ولما كان من أصل الشافعي رحمه الله أن الاستثناء المتعقب للجمل المتواصلة المتعاطفة بالواو عائد إلى الجميع سواء كانت من جنس أو أكثر إلا إذا منعت قرينة ، أعاد الاستثناء هنا إلى الفسق ورد الشهادة دون الحكم بالجلد ، لأن من تمام التوبة الاستسلام للحد والاستحلال منه ، ولقرينة كونه حق آدمي وهو لا يسقط بالتوبة ، في قوله تعالى : { إلا الذين تابوا } أي رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره وندموا عليه وعزموا على أن لا يعودوا كما بين في البقرة في قوله تعالى{ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا }[ البقرة : 160 ] وأشار إلى أن الجلد لا يسقط بالتوبة بقوله مشيراً بإدخال الجار إلى أن قبولها لا يتوقف على استغراقها الزمان الآتي : { من بعد ذلك } أي الأمر الذي أوجب إبعادهم وهو الرمي والجلد ، فإن التوبة لا تغير حكم الرامي في الجلد ، وإنما تغيره في رد الشهادة وما تسببت عنه وهو الفسق ، وأشار إلى شروط التوبة بقوله : { وأصلحوا } أي بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال ، وهي سنة يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف الطباع .
ولما كان استثناؤهم من رد الشهادة والفسق ، فكان التقدير : فاقبلوا شهادتهم ولا تصفوهم بالفسق ، علله بقوله : { فإن الله } أي الذي له صفات الكمال { غفور } أي ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه { رحيم* } أي يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة .
قوله : { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } ذلك استثناء للتائبين من بعد القذف . فإن هم ندموا على فعلهم واستغفروا ربهم وأنابوا إليه ، وتركوا العود إلى مثل ما فعلوه من القذف فإن الله يستر عليهم ما فعلوه من ذنب .
على أن الاستثناء غير عامل في جلد القاذف بالإجماع . فإذا طلب المقذوف حقه في الحد من القاذف أجابه الحاكم لا محالة .
أما عمل الاستثناء في رد الشهادة من القاذف فهو مختلف فيه . فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن الشهادة من القاذف لا تقبل . فهي بذلك مردودة وإن تاب وإنما يزول فسقه فقط . وهو قول الحنفية وآخرين . وقال أكثر أهل العلم إن الاستثناء عامل في رد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ، وزال فسقه . والأصل في هذه المسألة اختلافهم في الاستثناء إذا جاء عقيب جمل معطوفة هل يعود إلى جميعها أم إلى الجملة الأخيرة فقط{[3226]} .
ثمة أقوال ثلاثة للعلماء في ذلك :
القول الأول : إن الاستثناء يعود إلى جميع الجمل المتعاقبة بالواو . وهو قول الشافعية والمالكية والحنبلية وأهل الظاهر . وقال به أبو الحسن البصري من المعتزلة . فقد ذهب هؤلاء جميعا إلى أن الاستثناء المتصل بجمل من الكلام معطوف بعضها على بعض يجب رجوعه إلى جميع الجمل . فالآية هنا ، قد وقع الاستثناء فيها بعد ثلاث جمل . وهي : الأمر بالجلد . ثم النهي عن قبول الشهادة . ثم الإخبار بفسقهم . والاستثناء عائد إلى الجميع . وبذلك يرتفع رد الشهادة كما يرتفع التفسيق . ولا يرتفع الجلد فإنه حد .
وقد ورد التنصيص على وجوبه في الأخبار الصحيحة . واحتج هؤلاء بعدة أدلة منها ، القياس على الشرط ؛ فإن الشرط إذا تعقب جملا ؛ فإنه يعود على الكل فكذا الاستثناء . وقالوا أيضا : الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة وبذلك يؤثر الاستثناء في الجميع .
القول الثاني : إن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط . وهو قول الحنفية وقال به الرازي . وبذلك فإن الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة من الجمل المتعاقبة بالواو . واحتجوا بأن رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة مستيقن . أما رجوعه إلى ما قبلها من الجمل فهو محتمل مشكوك فيه فلا يثبت بالشك والاحتمال .
القول الثالث : التوقف . وهو مذهب الأشعري واختاره الآمدي والغزالي والباقلاني . فقد توقفوا لعدم العلم بمدلوله لغة{[3227]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.