الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ} (35)

{ يوم يحمى عليها } يوم تدخل كنوزهم النار حتى تحمى وتشتد حرارتها { فتكوى بها } أي فتلصق بجباههم وجنوبهم وظهورهم حتى يلتقي الحر في أجوافهم ويقال لهم هذا الذي تكوون به ما جمعتم لأنفسكم وبخلتم به عن حق الله { فذوقوا } العذاب ب { ما كنتم تكنزون }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ} (35)

ولما كان السياق دالاًّ دلالة واضحة على أن{[36122]} هذا العذاب يحصل لهم ويقع بهم ، فنصب بذلك قوله : { يوم يحمى } أي يحصل الإحماء وهو الإيقاد الشديد { عليها } أي الأموال التي جمعوها { في نار جهنم } أي{[36123]} التي لا يقاربها{[36124]} ناركم ، وتلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى بذلك الفقراء وغيرهم من أهل الله لا سيما من منعه ما يجب له من النفقة { فتكوى بها } أي بهذه الأموال { جباههم } التي هي أشرف أعضائهم لأنها مجمع الوجوه والرؤوس وموضع الجاه الذي يجمع المال لأجله لتعبيسهم{[36125]} بها في وجوه الفقراء { وجنوبهم } التي يحوونه{[36126]} لملئها بالمآكل{[36127]} المشتهاة والمشارب المستلذة ولازورارهم بها عن الفقراء { وظهورهم } التي يحوونه{[36128]} لتقويتها وتحميلها بالملابس وتجليتها ولتوليتهم{[36129]} إياها إذا اجتمعوا مع الفقراء في مكان . ثم يقال لهم : { هذا ما كنزتم } وأشار إلى الحامل على الجمع المنافي للعقل{[36130]} بقوله : { لأنفسكم } أي لتنافسوا به وتلتذوا{[36131]} فلم تنفقوه فيما أمر الله { فذوقوا ما } أي وبال وعذاب ما{[36132]} { كنتم تكنزون* } أي تجددون{[36133]} جمعه على سبيل الاستمرار حريصين عليه ، وأشار بفعل الكون إلى أنهم مجبولون على ذلك ؛ روى البخاري في التفسير عن زيد بن وهب قال : مررت على أبي ذر رضي الله عنه بالربذة قلت : ما أنزلك بهذه الأرض{[36134]} قال : كنا بالشام فقرأت { والذين يكنزون الذهب والفضة } - الآية ، قال معاوية : ماهذه فينا ، ما هذه إلا في أهل الكتاب ! قلت : إنها لفينا وفيهم ؛ وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهراً للأموال ، يعني فما أعطى صاحبه ما وجب عليه فيه فليس بكنز .


[36122]:سقط من ظ.
[36123]:سقط من ظ.
[36124]:في ظ: لا تقاربها.
[36125]:من ظ، وفي الأصل: لتعبيتهم، وزيدت الواو قبله في الأصل، ولم تكن في ظفحذفناها.
[36126]:من ظ، وفي الأصل: تجرونه ـ كذا.
[36127]:في ظ: بالأكل.
[36128]:من ظ، وفي الأصل: تحوونه.
[36129]:من ظ، وفي الأصل: تسويتهم.
[36130]:من ظ، وفي الأصل: للفعل.
[36131]:في ظ: تلذذوا.
[36132]:زيد من ظ.
[36133]:في ظ: تجدون.
[36134]:زيد من الصحيح.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ} (35)

{ يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } { يوم } ، منصوب بمحذوف يدل عليه قوله : { بعذاب } أي يعبدون يوم يحمي عليها . أو منصوب بفعل تقديره : واذكر يوم يحمى{[1772]} . والمعنى : أن ما أكتنزه المالكون من أموال لم تؤد زكاتها سوف توقد عليها نار الحامية ، والشديدة الحرارة . وقد جعل الإحماء للنار مبالغة في التنكيل والتحريق ؛ لأن النار في نفسها حامية ، فإذا وصفت بأنها تحمى ؛ دل ذلك على شدة توقدها وفظاعة اشتعالها وتحريفها . والمراد أن النار تحمى على المال المكنوز ليصير حاميا بالغ الحرارة ، ثم تكوى بها بعد ذلك جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم . وقد خصت هذه المسميات بالذكر ؛ لأن غرض الكانزين هم كنزهم وجمعهم المال أن يكونوا عند الناس ذوي وجاهة وإطراء فينزعون بذلك إعجاب الناس وتكريمهم لهم ، فضلا عن ظواهر الرغد والتنعيم بالشهي من المطعوم وفاخر الملبوس . ومن أجل ذلك يكتوون على الأعضاء التي كانت تبرز فيهم لدى المفاخرة والاختيال ، وعند طلب الوجهة وحسن الصيت ، وهي الجباه . ثم جنوبهم وظهورهم التي كانت محلفة بالسمن لفرط الأكل والترف والتنعم بطيبات الحطام الفاني . لا جرم أن الكي على هذه المواضع أشنع وأوجع وأخزى ؛ فهي مواضع التعبير عن الغرور الذي هوى فيه هؤلاء اللئام الأشحة ، أو البطر الذي غشيهم فأنساهم حق الفقراء والمساكين والمعوزين فيما كنزوه .

قوله : { فذوقوا ما كنتم تكنزون } ما ، مصدرية ح أي ذوقوا وبال كنزكم . وقيل : موصولة ؛ أي ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه . ويقال لهم ذلك على سبيل التقريع والتهكم وزيادة في التنكيل الأليم كقوله : { ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم 38 ذق إنك أنت العزيز الكريم } فهذا هو الذي كنتم تكنزونه لأنفسكم فذوقوا كيه ومس لظاه . وفي الصحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله ، إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة ، حتى يقضي بين العباد ، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة ، وإما إلى النار ) {[1773]} .


[1772]:الدر المصون جـ 6 ص 43.
[1773]:روح المعاني جـ 5 ص 89 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 350- 352.