تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

المفردات :

وأسرو ا الندامة : قال أبو عبيدة : معناه : وأظهروا الندامة . وقال غيره : وأخفوا الندامة فهو من الأضداد .

بالقسط : القسط بكسر القاف : بمعنى : العدل أما بفتحها : فبمعنى : الظلم وليس له موضع هنا .

التفسير :

54 { وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ . . . }

الظالم لن يعجز الله ولن يستطيع الإفلات من عذابه ، وكل نفس ظلمت في الدنيا بالشرك أو المعاصي ؛ تندم أشد الندم على ظلمها ، ولو أنها كانت تملك جميع ما في الأرض ؛ لقدمته فدية من هذا العذاب ؛ إن كان الافتداء يجديها .

والآية قصد بها : التهويل من شأن العذاب والتعظيم له حتى إن الكافر لو كان يملك ما في الأرض من مال ومتاع ، وأمكنه أن يقدمه كفداء لنفسه ؛ لقدمه سريعا .

{ وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } .

أي : أخفى هؤلاء الظالمون الندامة ؛ حين رأوا مقدمات العذاب ، وأيقنوا أنهم لا نجاة لهم منه ، وقد فاجأهم العذاب فأسكتهم وأذلهم ؛ حين رأوا من فظاعة الخطب ما جعلهم جامدين مبهوتين .

وقيل : { أسروا الندامة } . أظهروها ولم يكن عندهم تجلد على كتمها والكلمة من الأضداد تطلق على الجهر والإسرار ؛ وفي سورة الملك : { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور } . ( الملك : 13 ) .

{ وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } .

أي : حكم الله تعالى بينهم بالعدل التام الذي لا ظلم فيه بوجه من الوجوه .

قال تعالى : { وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } . ( النحل : 33 ) .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

ثم بين - سبحانه - أنهم لن يستطيعوا افتداء أنفسهم من العذاب عند وقوعه فقال - تعالى - : { وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا في الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ } .

أى : ولو أن لكل نفس تلبست بالظلم بسبب شركها وفسوقها ، جميع ما في الأرض من مال ومتاع ، وأمكنها أن تقدمه كفداء لها من العذاب يوم القيامة ، لقدمته سريعا دون أن تبقى منه شيئا حتى تفتدي ذاتها من العذاب المهين .

ومفعول { افتدت } محذوف . أي لافتدت نفسها به .

ولو هنا امتناعية ، أى : امتنع افتداء كل نفس ظالمة ، لامتناع ملكها لما تفدى به ذاها وهو جميع ما في الأرض من أموال ، ولامتناع قبول ذلك منها فيما لو ملكته على سبيل الفرض .

وقوله { وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } والندامة والندم : ما يجده الإِنسان في نفسه من آلام وحسرات على أقوال أو أفعال سيئة ، فات أوان تداركها .

أى : وأخفى هؤلاء الظالمين الندامة حين رأوا بأبصارهم مقدمات العذاب ، وحين أيقنوا أنهم لا نجاة لهم منه ، ولا مصرف لهم عنه .

قال صاحب الكشاف : " قوله - سبحانه - { وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ، ولم يخطر ببالهم ، وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ، ما سلبهم قواهم ، وبهرهم ، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع ، سوى إسرار الندم والحسرة في القلوب ، كما ترى القدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخبط ويغلب ، حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا .

وقيل : أسر رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم ، حياء منهم وخوفا من توبيخهم . .

وقيل أسروا الندامة : أظهروها من قولهم أسر الشيء إذا أظهره وليس هناك تجلد " .

وقوله : { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بيان لعدالة الله في أحكامه بين عباده .

أى : وقضى الله - تعالى - بين هؤلاء الضالمين وبين غيرهم بالعدل دون أن يظلم أحدا .