التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} (55)

ثم انتقل - سبحانه - من بيان كمال علمه بأحوال الناس ، إلى بيان كمال علمه بجميع من فى السموات والأرض ، فقال - تعالى - : { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السماوات والأرض } .

أى : وربك - أيها الرسول الكريم - أعلم بأحوال من فى السموات والأرض من إنس وجن وملك ، وغير ذلك ، ولا يخفى عليه شئ من ظواهرهم أو بواطنهم ، ولا يعزب عن علمه - تعالى - شئ من طاعتهم أو معصيتهم ، ولا يعلم أحد سواه من هو أهل منهم للتشرف بحمل رسالته ، وتبليغ وحيه كما قال : - تعالى - : { الله الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } وقوله - سبحانه - : { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } بيان لمظهر من مظاهر علمه المطلق ، وفضله العميم : وعطائه الواسع .

والزبور : هو الكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على داود - عليه السلام .

أى : ولقد فضلنا - على علم وحكمة منا - بعض النبيين على بعض ، بأن جعلنا منهم من كلم الله ، ومنهم من اتخذناه خليلا لنا ، ومنهم من آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس ، ومنهم من آتيناه الزبور وهو داود - عليه السلام - .

قال الإِمام ابن كثير : وقوله - تعالى - : { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ } وقوله - تعالى - : { تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ . . . } لا ينافى ما ثبت من الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تفضلوا بين الأنبياء " فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهى والعصبية ، لا بمقتضى الدليل ، فإذا دل الدليل على شئ وجب اتباعه ، ولا خلاف أن الرسل أفضل عن بقية الأنبياء ، وأن أولى العزم منهم أفضلهم ، وهم الخمسة المذكورون نصا فى قوله - تعالى - :

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . . }

ولا خلاف فى أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضلهم . . .

وإنما خص كتاب داود بالذكر ، لأن اليهود زعموا أنه لا نبى بعد موسى ، ولا كتاب بعد التوراة ، فكذبهم الله - تعالى - فى ذلك ، ولأن فى هذا الإِيتاء إشارة إلى أن تفضيل داود لم يكن بسبب ما أعطاه الله من ملك ، بل بسبب ما أعطاه من كتاب فيه إشارة إلى تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته ، قال - تعالى - :

{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }

والمراد بالعباد الصالحين : محمد صلى الله عليه وسلم وأمته .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا عرف الزبور ، كما عرف فى قوله :

{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ . . . }

قلت : يجوز أن يكون الزبور وزبور ، كالعباس وعباس ، والفضل وفضل . ويجوز أن يريد : وآتينا داود بعض الزبر - وهى الكتب ، وأن يريد ما ذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزبور ، فسمى ذلك زبورا ، لأنه بعضها كما سمى بعض القرآن قرآنا .

ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتحدى المشركين ، بأن يبين لهم : أن آلهتهم المزعومة لا تملك دفع الضر عنهم ، أو جلب الخير لهم ، بل إن هذه الآلهة لتخاف عذاب الله ، وترجو رحمته ، فقال - سبحانه - : { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} (55)

قوله : ( وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ) الله عليم بخلقه الذين حفلت بهم السماوات والأرض ؛ فهم في كفرة أعدادهم واختلاف أنواعهم وأجناسهم وألوانهم وطبائعهم لا يعلمهم إلا الله . وقد خلق الله عباده مختلفين متفاوتين فيما بينهم في القدرات والطاعات والفطر . والله عليم بمن يستحق الرحمة والتوفيق والهداية ليكون من أهل الفلاح والنجاء ، وهو سبحانه عليم أيضا بمن يستحق الخذلان ليكون من أهل التعس والشقاء .

قوله : ( ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض ) هذه سنة الله في عباده أن جعلهم مختلفين في أقدارهم ومنازلهم ، متفاوتين في درجاتهم ومراتبهم . وهذه الحقيقة في المفاضلة تنسحب على عموم النبيين والمرسلين ولا خلاف أن المرسلين أفضل من النبيين غير المرسلين . وكذلك فإن أولي العزم من الرسل أفضل من بقيتهم . وأولوا العزم من الرسل خمسة ، وهم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام . ويستفاد من ذلك قوله : ( وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ) ومن الثابت أن محمد أفضل النبيين والمرسلين ، ومن بعده إبراهيم الخليل ، ثم موسى ، ثم عيسى . وذلك هو تقدير الله في الخلق لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون .

قوله : ( وآتينا داود زبورا ) ذلك تنبهي على فضل هذا النبي الكريم ؛ فقد آتاه الله الزبور . وهو كتاب سماوي مقدس يتكون من مجموعة من الخطب والدعاء كان داود يخاطب بذلك ربه كلما دخل بيت العبادة . وبذلك فإن الزبور ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود . وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد . وقد روي عن أنس قوله في ذلك : " الزبور ثناء على الله ، ودعاء وتسبيح " {[2699]} .


[2699]:- فتح القدير جـ3 ص 236 وتفسير القرطبي جـ10 ص 278 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 45، 46.