التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (99)

وبعد أن ذكر - سبحانه - حال هؤلاء الأعراب المنافقين ، أتبعه ببيان حال المؤمنين الصادقين منهم فقال : { وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر } .

أى : ومن الأعراب قوم آخرون من صفاتهم أنهم يؤمنون بالله إيمانا صادقا ، ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب .

وقوله : { وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ الله وَصَلَوَاتِ الرسول } مدح لهم على إخلاصهم وسخائهم وطاعتهم . .

والقربات : جمع قربة وهى ما يتقرب به الإِنسان إلى خالقه من أعمال الخير ، والمراد بصلوات الرسول : دعواته للمتقربين إلى الله بالطاعة .

أى : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقا ، ويعتبر كل ما ينفقه في سبيل الله وسيلة للتقرب إليه - سبحانه - وتعالى بالطاعة ، ووسيلة للحصلو على دعوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بالرحمة والمغفرة ، وبحسنات الدنيا والآخرة .

ولقد كان من عادة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ، فقد ورد في الحديث الشريف " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا لآل أبى أوفى عندما تقدموا إليه بصدقاتهم فقال : " اللهم صل على آل أبي أوفى " أي : ارحمهم وبارك لهم في أموالهم . .

وقوله : { ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ } شهادة لهم منه سبحانه - بصدق إيمانهم ، وخلوص نياتتهم ، وقبول صدقاتهم .

والضمير في قوله { إِنَّهَا } يعود على النفقة التي أنفقوها في سبيل الله { ألا } أداة استفتاح جيء بها لتأكيد الخبر والاهتمام به . أي : ألا إن هذه النفقات التي تقربوا بها إلى الله ، مقبولة عنده - سبحانه - قبولا مؤكدا ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من أجر جزيل . . .

وقوله { سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ } وَعْدٌ لهم بإحاطة رحمته بهم . والسين للتحقيق والتأكيد .

أى : أن هؤلاء المؤمنين بالله واليوم الآخر ، والمتقربين إليه سبحانه بالطاعات ، سيغمرهم الله تعالى برحمته التي لا شقاء معها .

قال صاحب الكشاف : وقوله : { ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ } شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه ، وكذلك قوله : { سَيُدْخِلُهُمُ } وما في السين من تحقيق الوعد . وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين ، وأن الصدقة منه مكان ، إذا خلصت النية من صاحبها .

وقوله : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييل مقرر لما قبله على سبيل التعليل ، أى : إن الله تعالى - واسع المغفرة ، كثير الرحمة للمخلصين الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا للمم .

وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت من يستحق الذم من الأعراب ومدحت من يستحق المدح منهم ، وبينت مصير كل فريق ليكون عبرة للمعتبرين وذكرى للمتذكرين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (99)

قوله : { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول } وفي مقابل المنافقين من الأعراب ثمة فريق آخر منهم مخالف لهم ، وهم المؤمنون منهم الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر على الوجه الصحيح المأمور به في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم { ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } قربات ، جمع قربة ، وهي ما يتقرب به المؤمن إلى الله . وقربات مفعول به ثان للفعل يتخذ . والمعنى : أن هذا الفريق من الأعراب مؤمنون صادقون يتخذون ما ينفقون سببا للتقرب إلى الله ونيل مرضاته { وصلوات الرسول } معطوف على قربات ؛ أي يعدون ما ينفقون من أموالهم سببا لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو الذين يتصدقون بالخير والبركة ويستغفر لهم . لا جرم أن الدعاء الزكي الكريم من خير الأنام رسول الله صلى الله عليه وسلم بغية كل مؤمن صادق مخلص يهفو قلبه لمثل هذا الدعاء المبارك عسى أن يحظى بالاستجابة من الله . والله جل وعلا يتقبل الدعاء من عبده الطائع المخبت إذا ما دعاه متضرعا إليه متوسلا ، فيكف بالداعي إن كان خير البرية ، وأكرمها على الله في العالمين صلى الله عليه وسلم ؟ ومن أجل ذلك فإنه يسن لآخذ الصدقة أن يدعو بالخير للمتصدق عند أخذها .

قوله : { ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته } { ألا } ، حرف تنبيه . والضمير في { إنها } عائد إلى النفقة في الراجح . وهذه هنا شهادة من الله للمتصدقين بصحة ما اعتقدوه من أن ما أنفقوه قربات عند الله وصلوات . إنها شهادة لهم من جلال الله بصحة ما اعتقدوه وتصديق لما رجوه .

قوله : { سيدخلهم الله في رحمته } وذلك وعد حق من الله بإدخالهم في رحمته ، ومن أدخله الله في رحمته كان من الآمنين الناجين من كل ما يصيب المخلوقات من مكروه ، فضلا عما ينعم به المرحومون من الله بالخيرات والبركات والخلد في الجنات حيث البهجة والحبور وانشراح الصدور . جعلنا الله من عباده المرحومين .

قوله : { إن الله غفور رحيم } الله غفار الذنوب والخطايا ، ومتجاوز عن السيئات والمعاصي . وهو سبحانه وتعالى يرحم عباده المؤمنين والتائبين والمستغفرين الذين يرجون منه الرحمة والفضل والغفران{[1879]} .


[1879]:روح المعاني جـ 6 ص 5- 7 والبحر المحيط جـ 5 ص 94- 96.