فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا ف { قال الذي عنده علم من الكتاب } وهو آصف بن برخيا وكان قد قرأ كتب الله سبحانه { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } قبل أن يرجع إليك الشخص من منتهى طرفك { فلما رآه } رأى سليمان عليه السلام العرش { مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر } نعمته { أم أكفر } ها { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } لأن نفع ذلك يعود إليه حيث يستوجب المزيد { ومن كفر فإن ربي غني } عن شكره { كريم } بالإفضال على من يكفر النعمة
ولما كانت القصة لإظهار فضل العلم المستلزم للحكمة ، دلالة على أنه تعالى حكيم عليم ، ترغيباً في القرآن ، وحثاً على ما أفاده من البيان ، قال حاكياً لذلك استئنافاً جواباً لاستشرافه صلى الله عليه وسلم لأقرب من ذلك : { قال الذي عنده } .
ولما كان لكتب الله من العظمة ما لا يحيطه إلا الله ، اشار إلى ذلك بتنكير ما لهذا الذي يفعل مثل هذا الخارق العظيم من ذلك فقال : { علم } تنبيهاً على أنه اقتدر على ذلك بقوة العلم ليفيد ذلك تعظيم العلم والحث على تعلمه ، وبين أن هذا الفضل إنما هو للعلم الشرعي فقال : { من الكتاب } أي الذي لا كتاب في الحقيقة غيره ، وهو المنسوب إلينا ، وكأنه الذي كان شهيراً في ذلك الزمان ، ولعله التوراة والزبور ، إشارة إلى أن من خدم كتاباً حق الخدمة كان الله - تعالى كما ورد في شرعنا - سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، أي إنه يفعل له ما يشاء ، وقيل في تعيينه إنه آصف بن برخيا وكان صديقاً عالماً : { أنا آتيك به } وهذا أظهر في كونه اسم فاعل لأن الفعل قارن الكلام ؛ وبين فضله على العفريت بقوله : { قبل أن يرتد } أي يرجع { إليك طرفك } أي بصرك إذا طرفت بأجفانك فأرسلته إلى منتهاه ثم رددته ؛ قال القزاز : طرف العين : امتداد بصرها حيث أدرك ، ولذلك يقولون : لا أفعل ذلك ما ارتد إليّ طرفي ، أي ما دمت أبصر ، ويقال : طرف الرجل يطرف - إذا حرك جفونه ، وقيل : الطرف اسم لجامع البصر لا يثنى ولا يجمع . وبين تصديق فعله لقوله أنه استولىعليه قبل أن يتحكم منه العفريت فبادر الطرف إحضاره كما أشار إليه قوله تعالى : { فلما رآه } أي العرش .
ولما كانت الرؤية قد تكون عن بعد ومجازية ، وكذلك العندية ، بين أنها حقيقية بإظهار العامل في الظرف ومن حقه في غير هذا السياق الحذف فقال : { مستقراً عنده } أي ثابتاً ثباتاً لا مرية فيه ، ما هو بسحر ولا منام لا مثال ؛ قال الإمام جمال الدين بن هشام في الباب الثالث من كتابه المغني : زعم ابن عطية أن { مستقراً } هو المتعلق الذي يقدر في أمثاله قد ظهر ، والصواب ما قاله أبو البقاء وغيره من أن هذا الاستقرار معناه عدم التحرك لا مطلق الوجود والحصول ، فهو كون خاص . { قال } أي سليمان عليه السلام شكراً لما آتاه الله من هذه الخوارق : { هذا } أي الإتيان المحقق { من فضل ربي } أي المحسن إليّ ، لا بعمل أستحق به شيئاً ، فإنه أحسن إليّ بإخراجي من العدم وتطويقي للعمل ، فكل عمل نعمة منه يستوجب عليّ به الشكر ، ولذلك قال : { ليبلوني } أي يفعل معي فعل المبتلي الناظر { ءأشكر } فأعترف بكونه فضلاً { أم أكفر } بظن أني أوتيته باستحقاق . ثم زاد في حث نفسه على الشكر بقوله : { ومن شكر } أي أوقع الشكر لربه { فإنما يشكر لنفسه } فإن نفعه لها ، وأما الله تعالى فهو أعلى من أن يكون له في شيء نفع أو عليه فيه ضر { ومن كفر فإن ربي } أي المحسن إليّ بتوفيقي لما أنا فيه من الشكر { غني } أي عن شكر ، لا يضره تركه شيئاً { كريم* } يفعل معه بإدرار النعم عليه فعل من أظهر محاسنه وستر مساوئه ، ثم هو جدير بأن يقطع إحسانه إن استمر على إجرامه كما يفعل الغني بمن أصر على كفر إحسانه فإذا هو قد هلك .
قوله : { قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } الذي عنده علم الكتاب رجل صالح من بني إسرائيل كان وزيرا لسليمان وكان تقيا صديقا وذا علم بالكتاب المنزل من عند الله . فقد قال سليمان { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } يعني آتيك بعرش بلقيس في مقدار ما تفتح فيه عينك ثم تطرفها ، أي في لحظة عين . والطرف : تحريك الأجفان عند النظر . ولا عجب فهذه معجزة من الله تشهد بصدق نبوة سليمان وأنه رسول رب العالمين ، أما في حق الرجل الصالح الذي جاء بعرشها في طرفة عين ، فهذه كرامة من الكرامات يؤتيها الله أولياءه الصالحين من عباده المؤمنين .
قوله : { فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي } لما رأى سليمان عرش بلقيس ثابتا بين يديه هتف شاكرا محبورا من أمر الله وفضله عليه وهو قوله : { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي } أي هذا العطاء والتوفيق والتمكين مما أنعم به ربي علي { لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } أي ليمتحنني ربي أأشكر نعمته علي أم أجحدها .
قوله : { وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } أي من شكر الله على ما تفضل به وأنعم فذكر ذلك لله مقرا معترفا بمنه وكرمه فإنما ينفع بهذا الشكران نفسه ، والله جل وعلا يزيد الشاكرين خيرا منه وفضلا .
قوله : { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } الله غني عن العالمين فلا يعبأ بهم وبكفرهم ، وهو سبحانه كريم في نفسه سواء شكره العباد أو كفروه{[3439]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.