاواهم الباطلة ، فقد تكرر لفظ " قل " في هذه السورة كثيراً ، ومن ذلك قوله –تعالى- :

[ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ] . . [ . . . قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره . . . ] .

[ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ] . [ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ] .

[ قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ] .

( د ) الإكثار من المقارنة بين عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار ، بأسلوب يغلب عليه طابع الاستفهام الإنكاري ، الذي حذف فيه الخير للعلم به من سياق الكلام .

ومن ذلك قوله –تعالى- : [ أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ] . وقوله –تعالى- : [ أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ] . وقوله –سبحانه- : [ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ] . وقوله –عز وجل- : [ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ، وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ] .

هذه بعض المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، وهناك مقاصد أخرى يدركها القارئ لهذه السورة الكريمة بتدبر وتفكر .

نسأل الله –تعالى- أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأنس نفوسنا . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

افتتحت سورة " الزمر " بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان مصدره ، قال - تعالى - : { تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم } .

أى : هذا الكتاب وهو القرآن الكريم . قد نزلي عليك - يا محمد - من لدن الله - تعالى - { العزيز } أى : الغالب على كل شئ { الحكيم } فى كل تصرفاته وأفعاله ، وليس هذا القرآن قولا مفترى كما زعم الجاحدون الذين انطمست بصائرهم ، واستحبوا العمى على الهدى .

والذى يتتبع آيات القرآن الكريم ، يرى أن الله - تعالى - إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى ، المتضمنة لصفاته الجليلة .

ففى أول سورة غافر نجد قوله - تعالى - : { حما . تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم } .

وفى أول سورة الجاثية نجد قوله - تعالى - : { حما . تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم } .

وفى أول سورة الأحقاف نجد مثل هذا الافتتاح .

وفى أول سورة فصلت نجد قوله - تعالى - : { حما . تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم } وفى صدر سورة " يس " نجد قوله - سبحانه - { تَنزِيلَ العزيز الرحيم . لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ . . . } ولا يخفى أن ذكره - سبحانه - لبعض أسمائه الحسنى ، بعد ذكره لتنزيل هذا القرآن على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم فيه ما فيه من الثناء على القرآن الكريم ، ومن بيان أنه قد نزل من عند الله - تعالى - وحده ، الذى له الخق والأمر . تبارك الله رب العالمين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة :

هذه السورة مكية كلها في قول أكثر العلماء . وقيل : باستثناء آيتين فهم مدنيتان . وقيل : باستثناء سبع آيات .

وهذه السورة مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأه من القرآن في كل ليلة . وهي سورة تتندّى منها الآيات والعبر وتفيض منها المواعظ والدلائل وألوان المعاني . ويأتي في طليعة ذلك كله التنديد بالشرك وعبادة الأوثان واتخاذ الأنداد والشركاء من دون الله .

وفي السورة تحضيض عظيم ومؤثر على الإيمان وحده وإفراده بالإلهية فالله وحده الخالق المعبود ، وما سواه من أجزاء هذا الوجود خليق به أن يذعن لله بالخضوع والاستسلام .

وتتضمن السورة حججا وبينات شتى في الحياة والطبيعة على عظيم صنع الله وبالغ حكمته وقدرته .

وفي السورة إنذار من الله مجلجل ومخُوف بأن الناس جميعا ميتون لا محالة .

فالخليقة صائرة إلى نهايتها المحتومة التي لا ريب فيها وهي الموت . { إنك ميَّت وإنهم ميّتون } .

وفي السورة بيان من الله مذهل بما هو آتٍ على الكون نمن نفخ في الصور . وهما نفختان عظيمتان مريعتان . فنفخة الصعق لتموت الأحياء كافة ، ثم نفخة البعث والنشور لملاقاة الحساب ، ثم يساق بعد ذلك زمرا فإما إلى الجنة وإما إلى النار .

{ تَنْزِيلُ } مرفوع على أنه مبتدأ . و { مِنَ اللَّهِ } خبر . أو يكون { تَنْزِيلُ } خبرا لمبتدأ محذوف وتقديره : هذا تنزيل . والمراد بالكتاب القرآن ؛ فهو تنزيل من عند الله { الْعَزِيزِ } أي القوي ، المنيع الجناب { الْحَكِيمِ } في أقواله وأفعاله وأحكامه وتقديره وتدبيره .