الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (2)

{ الزانية والزاني } إذا كانا حرين بالغين غير محصنين { فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة } رقة ورحمة فتعطلوا الحدود وتخففوا الضرب حتى لا يؤلم وقوله { في دين الله } أي في حكم الله { وليشهد } وليحضر { عذابهما } جلدهما { طائفة } نفر { من المؤمنين }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (2)

وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في برهانه : لما قال تعالى{ والذين هم لفروجهم حافظون }[ المؤمنون :5 ] ثم قال تعالى

{ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون }[ المؤمنون : 7 ] استدعى الكلام بيان حكم العادي في ذلك ، ولم يبين فيها فأوضحه في سورة النور فقال تعالى { الزانية والزاني } - الآية ، ثم أتبع ذلك بحكم اللعان والقذف وانجرّ مع ذلك الإخبار بقصة الإفك تحذيراً للمؤمنين من زلل الألسنة رجماً بالغيب { وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم } وأتبع ذلك بعد بوعيد محبّي شياع الفاحشة ، في المؤمنين بقوله تعالى{ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات }[ النور : 23 ] الآيات ، ثم بالتحذيرمن دخول البيوت إلا بعد الاستئذان المشروع ، ثم بالأمر بغض الأبصار للرجال والنساء ونهى النساء عن إبداء الزينة إلا لمن سمى الله سبحانه في الآية ، وتكررت هذه المقاصد في هذه السورة إلى ذكر حكم العورات الثلاث ، ودخول بيوت الأقارب وذوي الأرحام ، وكل هذا مما تبرأ ذمة المؤمن بالتزام ما أمر الله فيه من ذلك والوقوف عندما حده تعالى من أن يكون من العادين المذمومين في قوله تعالى فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون }[ المؤمنون : 7 ] . وما تخلل الآي المذكورات ونسق عليها مما ليس من الحكم المذكور فلاستجرار الآي إياه واستدعائه ، ومظنة استيفاء ذلك وبيان ارتباطه التفسير ، وليس من شرطنا هنا - والله سبحانه وتعالى يوفقنا لفهم كتابه - انتهى .

ولما كان مبنى هذه الدار على الأنساب في التوارث والإمامة والنكاح وغير ذلك ، ومبنى تلك الدار على الأعمال لقوله تعالى{ فلا أنساب بينهم يومئذ }[ المؤمنون : 101 ] وكان قد حث في آخر تلك على الستر والرحمة ، حذر سبحانه رحمة منه في أول هذه من لبس الأنساب ، وكسب الأعراض وقطع الأسباب ، معلماً أن الستر والرقة ليسا على عمومهما ، بل على ما يحده سبحانه ، فقال مخاطباً للأئمة ومن يقيمونه : { الزانية } وهي من فعلت الزنا ، وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً ، وقدمها لأن أثر الزنا يبدو عليها من الحبل وزوال البكارة ، ولأنها أصل الفتنة بهتك ما أمرت به من حجاب التستر والتصون والتحذر { والزاني } .

ولما كان " ال " بمعنى الاسم الموصول ، أدخل الفاء في الخبر فقال : { فاجلدوا } أي فاضربوا وإن كان أصله ضرب الجلد بالسوط الذي هو جلد { كل واحد منهما } إذا لم يكن محصناً ، بل كان مكلفاً بكراً - بما بينته السنة الشريفة { مائة جلدة } فبدأ بحد الزنا المشار إليه أول تلك بقوله تعالى{ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون }[ المؤمنون : 7 ] وفي التعبير بلفظ الجلد الذي هو ضرب الجلد إشارة إلى أنه لا يكون مبرحاً بحيث يتجاوز الألم إلى اللحم .

ولما كان هذا ظاهراً في ترك الشفقة عليهما ، صرح به لأن من شأن كل من يجوز على نفسه الوقوع في مثل ذلك أن يرحمهما فقال : { ولا تأخذكم } أي على حال من الأحوال { بهما رأفة } أي لين ، ولعله عبر بها إعلاماً بأنه لم ينه عن مطلق الرحمة ، لأن الرأفة أشد الرحمة أو أرقها وتكون عن أسباب من المرؤوف به ، وكذا قوله : { في دين الله } أي الذي شرعه لكم الملك المحيط بصفات الكمال - إشارة إلى أن الممنوع منه رحمة تؤدي إلى ترك الحد أو شيء منه أو التهاون به أو الرضى عن منتهكه لا رقة القلب المطبوع عليها البشر كما يحكى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه بكى يوم فتحت قبرص وضربت رقاب ناس من أسراها فقيل له : هذا يوم سرور ، فقال : هو كذلك ، ولكني أبكي رحمة لهؤلاء العباد الذين عصوا الله فخذلهم وأمكن منهم .

ولما علم سبحانه ما طبع عليه عباده من رحمة بعضهم لبعض فحث على هذا الحكم بالأمر والنهي ، زاد في التهييج إليه والحض عليه بقوله : { إن كنتم } أي بما هو كالجبلة التي لا تنفك { تؤمنون بالله } أي الملك الأعظم الذي هو أرحم الراحمين ، فما شرع ذلك إلا رحمة للناس عموماً وللزانيين خصوصاً ، فمن نقص سوطاً فقد ادعى أنه أرحم منه ، ومن زاد سوطاً فقد ظن أنه أحكم وأعظم منه .

ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام ، وكان الرجاء غالباً على الإنسان ، أتبعه ما يرهبه فقال : { واليوم الآخر } الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي . ولما كان الخزي والفضيحة أعظم عند بعض الناس من ضرب السيف فضلاً عن ضرب السوط قال : { وليشهد } أي يحضر حضوراً تاماً { عذابهما طائفة } أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها وحفوفها بكل منهما { من المؤمنين* } العريقين إشهاراً لأمرهما نكالاً لهما ، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة . وفي كل هذا إشارة ظاهرة إلى أن إقامة الحدود والغلظة فيها من رحمته سبحانه المشار إليها بقوله{ وأنت خير الراحمين }[ المؤمنون : 118 ] .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (2)

قوله : ( الزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة ) بدأ بذكر الزانية قبل الزاني لإيجاب الحد إذا تحققت شروطه . أما البداية بذكر الزانية قبل الزاني ؛ فإنها تزجي بالسؤال عن سبب ذلك . ولعل الجواب عن ذلك أن فاحشة الزنا إنما تؤتى في الغالب من قبل المرأة . وذلك يعني أن المرأة أقدر من الرجل على صون نفسها بالاصطبار والاستعصام وطول الاحتمال دون السقوط في الزنا ، فضلا عن خصلة الاحتجاز والأنفة اللذين فطرت عليهما المرأة ، فإنها بطبعها تجنح للتماسك والاحتجاز والأنفة عن المراودة أو التحرش من قبل الرجال الذين يندفعون في الغالب صوب النساء لقضاء أوطارهم منهن . وليس أدل على هذه الحقيقة من أن المرأة في الغالب لا تأتي بل إنها تؤتى . فالرجل يتقدم نحوها مبتغيا راغبا . والمرأة من جهتها تستقبل دون أن تبرح مكانها ولا تريم .

ولئن كانت المرأة قد فطرت على الاحتجاز والانثناء والأنفة ؛ فإن الرجل أضعف في احتباس نفسه دون التقدم والاندفاع جهة الجنس الآخر . لا جرم أن هذه خصلة من خصال الضعف المحسوبة على الرجال في مقابلة النساء .

وعلى هذا فإن المرأة من جهتها تمسك بصمام الأمان للحيلولة دون وقع الفاحشة . فإن هي استرخت أو أذنت للرجل الدنو منها أو مسها كان الرجل شديد الاندفاع في عجل لقضاء الشهوة المشبوبة . وحينئذ تقع الفاحشة ويتوجب العقاب الصارم . وهذه حقيقة مستفادة من قوله في تحذير النساء من اللين ورقة الخطاب أمام الرجال : ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) أي لا تخاطبن الرجال إلا في جد واستقامة بعيدا عن بواعث الريبة والفتنة والإغراء الذي يثيره لين القول ورقة الخطاب المتكلف .

وبذلك لا يُتصور وقوع الزنا بغير إذن من المرأة وقبولها . فإن هي استعصمت مجتنبة ظواهر الإغراء وتكلف الخطاب ، فما يستطيع الرجل بعد ذلك أن يفعل شيئا إلا أن يجترئ في وقاحة شرسة فينقض انقضاض الكاسر المجنون .

حد الزنا

الزنا خسيسة من خسائس المجتمعات البشرية . وهو رذيلة من الرذائل التي تدنّس الفرد والجماعة بما تفضي إليه هذه الفاحشة المستقذرة النكراء من خلط المياه وتزييف النسل والأنساب وإشاعة الفوضى والظنون في المجتمع ، وتبديد الثقة بين الأزواج والزوجات ، وإضعاف التلاحم وعرى المودة بين الناس . والإكثار من نسبة الطلاق والأولاد غير الشرعيين ؛ من أجل ذلك ندد الإسلام تنديدا بهذه الفاحشة المستقبحة وأعدّ من أجلها العقاب الرادع سواء في ذلك الزاني المحصن أو غير المحصن .

على أن الزنا الموجب للحد يعني الوطء من البالغ العاقل في قُبُل أو دُبر ممن لا عصمة بينهما ولا شبهة وهو قول الجمهور . بخلاف الحنفية ؛ فإن الزنا الموجب للحد عندهم ما كان في القبل دون الدبر .

وثمة شروط لوجوب حد الزنا وهي :

الشرط الأول : التكليف ؛ فإنه لا يقام الحد على الصغير والمجنون والمعتوه ، ولا على النائم أو المكره ؛ وذلك لما أخرجه أبو داود بسنده عن عائشة ( رضي الله عنها ) أن رسول الله ( ص ) قال : " رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل " .

الشرط الثاني : الاختيار . وذلك أن يكون كل من الزناة أو الزواني مختارا غير مكره . فأيما إكراه في وقوع الزنا يندرئ به الحد . وذلك في حق المرأة معلوم لا خلاف فيه . أما الرجل المكره على الزنا ففي حده خلاف ؛ فقد ذهبت الحنبلية والمالكية في الراجح من مذهبهم إلى حده . خلافا للشافعي وآخرين ؛ إذ قالوا بعدم وجوب الحد على الزاني المكره استنادا إلى عموم الخبر : " رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه " .

أما الحنفية : فإن الإكراه الذي يندرئ به الحد عندهم ما كان بفعل السلطان . أما الإكراه من غير السلطان فلا يمنع من وقوع الحد على الزاني المكره{[3212]} .

الشرط الثالث : العلم بالتحريم ؛ فإنه يُعذر من جهل التحريم . كما لو كان الزاني حديث عهد بالإسلام ، أو ناشئا ببادية بعيدة عن المسلمين . وتفصيل ذلك في مواضعه من كتب الفقه .

الشرط الرابع : انتفاء الشبهة ؛ فإن الشبهة في الزنا تدرأ منه الحد ؛ لأن الحدود مبنية على الدرء والإسقاط بالشبهات . وفي ذلك أخرج أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا " .

وروى الترمذي أيضا عن عائشة قالت : قال رسول الله ( ص ) : " ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم . فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ؛ فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " .

وضروب الشبهات في هذا الصدد كثيرة . كالوطء في نكاح مختلف في صحته . مثل النكاح بغير ولي ، أو بغير شهود ، أو في نكاح المتعة ، أو نكاح الشغار . وكذلك نكاح الأخت في عدة أختها . ونكاح الخامسة في عدة الزوجة الرابعة المطلقة طلاقا بائنا . وتفصيل ذلك في مظانه .

الشرط الخامس : ثبوت الزنا في حضرة الحاكم ؛ لأن الحاكم منوط به وحده إيقاع الحد على الزاني . فإن ثبت الزنا أمام غير الحاكم ؛ لم يجب الحد ، وينسحب ذلك على سائر الحدود والقصاص والتعزير .

ثبوت الزنا

يثبت الزنا بأحد شيئين :

أحدهما : الإقرار . وهو اعتراف الزاني أو الزانية بوقوع الزنا صراحة وفي وضوح لا لبس فيه ولا تردد . وصورة ذلك : أن يقر الزاني أو الزانية بوقوع الزنا أربعة أقارير ، على أن يكون الإقرار طوعا من غيره إكراه . فأيما إكراه على الإقرار ينخرم معه الشرط فلا يجب الحد .

ثانيهما : البينة . وهي الشهادة من أربعة شهود عدول على حصول الزنا ، على أن تتفق شهادات الشهود جميعا فيصفوا الزنا وصفا حقيقيا متطابقا . وأيما اختلاف بين شهادات الشهود ؛ فإنه يندرئ به الحد . وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه{[3213]} .

عدم ثبوت الزنا بالحمل

لا يثبت حد الزنا بالحمل ، فلو أن امرأة غير مزوجة حملت لا يقام عليها حد ما لم تعترف بالزنا أو يثبت ذلك بالشهادة كما بيناه سابقا . وهو قول الجمهور من الفقهاء . ووجه ذلك : أن الحمل لا يتجاوز في الإثبات مستوى القرينة من القرائن . أو هو ليس غير احتمال من الاحتمالات التي لا تثبت بها الفاحشة . وذلك في ذاته شبهة يندرئ بها الحد .

حد المحصن وغير المحصن

المحصن من الحصن وهو الموضع المنيع المصون . ومنه الإحصان بمعنى الصون والحماية{[3214]} والمحصن في الشرع معناه المتزوج . سمي بذلك لتحصنه بالزواج من الفتنة والوقوع في الفاحشة .

أما المحصن إذا زنا ، سواء كان ذكرا أو أنثى ، فقد وجب في حقه حد الرجم بالحجارة حتى الموت . وقد ثبت حد الرجم عن طريق السنة . بما لا يحتمل الشك .

ومن جملة ذلك ما أخرجه أبو داود وآخرون من أصحاب السنن عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله ( ص ) : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : الثيب بالثيب ؛ جلد مئة ورمي بالحجارة . والبكر بالبكر ؛ جلد مائة ونفي سنة " . وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عباس أن النبي ( ص ) قال لماعز بن مالك : " لعلك قبّلت أو غمزت أو نظرت " قال : لا . قال " أفنكتها ؟ " قال : نعم . قال : عند ذلك أمر برجمه ، وكذلك أخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : " رجم نبي الله ( ص ) رجلا من اليهود وامرأة زنيا " وغير ذلك من الأخبار في رجم المحصن كثير . وقال ابن المنذر في هذا الصدد : أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت . وبذلك يثبت وجوب الرجم على الزاني المحصن .

على أن الرجم لا يجتمع مع الجلد . فإذا ثبت الزنا من المحصن وجب في حقه الرجم فقط . وهو قول أكثر أهل العلم وفيهم الحنفية والشافعية والمالكية ، وكذا الحنبلية في إحدى الروايتين لهم . وقد روي ذلك عن عبد الله بن مسعود . وقال به النخعي والزهري والأوزاعي وأبو ثور . واحتجوا لذلك بأن النبي ( ص ) رجم كلا من ماعز والغامدية ولم يجلدهما .

وقيل : يجتمع الجلد والرجم . فإذا زنا المحصن وجب جلده ثم رجمه . وهو قول الحسن البصري وإسحاق وداود بن علي الظاهري . وهي الرواية الثانية للحنبلية .

واستدلوا لذلك بقوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فقالوا : هذا النص يفيد العموم لكن السنة جاءت بالرجم في حق الثيب ، والجلد في حق البكر . {[3215]}

حد غير المحصن

غير المحصن : وهو البكر إذا زنا ؛ فإنه يحد مائة جلدة ثم يغرب سنة خارج بلده . وسنعرض لمسألة التغريب إن شاء الله .

وقد ثبت حد الزنى للبكر بالكتاب الحكيم أي في هذه الآية ( الزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة ) وكذلك في السنة مما أخرجه أئمة الحديث عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله ( ص ) : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر ، جلد مائة ونفي سنة . والثيب بالثيب ؛ جلدة مائة والرجم " .

وروى البخاري وأحمد عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) " قضى فيمن زنا ولم يحصن بنفي عام ، وإقامة الحد عليه " .

وهل يجب التغريب ، وهو النفي ، مع الجلد في حق البكر إذ زنا ؟ ثمة قولان في ذلك : القول الأول : وجوب التغريب مدة سنة سواء كان ذلك قبل الجلد أو عقبه . وهو قول الجمهور من الشافعية والمالكية والحنبلية وأهل الظاهر . وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين . وبه قال ابن مسعود وابن عمر . وهو مذهب عطاء وطاووس والثوري وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور . ودليل ذلك ما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت أن النبي ( ص ) قال : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، الثيب بالثيب ؛ جلدة مائة ورمي بالحجارة ، و البكر بالبكر ، جلد مائة ونفي سنة " .

القول الثاني : عدم وجوب التغريب في حد البكر . وإنما حده الجلد فقط . وهو قول الحنفية . واستدلوا بقوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فقد أمر بالجلد ولم يذكر التغريب ، فمن أوجبه فقد زاد على كتاب الله عز وجل والزيادة عليه نسخ ، ولا ينسخ نص الكتاب بخبر الواحد{[3216]} .

إلى غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالزنا وحده مما لا يتسع لذكره المجال أكثر مما ذكرنا . وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه .

قوله : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) أي لا يمنعكم عن طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحد على الزناة والزواني ، رحمة بهم أو شفقة عليهم . وذلك بترك الحد أو تخفيف الضرب كيلا يوجع ؛ بل تجب إقامة الحد بالضرب الوجيع في غير تبريح ولا مبالغة جزاء للزاني على ما اقترف ، وردعا لغيره من الناس ممن تسوّل له نفسه الوقوع في الفحش .

قوله : ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) يعني أقيموا حدود الله كجلد الزاني والزانية إن كنتم مصدقين بالله واليوم الآخر . والمراد التحريض على إقامة الحد من غير تردد أو إبطاء .

قوله : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) أي ليحضر حد الزانيين طائفة من المؤمنين . واختلفوا في المراد بالطائفة . فقد قيل : الواحد فما زاد طائفة . وقيل : الطائفة ثلاثة نفر فصاعدا . وقيل : أربعة نفر فصاعدا طائفة .

والمراد من حضور الطائفة : توبيخهما وتعنيفهما وزيادة التنكيل بهما ، وافتضاح أمرهما ؛ فيكون ذلك أبلغ في زجرهما ، وأنجع في ردعهما فضلا عما في ذلك من ازدجار للناس . فإن من شهد الحد يتعظ به ويشيع حديثه فيعتبر به غيره{[3217]} .


[3212]:-المغني جـ 8 ص 187 والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 282 وحاشية الخرشي ومعه حاشية العدوي جـ8 ص 80.
[3213]:- حاشية الخرشي جـ8 ص 78 والأحكام السلطانية للماوردي ص 25 وبدائع الصنائع جـ7 ص 37 والكافي لابن قدامة جـ3 ص 204 وأسهل المدارك جـ3 ص 167. والمدونة جـ 4 ص383.
[3214]:- تهذيب اللغة للأزهري جـ 4 ص 244، وأساس البلاغة للزمخشري جـ 1 ص 179 ولسان العرب جـ 1 ص 655.
[3215]:- المغني جـ8 ص 160 والمهذب جـ 2 ص 272 وبداية المجتهد جـ2 ص 435 وأحكام القرآن لابن العربي جـ1 ص 359.
[3216]:- الكافي جـ 3 ص 215 وبلغة السالك ومعها حاشية الدردير جـ2 ص 424 وحاشية الخرشي جـ8 ص 84 والأحكام السلطانية ص 23.
[3217]:- تفسير ابن كثير جـ 3 ص 262 وتفسير القرطبي جـ 12 ص 166 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 1314.