{ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } قال عبد الله بن مسعود : هي النطفة تخرج من الرجل ميتة وهو حي ، ويخرج الرجل منها حيا وهي ميتة ، وقال عكرمة : هي إخراج الدجاجة من البيضة ، والبيضة من الدجاجة ، وقيل : يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر ، فالحياة والموت على هذا استعارة ، وفي ذكر الحي من الميت المطابقة ، وهي من أدوات البيان ، وفيه أيضا القلب لأنه قدم الحي على الميت ، ثم عكس
{[16033]}فلما ثبتت{[16034]} خصوصيته سبحانه وتعالى بصفة القدرة على الوجه الأعم ذكر بعض ما تحت ذلك مما لم يدخل شيء منه تحت قدرة غيره فقال : - وقال الحرالي : ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم القائم الآدمي اتصل بها{[16035]} ذكر تقلبات في العالم الدائر ليؤخذ لكل منها اعتبار من الآخر . ولما ظهر في هذه الآية افتراق في النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال أبدى{[16036]} في الآية التالية{[16037]} توالج بعضها في بعض ليؤذن بولوج العز في الذل والذل في العز ، والإيتاء في النزع والنزع في الإيتاء ، وتوالج المفترقات{[16038]} والمتقابلات بعضها في بعض ، ولما كانت هذه السورة{[16039]} متضمنة لبيان الإحكام والتشابه{[16040]} في منزل الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى في آياتها ما أحكم وبين في خلقه وأمره{[16041]} وما التبس وأولج في خلقه وأمره ، فكان من محكم آية في الكائن القائم الآدمي ما تضمنه{[16042]} إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال ، وكان من الاشتباه إيلاج العز في الذل وإيلاج الذل في العز ، فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين في الكائن القائم{[16043]} الآدمي ، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل صرح به في آية الكون الدائر ، فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما يعاين فيها من التوالج حيث ظهر ذلك فيها وخفي في توالج أحوال الكائن القائم ، لأن الإحكام والاشتباه متراد بين الآيتين : آية الكائن القائم الآدمي وآية الكون الدائر العرشي ، فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر{[16044]} فقال سبحانه وتعالى : { تولج } من الولوج ، وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الداخل { الَّيل في النهار } فيه تفصيل من مضاء قدرته ، فهو سبحانه وتعالى يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة للآخر والجاً فيه على وجه لا يصل إليه{[16045]} منال{[16046]} العقول{[16047]} لما في المعقول{[16048]} من افتراق المتقابلات ، فكان في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في بعض وإيداع بعضها في بعض على وجه لا{[16049]} يتكيف بمعقول{[16050]} ولا ينال بفكر - انتهى .
{ وتولج النهار في اللَّيل } أي تدخل{[16051]} كلاً منهما في الآخر بعد ظهوره حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى له أثر . قال الحرالي : ولما جعل المتعاقبين من{[16052]} الليل والنهار متوالجين جعل المتباطنين من الحي والميت مخرجين ، فما{[16053]} ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة ، وما ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت ؛ انتهى .
فقال سبحانه وتعالى : { وتخرج الحي } أي من النبات والحيوان { من الميت } منهما{[16054]} { وتخرج الميت } منهما{[16055]} { من الحي } منهما كذلك .
قال الحرالي : فهذه سنة الله سبحانه وتعالى وحكمته في الكائن القائم وفي الكون الدائر ، فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر{[16056]} والنجم من موات{[16057]} البذر{[16058]} والعجم ، وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما{[16059]} يقع في الكائن القائم ، كذلك{[16060]} الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه{[16061]} }[ التوبة : 14 ] ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم{ يا نوح إنه ليس من أهلك{[16062]} }[ هود : 46 ] أظهر سبحانه وتعالى بذلك وجوه{[16063]} الإحكام والاشتباه في آيتي خلقه ليكون ذلك آية على ما في أمره ، وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه وقدرته على من{[16064]} شاء من عباده كما أظهر في ملائكته وأنيبائه ، وكما خصص بما شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين{[16065]} : مثل آدم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من التبس{[16066]} عليه أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، فهو تعالى أظهر من موات الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه ، وأظهر في آدم عليه الصلاة والسلام ما شاء من علمه حين علم آدم الأسماء كلها ، كذلك{[16067]} أظهر في عيسى عليه الصلاة والسلام ما شاء من قدرته كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه ، فملك من شاء ونزع الملك ممن{[16068]} شاء ، وأعز من شاء وأذل من شاء ، وأظهر بالنهار ما شاء وطمس{[16069]} بالليل ما شاء ، وأولج المتقابلين بعضهما في بعض وأخرج المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى .
ولما بدأ الآية سبحانه وتعالى مما يقتضي الترغيب بما هو محط{[16070]} أحوال الأنفس من الملك وأنواع الخير ختمها بمثل ذلك مما لا يقوم الملك ولا يطيب العيش إلا به فقال{[16071]} : { وترزق من تشاء } قوياً كان أو ضعيفاً { بغير حساب * } أي تعطيه عطاء واسعاً جداً متصلاً من غير تضييق ولا عسر ، كما فعل بأول هذه الأمة على ما كانوا فيه من القلة والضعف حيث أباد بهم{[16072]} الأكاسرة والقياصرة{[16073]} وآتاهم{[16074]} كنوزهم وأخدمهم{[16075]} أبناءهم وأحلهم ديارهم . وقال الحرالي : ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا{[16076]} الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق أهل شرف الملك وأهل عزة{[16077]} الدين ختم الخطاب بأمر الرزق {[16078]} الذي هو تتمة الخلق ، وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع ولما فيه من الوزن والإيتاء بقدر ختم بأعزيه{[16079]} وهو الإرزاق الذي لا يقع{[16080]} على وزن ولا يكون بحساب ، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم المحمدي للذين يؤتيهم الله سبحانه وتعالى ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب ، فكما ختم الملك لبني إسرائيل بملك سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله سبحانه وتعالى{ هذا عطاؤنا{[16081]} فامنن أو أمسك بغير حساب{[16082]} }[ ص : 39 ] كذلك{[16083]} يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب حين تلقي الأرض بركاتها{[16084]} وتتطهر من فتنتها ، فتقع المكنة{[16085]} في ختم اليوم المحمدي بالهداية والهدنة{[16086]} كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى .