الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (85)

{ وَإِسْمَاعِيلَ } يعني ابن إبراهيم { وَإِدْرِيسَ } وهو أخنوخ { وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ } على أمر الله ، واختلفوا في ذي الكفل ، فأخبرني ابن فنجويه بقراءتي عليه في داري قال : حدَّثنا عمر بن الخطاب قال : حدَّثنا عبد الله الرازي عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر قال : سمعت حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم لو لم أسمعه إلاّ مرة أو مرّتين لم أُحدّث به ، سمعته منه أُكثر من سبع مرات ، قال صلى الله عليه وسلم " كان في بني إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل لا ينزع عن ذنب عمله ، فاتبع امرأة فأعطاها ستّين ديناراً على أن تعطيه نفسها ، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من المرأة أُرعدت وبكت فقال : ما يبكيك ؟ قالت : من هذا العمل ، ما عملته قطّ ، قال : أكرهتك ؟ قالت : لا ، ولكن حملتْني عليه الحاجة ، قال : اذهبي فهو لك ، ثم قال : والله لا أعصي الله أبداً ، فمات من ليلته فقيل مات ذو الكفل ، فوجدوا على باب داره مكتوباً : إنّ الله قد غفر لذي الكفل " .

وروى الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحرث أنّ نبيّاً من الأنبياء قال : من يكفل لي أن يصوم النّهار ويقوم الليل ولا يغضب ؟ فقام شاب فقال : أنا ، فقال : اجلس ، ثم عاد فقال : من يكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب ؟ فقام ذلك الشاب فقال : انا ، فقال : اجلس ، ثم عاد فقام الشاب فقال : أنا فقال : تقوم الليل وتصوم النهار ولا تغضب ؟ قال : نعم .

فمات ذلك النبي فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بين الناس فكان لا يغضب ، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل ، فضرب الباب ضرباً شديداً فقال : من هذا ؟ فقال : رجل له حاجة ، فأرسل معه رجلاً فرجع فقال : لا أرضى بهذا الرجل ، فأرسل معه آخر ، فقال : لا أرضى بهذا ، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاّه وذهب ، فسمّي ذا الكفل .

وقال مجاهد : لما كبر اليسع ( عليه السلام ) قال : لو أنّي استخلفتُ رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى انظر كيف يعمل ، قال : فجمع الناس فقال : من يتقبّل لي بثلاث استخلفه : يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ، فقام رجل تزدريه العين فقال : أنا فردّه ذلك اليوم . وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس ، وقام ذلك الرجل فقال : أنا فاستخلفه قال : فجعل إبليس يقول للشياطين : عليكم بفلان فأعياهم فقال : دعوني وإياه فأتاه في صورة شيخ فقير حين أخذ مضجعه للقائلة وكان لا ينام بالليل والنهار إلاّ تلك النومة فدّق الباب فقال : من هذا ؟ قال : شيخ فقير كبير مظلوم ، فقام ففتح الباب فجعل يقصّ عليه فقال : إنّ بيني وبين قومي خصومة وإنّهم ظلموني وفعلوا ، وفعلوا فجعل يطوّل عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة ، قال : إذا رحت فإنّني آخذ لك بحقّك ، فانطلق وراح ، فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ ، فلم يره فقام يتبعه ، فلمّا كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه ، فلمّا رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدّق الباب فقال : من هذا ؟ قال : الشيخ المظلوم ، ففتح له فقال : ألم أقل إذا قعدت فأتني قال : إنّهم أخبّ قوم ، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا : نعطيك حقّك ، وإذا قمت جحدوني ، قال : فانطلق فإذا رحت فأتني ، ففاتته القائلة فراح فجعل ينظر ولا يراه وشقّ عليه النعاس ، فقال لبعض أهله : لا تدعنّ أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام فإنّي قد شقَّ عليَّ النوم .

فلمّا كان تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل فلمّا أعياه نظر فرأى كوّة في البيت فتسوّر منها فإذا هو في البيت ، وإذا هو يدّق الباب من داخل فاستيقظ الرجل فقال : يا فلان ألم آمرك ؟ فقال : أمّا من قبلي فلم تُؤتَ والله ، فانظر من أين أُتيت ؟ فقام إلى الباب فهو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فقال له : أتنام والخصوم ببابك ؟ فعرفه فقال : أعدوّ الله ؟ قال : نعم أعييتني في كلّ شيء ففعلت ما ترى لأغضبك فعصمك الله منّي ، فسمّي ذا الكفل لأنه تكفّل بأمر فوفى به .

وقال أبو موسى الأشعري : إنَّ ذا الكفل لم يكن نبيّاً ولكن كان عبداً صالحا تكفّل بعمل رجل صالح عند موته وكان يصلّي لله سبحانه وتعالى كل يوم مائة صلاة ، فأحسن الله عزّ وجلّ عليه الثناء .

وقيل : كان رجلاً تكفّل بشأن رجل وقع في بلاء فأنجاه الله على يديه .

وقيل : ذو الكفل إلياس ، وقيل : هو زكريّا ، والله أعلم .