تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ} (81)

78

81 - وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ .

الريح العاصف : الشديدة الهبوب .

إلى الأرض التي باركنا فيها : هي أرض الشام .

أي : وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ، وهذه من نعم الله على سليمان أن ذلل له الريح العاصفة أي : المدمرة ، التي تعصف بما تمر عليه وتدمره .

وقد وصف الله تعالى هذه الريح بأنها سهلة هينة مريحة ؛ في موضع آخر فقال : فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ . ( ص : 36 ) .

قال المفسرون :

فهذه الريح قوية وعاصفة في حد ذاتها ؛ لكن إذا أمرها سليمان بأمر تحولت إلى طائعة سهلة منقادة لينة ورخاء ، أو أنها حينا عاصفة ، وحينا رخاء وهي مطيعة لسليمان ؛ وكان سليمان قد دعا الله قائلا :

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ . ( ص : 35 – 39 ) .

والخلاصة :

أن الله ذلل الريح لسليمان عليه السلام ، فكان يتحرك مع جنوده وجيوشه وأتباعه ، ويأمر الريح أن تنقلهم إلى أي مكان يريد الذهاب إليه ، ثم يطلب من الريح أن تعيده إلى المكان الذي يريد أن يرجع إليه ؛ فتطيعه الريح وتجري بأمره .

وكان ملك سليمان في بلاد الشام ؛ فقد حكم داود عليه السلام فلسطين 70 سنة ، وحكمها سليمان 70 سنة ، وبعد ذلك دب الخلاف بين أبناء سليمان وتقسموا الملك ثم دالت دولتهم .

أما العرب المسلمون فقد فتحوا فلسطين وبيت المقدس سنة 15 ه ومكثوا فيها أكثر من ألف عام ؛ ولم يخرجوا من بيت المقدس إلا أيام الحروب الصليبية ؛ ثم عادوا إليه بقيادة صلاح الدين الأيوبي ، وظلوا هناك إلى أن كانت حرب سنة 1967م فأخرجوا من ديارهم بغير حق .

وأملنا في الله أن يعودوا إلى بيت المقدس بفضل الله .

ونعود إلى تقرير معنى الآية فنقول :

سخرنا لسليمان الريح قوية ؛ تسير بأمره وتنقله هو وأتباعه في الصباح وتعود بهم في المساء ؛ حيث ترجع بهم إلى أرض الشام التي بارك الله فيها ؛ بوجود الأنبياء والزروع والثمار ؛ ووجود بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين .

وكنا بكل شيء عالمين .

أي : أن علمنا ممتد إلى كل كبيرة وصغيرة ، ونعرف الحكمة فيما نفعل ، ونعرف أن سليمان أهل لهذه النعمة ؛ فنحن لنا حكمة في ابتلاء الناس بالخير أو بالشر ؛ كما قال سبحانه : ونبلوكم بالشر والخير فتنة . . . ( الأنبياء : 35 ) .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ} (81)

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من نعمه على سليمان بن داود فقال : { وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا } .

وقوله : { وَلِسُلَيْمَانَ الريح } معطوف على معمول " سخرنا " فى قوله - تعالى - قبل ذلك : { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ } و " عاصفة " حال من الريح .

أى : وسخرنا لسليمان الريح حال كونها عاصفة أى : شديدة الهبوب ، كما سخرنا مع أبيه الجبال يسبحن والطير .

يقال : عصفت الريح تعصف إذا اشتدت ، فهى عاصف وعاصفة وعصوف سميت بذلك لتحطيمها ما تمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن .

وقوله - تعالى - : { تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا } أى : جعلناها مع قوتها وشدتها تجرى بأمر سليمان وإذنه إلى الأرض التى باركنا فيها وهى أرض الشام . وقيل : يحتمل أن يكون المراد بها ما هو أعم من أرض الشام .

ووصفت الريح هنا بأنها عاصفة ، وفى آية أخرى بأنها رخاء قال - تعالى - : { تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ } لأنها تارة تكون عاصفة ، وتارة تكون لينة رخاء . على حسب ما تقتضيه حكمته - سبحانه - .

وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " فإن قلت : وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى ، فما التوفيق بينهما ؟

قلت : كانت فى نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به فى مدة يسيرة ، على ما قال : " غدوها شهر ورواحها شهر " فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء فى نفسها وعاصفة فى عملها ، مع طاعتها لسليمان على حسب ما يريد " .

وقال - سبحانه - هنا : { تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا } أى تجرى بأمره إلى تلك الأرض فى حال إيابه ورجوعه إليها ، حيث مقر مملكته ومسكنه . فالمقصود من الآية الكريمة الإخبار عن جريانها فى حال عودته إلى مملكته .

أما الآية الأخرى التى تقول : { فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ } أى : حيث أراد لها أن تجرى ، فالمقصود منها الإخبار عن جربها بإذنه فى غير حال عودته إلى مملكته ، وبذلك أمكن الجمع بين الآيتين ، إذ الجهة فيهما منفكة .

وقوله - تعالى - : { وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ } أى : وكنا بكل شىء يجرى فى هذا الكون عالمين علما مطلقا لا كعلم غيرنا من خلقنا .

فإنه علم محدود بما نشاؤه ونقدره .

فالجملة الكريمة بيان لإحاطة علم الله - تعالى - بكل شىء ، والتنبيه بأن ما أعطاه الله - تعالى - لسليمان ، إنما كان بإرادته - سبحانه - وعلمه .