الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا} (23)

{ وَقَالُواْ } لهم { لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً } قرأ أهل المدينة بضم الواو ، وغيرهم بفتحها وهما لغتان { وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ } قراءة العامة غير مجرى فيهما ، قال أبو حاتم : لأنهما على بناء فعل مضارع وهما مع ذلك أعجميان . وقرأ الأعمش وأشهب العقيلي : ولا يغوثاً ويعوقاً مصروفين { وَنَسْراً } .

أخبرني الحسين قال : حدّثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، قال : حدّثنا محمد بن بكار بن المرقان ، قال : حدّثنا أبو معشر عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب ، قال : كان لآدم ( عليه السلام ) خمس بنين : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، وكانوا عباداً فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزناً شديداً ، فجاءهم الشيطان ، فقال : هل لكم أن أصور لكم في قبلتكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه ، قالوا : نكره أن يجعل في قبلتنا شيئاً نصلي إليه ، قال : فأجعله في مؤخّر المسجد .

قالوا : نعم فصوره لهم من صفر ورصاص ، ثمّ مات آخر فصوّره لهم ، ثمّ مات آخر فصوّره لهم ، قال : فنقصت الأشياء كما ينقصون اليوم وأقاموا على ذلك ما شاء الله ، ثمّ تركوا عبادة الله سبحانه فأتاهم الشيطان فقال : ما لكم لا تعبدون شيئاً ، قالوا : من نعبد ؟ قال : هذه آلهتكم وآلهة آبائكم لا ترونها مصوّرة في مصلاّكم ، قال : فعبدوها من دون الله عزّوجل ، حتّى بعث الله عزّوجلّ نوحاً فدعاهم إلى عبادة الله سبحانه ، فقالوا : { لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ } إلى قوله سبحانه وتعالى : { وَنَسْراً } .

وروى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس ، { وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } قال : كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح ( عليهما السلام ) ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا ، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوّروهم ، فلمّا ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال : إنّما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم .

قال ابن عباس : كان نوح يحرس جسد آدم على جبل بالهند ، يحول بين الكافرين وبين أن يطوفوا بقبره ، فقال لهم الشيطان : إنّ هؤلاء يفخرون عليكم فيزعمون أنّهم بنو آدم دونكم وإنّما هو جسد وأنا أصور لكم مثله تطوفون به ، فنحت خمسة أصنام وحملهم على عبادتها وهي ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأوثان وطمّها التراب ، فلم تزل مدفونة حتّى أخرجها الشيطان لمشركي العرب ، فاتخذت قضاعة ودّاً فعبدوها بدومة الجندل ، ثمّ توارثه بنوه الأكابر فالأكابر حتّى صارت إلى كلب فجاء الإسلام وهو عندهم ، وأخذ أعلى وأنعم وهما من طي يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زماناً ، ثمّ إن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه من أعلى وأنعم ، ففروا به إلى الحصين أخي بني الحرث بن كعب ، وأما يعوق فكان لكهلان ، ثمّ توارثه بنوه الأكبر فالأكبر ، حتّى صار إلى همدان ، وأما نسر فكان لخثعم يعبدونه ، وأما سواع فكان لآل ذي الكلاع يعبدونه .

وقال عطاء وقتادة والثمالي والمسيب : صارت أوثان قوم نوح إلى العرب فكان ود لكلب بدومة الجندل ، وكان سواع برهاط لهذيل ، وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجوف ، وكان يعوق لهمدان ، وكان نسر لآل ذي الكلاع من حمير ، وأما اللات فلثقيف ، وأما العزى فلسليم وغطفان وخثعم ونصر وسعيد بن بكر ، وأما مناة فكانت لقديد ، وأما أساف ونائلة وهبل فلأهل مكّة ، وكان أساف حيال الحجر الأسود ، وكانت نائلة حيال الركن اليماني ، وكان هبل في جوف الكعبة ثمانية عشر ذراعاً .

وقال الواقدي : كان ودّ على صورة رجل ، وسواع على صورة امرأة ، ويغوث على صورة أسد ، ويعوق على صورة فرس ، ونسر على صورة نسر من الطير .