تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (99)

المفردات :

قربات : جمع قربة و هي ما يتقرب به العبد إلى ربه تعالى .

صلوات الرسول : دعواته صلى الله عليه وسلم .

التفسير :

99 { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول . . . } الآية .

هذا هو الفريق الثاني : وهو فريق مؤمن مخلص في إيمانه وفي نفقته .

أي : وبعض آخر من الأعراب يؤمنون إيمانا صحيحا ، مثل : جهينة ومزينة ، وبنو أسلم وغفار .

وقال مجاهد : هم بنو مقرن من مزينة ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم . . . } . ( التوبة : 92 ) .

وهؤلاء الذين يعتبرون كل نفقة أنفقوها في سبيل الله ؛ وسيلة إلى مرضاة الله ، ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ، واستغفاره لهم ، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم ، عند أخذه الزكاة الواجبة ، والصدقات المندوبة ؛ ليوزعها على مستحقيها ، ولذلك كان من السنة الدعاء للمتصدق بالخير والبركة .

{ ألا إنها قربة لهم } . أي : ألا إن إنفاقهم الصادر عن إخلاص ؛ قربة عظيمة لهم عند الله تعالى ، وفي هذا شهادة من الله بصحة معتقدهم ، وتصديق لرجائهم وتمنيهم .

{ سيدخلهم الله في رحمته } . أي : سيشملهم برحمته وفضله ، أي : سيدخلهم في جنته ورضوانه .

{ إن الله غفور رحيم } . أي : واسع المغفرة والرحمة ، لا يخلف وعده ؛ فهو يستر على ما فرط منهم من ذنب أو تقصير ، ويرحمهم بهدايتهم إلى صالح الأعمال المؤدية إلى حسن الختام والمصير .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (99)

وبعد أن ذكر - سبحانه - حال هؤلاء الأعراب المنافقين ، أتبعه ببيان حال المؤمنين الصادقين منهم فقال : { وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر } .

أى : ومن الأعراب قوم آخرون من صفاتهم أنهم يؤمنون بالله إيمانا صادقا ، ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب .

وقوله : { وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ الله وَصَلَوَاتِ الرسول } مدح لهم على إخلاصهم وسخائهم وطاعتهم . .

والقربات : جمع قربة وهى ما يتقرب به الإِنسان إلى خالقه من أعمال الخير ، والمراد بصلوات الرسول : دعواته للمتقربين إلى الله بالطاعة .

أى : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقا ، ويعتبر كل ما ينفقه في سبيل الله وسيلة للتقرب إليه - سبحانه - وتعالى بالطاعة ، ووسيلة للحصلو على دعوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بالرحمة والمغفرة ، وبحسنات الدنيا والآخرة .

ولقد كان من عادة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ، فقد ورد في الحديث الشريف " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا لآل أبى أوفى عندما تقدموا إليه بصدقاتهم فقال : " اللهم صل على آل أبي أوفى " أي : ارحمهم وبارك لهم في أموالهم . .

وقوله : { ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ } شهادة لهم منه سبحانه - بصدق إيمانهم ، وخلوص نياتتهم ، وقبول صدقاتهم .

والضمير في قوله { إِنَّهَا } يعود على النفقة التي أنفقوها في سبيل الله { ألا } أداة استفتاح جيء بها لتأكيد الخبر والاهتمام به . أي : ألا إن هذه النفقات التي تقربوا بها إلى الله ، مقبولة عنده - سبحانه - قبولا مؤكدا ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من أجر جزيل . . .

وقوله { سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ } وَعْدٌ لهم بإحاطة رحمته بهم . والسين للتحقيق والتأكيد .

أى : أن هؤلاء المؤمنين بالله واليوم الآخر ، والمتقربين إليه سبحانه بالطاعات ، سيغمرهم الله تعالى برحمته التي لا شقاء معها .

قال صاحب الكشاف : وقوله : { ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ } شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه ، وكذلك قوله : { سَيُدْخِلُهُمُ } وما في السين من تحقيق الوعد . وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين ، وأن الصدقة منه مكان ، إذا خلصت النية من صاحبها .

وقوله : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييل مقرر لما قبله على سبيل التعليل ، أى : إن الله تعالى - واسع المغفرة ، كثير الرحمة للمخلصين الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا للمم .

وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت من يستحق الذم من الأعراب ومدحت من يستحق المدح منهم ، وبينت مصير كل فريق ليكون عبرة للمعتبرين وذكرى للمتذكرين .