{ ولما جاء موسى لميقاتنا } أي في الوقت الذي وقتنا له { وكلمه ربه } فلما سمع كلام الله { قال رب أرني } نفسك { أنظر إليك } والمعنى إني قد سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك { قال لن تراني } في الدنيا { ولكن } أجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك وهو الجبل { فإن استقر مكانه } أي سكن وثبت { فسوف تراني } وإن لم يستقر مكانه فإنك لا تطيق رؤيتي كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي { فلما تجلى ربه } أي ظهر وبان { جعله دكا } أي مدقوقا مع الأرض كسرا ترابا { وخر } وسقط { موسى صعقا } مغشيا عليه فلما أفاق قال سبحانك تنزيها لك من السوء { تبت إليك } من مسألتي الرؤية في الدنيا { وأنا أول المؤمنين } أول قومي إيمانا
ولما ذكر سبحانه مواعدته واحتياطه في إصلاح قومه ، شرح أمره حال المواعدة وحالهم بعد غيبته عنهم فقال : { ولما جاء موسى لميقاتنا } أي{[33343]} عند أول الوقت الذي قدرناه للمناجاة{[33344]} ؛ ولما كان مقام الجلال مهولاً لا يستطاع وعي الكلام معه ، التفت إلى مقام الإكرام فقال{[33345]} : { وكلمه } أي{[33346]} من غير واسطة { ربه } أي المحسن إليه بأنواع الإحسان المتفضل على قومه بأنواع الامتنان ، والذي سمعه موسى عليه السلام عند أهل السنة من الأشاعرة{[33347]} هو الصفة الأزلية من غير صوت ولا حرف ، ولا بعد في ذلك كما لا بعد في رؤية ذاته سبحانه وهي ليست بجسم و{[33348]}لا عرض لا جوهر{[33349]} ، وليس كمثله شيء ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سبحانه كلمه في جميع الميقات وكتب له الألواح ، وقيل : إنما كلمه في أول الأربعين ، والأول أولى .
ولما كلمه بصفة الربوبية الناظر إلى العطف واللطف ، وكانت الرؤية جائزة ، اشتاق إلى الرؤية شوقاً لم يتمالك معه لما استحلاه من لذاذة{[33350]} الخطاب فسألها لعلمه أنها جائزة { قال } مسقطاً الأداة كعادة أهل القرب{[33351]} - { رب أرني } أي ذاتك الأقدس{[33352]} بأن ترفع عني الحجاب فتجعلني متمكناً من النظر ، وهو معنى قول الحبر ابن عباس : أعطني وحقق أنها رؤية العين بقوله في جواب الأمر{[33353]} - { أنظر } أي أصوب تحديق العين{[33354]} وأشار إلى عظمته سبحانه وعلو شأنه علو العظمة لا المسافة{[33355]} - بالتعدية بحرف النهاية بعد أن أشار بحذف أداة النداء إلى غاية القرب بالإحسان - فقال{[33356]} : { إليك } أي فأراك .
ولما كان سبحانه قد قضى أنه عليه السلام لا يراه في الدنيا { قال } نافياً المقصود ، وهو الرؤية لا مقدمتها ، وهو النظر الذي هو التحديق بالعين { لن تراني } ودل سبحانه بهذه العبارة على جواز رؤيته حيث لو يقل : لن أرى ، أو لن يراني أحد ؛ ثم زاد ذلك بياناً بتعليقه بممكن فقال : { ولكن انظر إلى الجبل } إشارة جبل بعهده ، وهو أعظم جبل هناك ، وزاد في الإشارة إلى إمكان الرؤية بالتعبير بأداة الشك وإتباعها بأمر ممكن فقال{[33357]} - : { فإن استقر مكانه } أي وجد قراره وجوداً تاماً ، وأشار إلى بعد الرؤية أيضاً وجلالة المطلوب منها بقوله : { فسوف تراني } أي بوعد لا خلف فيه { فلما تجلى ربه } أي المحسن إليه{[33358]} بكل عطاء ومنع وبين بتعبيره باللام أنه تجلى قربه وخصوصيته ، ولو عبر بعلى مثلاً لكان أمر آخر فقال{[33359]} - : { للجبل } أي بأن كشف للجبل عما شاء من حجب عظمته { جعله دكاً } أي مدكوكاً ، والدك والدق أخوان { وخر } أي وقع { موسى صعقاً } أي مغشياً عليه مع صوت هائل ، فعلم أن معنى الاستدراك أنك لن تثبت لرؤيتي في هذه الدار ولا تعرف ذلك الآن ، ولكنك تعرفه بمثال أريكه وهو الجبل ، فإن الفاني - كما نقل عن الإمام مالك - لا ينبغي له أن يرى الباقي{[33360]} - { فلما أفاق } أي من غشيته { قال سبحانك } أي تنزيهاً لك عن أن أطلب منك ما لم تأذن فيه { تبت إليك } أي من ذلك { وأنا أول المؤمنين* } أي مبادر غاية المبادرة إلى الإيمان بكل ما{[33361]} أخبرت به كل ما تضمنته هذه الآيات ، فتعبيره بالإيمان في غاية المناسبة لعدم الرؤية لأن شرط الإيمان أن يكون بالغيب ، فقد ورد في نبينا صلى الله عليه وسلم آيتان : إحداهما يمكن أن تشير إلى الرؤية بالتعبير بالمسلمين دون المؤمنين في قوله{ وأنا أول المسلمين }{[33362]} والثانية تومئ إلى عدمها وهي { آمن الرسول } إلى قوله :{ كل آمن بالله }{[33363]} - والله أعلم{[33364]} - ، وكل هذا تبكيت على قومه وتبكيت لهم في عبادتهم العجل وردع لهم عن{[33365]} ذلك ، وتنبيه لهم على أن الإلهية مقرونة بالعظمة والكبر بعيدة جداً عن ذوي الأجسام لما يعلم سبحانه من أنهم سيكررون عبادة الأصنام ، فأثبت للإله الحق الكلام{[33366]} والتردي عن الرؤية بحجاب الكبر والعظمة واندكاك الجبل عند تجليه ونصب الشرع الهادي إلى أقوم سبيل تعريضاً بالعجل ، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى : { ألم يروا أنه لا يكلمهم } الآية .
قوله تعالى : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } .
لما جاء موسى –عليه السلام- في الوقت الموعود للقاء ربه وتكليمه فناجاه الله وكلمه ، أحب أن يرى ربه فسأله أن يراه . فأجابه ربه { لن تراني } لأنك لن تطيق أن تراني ؛ ذلك أن موسى بشر قد جبل على طبع البشر من حيث محدودية العزم والقدرة والطاقة بالغرم من كونه نبيا ورسولا أوتي من ربه العصمة ؛ فهو بطبيعته البشرية وطاقته البدنية والإنسانية لا يملك أن يرى الله جهرة . ولئن رآه لسوف ينفي ويتبدد ! فهذا الجبال الشامخات ، وتلك الأجرام الكونية الضخام لو ظهر لها الله بجلاله وعليائه وسطوع نوره ؛ فإنها سوف تنماع أو تسيخ أو تزول البته ! فكيف بالإنسان ، ضعيف البنية والاقتدار والاحتمال ، لا جرم أنه أعظم ضعفا وأشد أن لا يتماسك أمام جبروت الله إذا تجلى له ظاهرا .
وقوله : { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } ، { استقر } ، أي ثبت وسكن . ويضرب الله لموسى مثالا من الجبل وهو أعظم وأثبت من نبيه الإنسان ؛ أي إنك يا موسى لن تطيق رؤيتي أو النظر إلي ؛ لبساطة احتمالك واقتدارك وضعف بنتك وبدنك ، لكن انظر إلى هذا الجبل ، فإن ثبت أو سكن مكانه من غير اضطراب أو زعزعة أو تزلزل فسوف تزاني . وذلك برهان من الله مشهود ؛ ليتحقق لموسى أنه لن يستطيع أن ينظر إلى الله ، بدليل اندكاك الجبل لما تجلى له ربه وهو قوله سبحانه :
{ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا } تجلى ، أي ظهر . أي لما ظهر الله للجبل ، وقيل : ظهر له اقتداره وأمره { جعله دكا } دكا منصوب من وجهين ، أحدهما : أن يكون منصوبا على المصدر ، من : دككت الأرض دكا ، إذا جعلتها مستوية .
وثانيهما : أن يكون منصوبا على المفعول وفيه حذف لمضاف ، وتقديره : فجعله ذا دك ؛ أي ذا استواء{[1517]} ، ودكا ، من الدك وهو الدق . وقد دكه ، إذا ضربه وكشره حتى سواه بالأرض . والدكداك من الرمل : ما التبد منه بالأرض ولم يرتفع{[1518]} .
وقيل : ساخ الجبل في الأرض . وقيل : تفرقت أجزاؤه وتناثرت حتى صار مستويا بالأرض .
والمعنى المراد ، أنه ما إن عاين موسى اندكاك الجبل حتى هاله المشهد ترويعا فلم يحتمل مثل هذه المعانية الهائلة التي لا يقوى على رؤيتها كائن ؛ لفرط هولها الذي يفوق الحس والتصور ويعلو على الكائنات في مبلغ قدراتها وطاقتاها . وبذلك { خر موسى صعقا } أي سقط مغشيا عليه . وقيل : مات ثم بعثه الله ؛ وذلك لهول ما أحس وفظاعة ما رأى .
قوله : { فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } يعني لما ثاب إلى موسى وعيه مما غشيه من الرهب والصعق قال مخاطبا ربه : { سبحانك ثبت إليك } يعني أنزهك يا رب تنزيها يليق بكمالك وجلالك وعظيم سلطانك أن يراك مخلوق في هذه الدنيا ويقوي بعد ذلك على الثبات أو التماسك . وقد ثبت إليك يا رب عما سألتك إياه من رؤيتك { وأنا أول المؤمنين } أي المؤمنين بك من قومي . وقيل : من بني إسرائيل في هذا الزمان . أو أول من آمن بك أنه لن يراك أحد قبل يوم القيامة{[1519]} .