{ الذين ينقضون } يهدمون ويفسدون { عهد الله } وصيته وأمره في الكتب المتقدمة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { من بعد ميثاقه } من بعد توكيده عليهم بايجابه ذلك { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } يعني الرحم وذلك أن قريشا قطعوا رحم النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاداة معه { ويفسدون في الأرض } بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ص { أولئك هم الخاسرون } مغبونون بفوت المثوبة والمصير إلى العقوبة
الأول : قوله تعالى : " الذين " ( الذين ) في موضع نصب على النعت للفاسقين ، وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف ، أي هم الذين . وقد تقدم{[384]} .
الثانية : قوله تعالى : " ينقضون " النقض : إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد . والنُّقَاضَة : ما نقض من حبل الشعر . والمناقضة في القول : أن تتكلم بما تناقض معناه . والنقيضة في الشعر : ما ينقض به . والنِّقْض : المنقوض . واختلف الناس في تعيين هذا العهد ، فقيل : هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره . وقيل : هو وصية الله تعالى إلى خلقه ، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله ، ونقضهم ذلك ترك العمل به . وقيل : بل نصب الأدلة على وحدانيته بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد ، ونقضهم ترك النظر في ذلك . وقيل : هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره . فالآية على هذا في أهل الكتاب . قال أبو إسحاق الزجاج : عهده جل وعز ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم . ودليل ذلك : " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين{[385]} " [ آل عمران : 81 ] إلى قوله تعالى : " وأخذتم على ذلكم إصري " [ آل عمران : 81 ] أي عهدي .
قلت : وظاهر ما قبل وما بعد يدل على أنها في الكفار . فهذه خمسة أقوال ، والقول الثاني يجمعها .
الثالثة : قوله تعالى : " من بعد ميثاقه " الميثاق : العهد المؤكد باليمين ، مفعال من الوثاقة والمعاهدة ، وهي الشدة في العقد والربط ونحوه . والجمع المواثيق على الأصل ، لأن أصل ميثاق موثاق ، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها - والمياثق والمياثيق أيضا ، وأنشد ابن الأعرابي :
حمىً لا يُحِلُّ الدهر إلا بإذننا *** ولا نسأل الأقوام عهد الميَاثِق{[386]}
والموثق : الميثاق . والمواثقة : المعاهدة ، ومنه قوله تعالى : " وميثاقه الذي واثقكم به " .
الرابعة : قوله تعالى : " ويقطعون " القطع معروف ، والمصدر - في الرحم - القطيعة ، يقال : قطع رحمه قطيعة فهو رجل قطَع وقطعة ، مثال همزة . وقطعت الحبل قطعا . وقطعت النهر قطوعا . وقطعت الطير قُطوعا وقُطاعا وقِطاعا إذا خرجت من بلد إلى بلد . وأصاب الناس قطعة : إذا قلت مياههم . ورجل به قطع : أي انبهار{[387]} .
الرابعة : قوله تعالى : " ما أمر الله به أن يوصل " " ما " في موضع نصب ب " يقطعون " . و " أن " إن شئت كانت بدلا من " ما " وإن شئت من الهاء في " به " وهو أحسن . ويجوز أن يكون لئلا يوصل ، أي كراهة أن يوصل . واختلف ما الشيء الذي أمر بوصله ؟ فقيل : صلة الأرحام . وقيل : أمر أن يوصل القول بالعمل ، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا . وقيل : أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه ، فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم . وقيل : الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض ، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده . فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل . هذا قول الجمهور ، والرحم جزء من هذا .
السادسة : قوله تعالى : " ويفسدون في الأرض " أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون في الأفعال ، إذ هي بحسب شهواتهم ، وهذا غاية الفساد .
" أولئك هم الخاسرون " ابتداء وخبر . و " هم " زائدة ، ويجوز أن تكون " هم " ابتداء ثان ، " الخاسرون " خبره ، والثاني وخبره خبر الأول كما تقدم{[388]} . والخاسر : الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز . والخسران : النقصان ، كان في ميزان أو غيره ، قال جرير :
إن سليطًا في الخَسَارِ إنه *** أولاد قوم خلقوا أقِنّهْ{[389]}
يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم . قال الجوهري : وخسرت الشيء ( بالفتح ) وأخسرته نقصته . والخسار والخسارة والخيسرى : الضلال والهلاك . فقيل للهالك : خاسر ، لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة .
السابعة : في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره ، لذم الله تعالى من نقض عهده . وقد قال : " أوفوا بالعقود{[390]} " [ المائدة : 1 ] وقد قال لنبيه عليه السلام : " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء " [ الأنفال : 58 ] فنهاه عن الغدر وذلك لا يكون إلا بنقض العهد على ما يأتي بيانه في موضعه{[391]} إن شاء الله تعالى .
قوله : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ( الذين اسم موصول نعت للفاسقين ، والنقض معناه الهدم والإبطال ، والميثاق هو العهد وجمعه مواثيق ومنه الوثاق ويعني القيد أو الحبل ونحو ذلك ، فهؤلاء الفاسقون يهدمون عهدهم عهدهم مع الله من بعد إحكامه وتثبيته ، قيل : إنهم أهل الكتاب فقد كانوا مكلفين تكليفا ربانيا من خلال كتبهم المنزلة عليهم أن يؤمنوا بمحمد النبي صلى الله عليه وسلم حال مجيئه وقد ألقوا ذلك مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، كانوا قد عاهدوا الله على ذلك من قبل ، وألزموا أنفسهم بالإيمان بهذا النبي إذا بعث ، لكنهم كذبوه وناصبوه الحرب والعداء فخالفوا بذلك عن أمر ربهم وأخلفوا موعدهم الذي قطعوه على أنفسهم .
وثمة قول ثان وهو أن الآية تشمل جميع الكافرين من مشركين وأهل كتاب أو غيرهم الذين كلفوا بالطاعة فعصوا ، مثلما كلفوا بمجانبة المعاصي ومحارم الله ، ثم أتوا ذلك كله فهؤلاء جميعا قد نقضوا عهدهم مع الله بعد أن كان هذا العهد متوثقا ، قوله : ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ( خير ما قيل في ذلك من تفسير : أن هؤلاء الفاسقين الناقضين لعهدهم مع الله لم يأتمروا بأوامر الله التي تحل الحلال وتحرم الحرام ، وذلك ما أمر الله به أن يوصل ، وقيل أيضا : إن المقصود بقطع ما أمر الله به أن يوصل هي الأرحام ، فقد قطعها هؤلاء ولم يصلوها ، والراجح القول الأول ، فهو أشد ملاءمة للسياق والمعنى ، فإنه من البعيد أن يطلب من الفاسقين الخارجين عن دين الله أن يصلوا الأرحام ، وهذه مسألة فرعية- مع أنهم يكذبون بالدين ويجحدون نبوة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام .
قوله : ( ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ( الإفساد في الأرض يشمل كل ألوان المعصية والإثم ، وكل ما يقارفه العصاة من مخالفات عن أمر الله بما يتضمن الشرك وهو غاية الإفساد في الأرض ، وغير ذلك من وجوه التمرد على شريعة الله ، ولا جرم أن هؤلاء هم الخاسرون ، وذلك من الخسارة وهي تعني الهلاك أو النقص ، أما الهلاك : فإنه محيط بهؤلاء الذين يجنحون للمحظورات والخطايا ، فإنهم آيلون إلى السقوط في عذاب الله ، وأما النقص : فإنهم ناقصوا الحظ والمنزلة بما يسوقهم في النهاية إلى التدمير في هذه الدنيا ثم إلى السعير في الآخرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.