تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ} (92)

92 { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } .

أي : نخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ونجعلك طافيا ؛ ليراك بنو إسرائيل .

ببدنك . أي : نلقى ببدنك على شاطئ البحر ، خاليا من الروح .

{ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } . لتكون عظة وعبرة بأن هذه نهاية الظلم والعدوان ، وأن الإنسان مهما ادّعى العظمة أو الألوهية ، فإنه لا يمكن أن يفر من الموت ، واسم فرعون : منفتاح بن رمسيس 1225 ق . م ، وجثته لا تزال موجودة في متحف الآثار المصرية بالقاهرة .

قال المفسرون : إنما نجى الله بدن فرعون بعد الغرق ؛ لأن قوما اعتقدوا فيه الألوهية ، وزعموا : أن مثله لا يموت ، فأراد الله أن يشاهده الناس ، على ذلك الذل والمهانة ؛ ليتحققوا موته ، ويتخذوا العظة والعبرة .

{ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } .

{ كثيرا من الناس } . لا تتحرك قلوبهم للعظة والاعتبار ، والتأمل في آيات الله ، الداعية إلى الإيمان ، وفيه تحريك لقلوب أهل مكة ومن على شاكلتهم ، إلى التأمل في آيات الله ، وقريب من ذلك قوله تعالى :

{ وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } . ( يوسف : 105 ) .

ملاحظة : كان فرق البحر ونجاة موسى وقومه ، وغرق فرعون وقومه معجزة عظمى لسيدنا موسى عليه السلام ؛ لذا سن صوم يوم عاشوراء الذي تم فيه هذا الحدث ؛ شكرا لله تعالى .

وقد أورد الحافظ ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة حول هذه الآيات ومنها ما رواه البخاري عن ابن عباس قال : ( قدم رسول الله صلى عليه وسلم المدينة ، واليهود تصوم يوم عاشوراء ، فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( أنتم أحق بموسى منهم ؛ فصوموه ) . xxxiii

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ} (92)

ثم ساق ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث في هذا المعنى " .

وقوله - سبحانه - : { فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً . . } تهكم به ، وتخييب لآماله ، وقطع لدابر أطماعه ، والمعنى إن دعواك الإِيمان الآن مرفوضة ، لأنها جاءت في غير وقتها ، وإننا اليوم بعد أن حل بك الموت ، نلقى بجسمك الذي خلا من الروح على مكان مرتفع من الأرض لتكون عبرة وعظة للأحياء الذين يعيشون من بعدك سواء أكانوا من بني إسرائيل أم من غيرهم ، حتى يعرف الجميع بالمشاهدة أو الإِخبار ، سوء عاقبة المكذبين ، وأن الألوهية لا تكون إلا لله الواحد الأحد ، الفرد الصمد .

قال الإِمام الشوكانى : " قوله { فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ . . . } قرئ ننجيك بالتخفيف ، والجمهور على التثقيل .

أى : نلقيك على نجوة من الأرض . وذلك ان بنى إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون قد غرق ، وقالوا : هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاه الله على نجوة من الأرض أى مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه .

ومعنى { ببدنك } بجسدك بعد سلب الروح منه . وقيل معناه بدرعك والدرع يسمى بدنا ، ومنه قول كعب بن مالك :

ترى الأبدان فيها مسبغات . . . على الأبطال واليلب الحصينا

أراد بالأبدان الدروع - وباليلب - يفتح الياء واللام - الدروع اليمانية كانت تتخذ من الجلود .

وقوله : { وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } تذييل قصد به دعوة الناس جميعا إلى التأمل والتدبر ، والاعتبار بآيات الله ، وبمظاهر قدرته .

أى : وإن كثيرا من الناس لغافلون عن آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا على إهلاك كل ظالم جبار .

قال ابن كثير : " وكان هلاك فرعون يوم عاشوراء . كما قال البخارى : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : أنتم أحق بموسى منهم فصوموه " .