ثم أخبر عن أخذ الميثاق عليهم بتبيين نعت محمد صلى الله عليه وسلم فقال { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل } أي في التوراة { لا تعبدون } أي : بأن لا تعبدوا { إلا الله وبالوالدين إحسانا } أي : ووصيناهم بالوالدين إحسانا { وذي القربى } أي : القرابة في الرحم { واليتامى } يعني الذين مات أبوهم قبل البلوغ { وقولوا للناس حسنا } أي : صدقا وحقا في شأن محمد عليه السلام وهو خطاب لليهود { توليتم } أعرضتم عن العهد والميثاق يعني أوائلهم { إلا قليلا منكم } يعني : من كان ثابتا على دينه ثم آمن بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) { وأنتم معرضون } عما عهد إليكم كأوائلكم
الأولى : قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل } تقدم الكلام في بيان هذه الألفاظ{[925]} . واختلف في الميثاق هنا ، فقال مكي : هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر . وقيل : هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم .
الثانية : قوله تعالى : { لا تعبدون إلا الله } وعبادة الله إثبات توحيده ، وتصديق رسله ، والعمل بما أنزل في كتبه . " لا تعبدون " قال سيبويه : " لا تعبدون " متعلق بقسم ، والمعنى وإذ استخلفناهم والله لا تعبدون ، وأجازه المبرد والكسائي والفراء . وقرأ أبي وابن مسعود " لا تعبدوا " على النهي ، ولهذا وصل الكلام بالأمر فقال : " وقوموا ، وقولوا ، وأقيموا ، وآتوا " . وقيل : هو في موضع الحال ، أي أخذنا ميثاقهم موحدين ، أو غير معاندين ، قاله قطرب والمبرد أيضا . وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي " يعبدون " بالياء من أسفل . وقال الفراء والزجاج وجماعة : المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله ، وبأن يحسنوا للوالدين ، وبألا يسفكوا الدماء ، ثم حذفت أن والباء فارتفع الفعل لزوالهما ، كقوله تعالى : { أفغير الله تأمروني{[926]} } . قال المبرد : هذا خطأ ، لأن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا ، تقول : وبلد قطعت ، أي رب بلد .
قلت : ليس هذا بخطأ ، بل هما وجهان صحيحان وعليهما أنشد سيبويه :
ألا أيها ذا الزاجريُّ أحْضرَ الوغى *** وأن أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي{[927]}
بالنصب والرفع ، فالنصب على إضمار أن ، والرفع على حذفها .
الثالثة : قوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } أي وأمرناهم بالوالدين إحسانا . وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد ؛ لأن النشأة الأولى من عند الله ، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين ، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال :{ أن اشكر لي ولوالديك
{[928]} } [ لقمان : 14 ] . والإحسان إلى الوالدين : معاشرتهما بالمعروف ، والتواضع لهما ، وامتثال أمرهما ، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما ، وصلة أهل ودهما ، على ما يأتي بيانه مفصلا في " الإسراء{[929]} " إن شاء الله تعالى .
الرابعة : قوله تعالى : { وذي القربى } عطف ذي القربى على الوالدين . والقربى : بمعنى القرابة ، وهو مصدر كالرجعى والعقبى ، أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم . وسيأتي بيان هذا مفصلا في سورة " القتال{[930]} " إن شاء الله تعالى .
الخامسة : قوله تعالى : { واليتامى } اليتامى عطف أيضا ، وهو جمع يتيم ، مثل ندمى جمع نديم . واليتم في بني آدم بفقد الأب ، وفي البهائم بفقد الأم . وحكى الماوردي أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم ، والأول المعروف . وأصله الانفراد ، يقال : صبي يتيم ، أي منفرد من أبيه . وبيت يتيم : أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشعر . ودرة يتيمة : ليس لها نظير . وقيل : أصله الإبطاء ، فسمي به اليتيم ؛ لأن البر يبطئ عنه . ويقال : يتم ييتم يتما ، مثل عظم يعظم . ويتم ييتم يتْما ويتَما ، مثل سمع يسمع ، ذكر الوجهين الفراء . وقد أيتمه الله . ويدل هذا على الرأفة باليتيم والحض على كفالته وحفظ ماله ، على ما يأتي بيانه في " النساء{[931]} " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة " . وأشار مالك{[932]} بالسبابة والوسطى ، رواه أبو هريرة وأخرجه مسلم . وخرج الإمام الحافظ أبو محمد عبدالغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد البصري وهو الحسن بن واصل{[933]} قال حدثنا الأسود بن عبدالرحمن عن هِصّان{[934]} عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان " . وخرج أيضا من حديث حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي{[935]} عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ضم يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ومن أذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه - قالوا : وما كريمتاه ؟ قال : - عيناه ومن كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات ، فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يَبِنَّ{[936]} أو يمتن غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر " فناداه رجل من الأعراب ممن هاجر فقال : يا رسول الله أو اثنتين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أو اثنتين ) . فكان ابن عباس إذا حدث بهذا الحديث قال : هذا والله من غرائب الحديث وغرره .
السادسة : السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام ، وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة ، لأنهم كانوا يسبون بها ، فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة ؛ لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد . وتسمى أيضا بالسباحة ، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره ، ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت . وروي عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى ، ثم الوسطى أقصر منها ، ثم البنصر أقصر من الوسطى . روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا عبدالله بن مقسم الطائفي قال حدثتني عمتي سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم قالت : خرجت في حجة حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وسأله أبي عن أشياء ، فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه . فقوله عليه السلام :
( أنا وهو كهاتين في الجنة ) ، وقوله في الحديث الآخر : " أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا " وأشار بأصابعه الثلاث ، فإنما أراد ذكر المنازل والإشراف على الخلق فقال : نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة . فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى حمل تأويل الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض في محل القربة . وهذا معنى بعيد ؛ لأن منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة ، ومنازل مختلفة .
السابعة : قوله تعالى : { والمساكين } " المساكين " عطف أيضا أي وأمرناهم بالإحسان إلى المساكين ، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم . وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمؤاساة وتفقد أحوال المساكين والضعفاء . روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال - وكالقائم لا يفتر{[937]} وكالصائم لا يفطر " . قال ابن المنذر : وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله .
الثامنة : قوله تعالى : { وقولوا للناس حسنا " " حسنا " نصب على المصدر على المعنى ، لأن المعنى ليحسن قولكم . وقيل : التقدير وقولوا للناس قولا ذا حسن ، فهو مصدر لا على المعنى . وقرأ حمزة والكسائي " حسنا " بفتح الحاء والسين . قال الأخفش : هما بمعنى واحد ، مثل البُخل والبَخل ، والرشد والرشد . وحكى الأخفش : " حسنى " بغير تنوين على فعلى . قال النحاس : " وهذا لا يجوز في العربية ، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام ، نحو الفضلى والكبرى والحسنى ، هذا قول سيبويه وقرأ عيسى بن عمر " حسنا " بضمتين ، مثل " الحلم " . قال ابن عباس : المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها . ابن جريج : قولوا للناس صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا تغيروا نعته . سفيان الثوري : مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر . أبو العالية : قولوا لهم الطيب من القول ، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به . وهذا كله حض على مكارم الأخلاق ، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر ، والسني والمبتدع ، من غير مداهنة ، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه ؛ لأن الله تعالى قال لموسى وهارون : { فقولا له قولا لينا{[938]} } [ طه : 44 ] . فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون ، والفاجر ليس بأخبث من فرعون ، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه . وقال طلحة بن عمر : قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة ، وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ ، فقال : لا تفعل ! يقول الله تعالى : " وقولوا للناس حسنا " . فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي{[939]} ؟ ؟ . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة : " لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء " . وقيل : أراد بالناس محمدا صلى الله عليه وسلم ، كقوله : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله{[940]} } [ النساء : 54 ] . فكأنه قال : قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم حسنا . وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله : { وقولوا للناس حسنا } منسوخ بآية السيف . وحكاه أبو نصر عبدالرحيم{[941]} عن ابن عباس . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف . قال ابن عطية : وهذا يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام ، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه ، والله أعلم .
التاسعة : قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } تقدم{[942]} القول فيه . والخطاب لبني إسرائيل . قال ابن عطية : وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يتقبل ، ولا تنزل على ما لم يتقبل ، ولم تكن كزكاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم . قلت : وهذا يحتاج إلى نقل ، كما ثبت ذلك في الغنائم . وقد روي عن ابن عباس أنه قال : الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص .
العاشرة : قوله تعالى : { ثم توليتم } الخطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم ، وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق مثلهم ، كما قال : " شنشنة{[943]} أعرفها من أخزم " . { إلا قليلا منكم } كعبد الله بن سلام وأصحابه . و{ قليلا } نصب على الاستثناء ، والمستثنى عند سيبويه منصوب ، لأنه مشبه بالمفعول . وقال محمد بن يزيد : هو مفعول على الحقيقة ، المعنى استثنيت قليلا . { وأنتم معرضون } ابتداء وخبر . والإعراض والتولي بمعنى واحد ، مخالف بينهما في اللفظ . وقيل : التولي فيه بالجسم ، والإعراض بالقلب . قال المهدوي :
قوله تعالى : { وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم وليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون } الميثاق العهد ، جمعه مواثيق وهو من التوثيق أي الثبوت والإحكام{[87]} . والله جلت قدرته يذكر بني إسرائيل بميثاقهم الذي أخذه الله عليهم على ألسن أنبيائهم وهو قوله { لا تعبدون إلا الله } وفي رفع الفعل ثلاثة أوجه : أولها : أن يكون مرفوعا ؛ لأنه جواب لقوله تعالى : { وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل } لأنه في معنى القسم . فكأنه قال استخلفناهم لا يعبدون . كما يقال : حلف فلان لا يقومُ . والثاني : أنه إخبار في معنى النهي . كما تقول تذهب لفلان تقول له هذا تريد الأمر . وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي . والثالث : أن يكون { لا تعبدون } في موضع الحال{[88]} . على أن المقصود التأكيد على حق الله في العبادة الخالصة له سبحانه دون إشراك ، ويحذر من انتكاسة الشرك أشد تحذير ؛ لما في ذلك من إغضاب له سبحانه وهو الإغضاب الذي يهون دونه كل إغضاب ؛ لأن الشرك أكبر الكبائر وأعتى الخطايا .
ثم تعرض الآية ، بعد التأكيد على حق الله في العبادة ، لحقوق العباد من خلال المواثقة التي واثق الله بها بني إسرائيل ، ويأتي في طليعة هذه الحقوق ما أوجبه الله للوالدين من بالغ الطاعة والإكرام ، حتى قرن ذلك بطاعته هو نفسه ، وذلك كقوله : { أن اشكر لي ولوالديك } وقوله : { وبالوالدين إحسانا } وذلك بعد قضائه ألا يعبدوا إلا إياه . و { إحسانا } ، منصوب على المصدر بالفعل المقدر ، وتقديره : وأحسنوا بالوالدين إحسانا .
ثم يوجب الله الحق لذي القربى وهم الذين تربطهم بالمرء وشائج النسب والرحم من إخوة وأخوات وبنين وبنات وأعمام وعمات وأخوال وخالات وبني إخوة وبني أخوات إلى غير هؤلاء من ذوي القرابة ، فهم جميعا أولو قربى تجب صلتهم بإحسان وبر .
وكذلك اليتامى وهو جمع مفردة يتيم من اليتم بضم الياء وفتحها . واليتيم في الناس بفقد الأب ، أما في غير الناس فهو بفقد الأم . وقيل : اليتم في الناس من مات أبوه أو ماتت أمه ، لكن من مات أبواه الاثنان فهو لطيم . والأصل في تسمية اليتيم بذلك ؛ لكونه منقطع النظير . فاليتيم هو كل فرد عز نظيره ، كالدرة اليتيمة سميت بذلك ، لأنها لا نظير لها{[89]} . واليتيم الذي تكون هذه حاله تجب العناية به ، وتحرم الإساءة إليه تحريما شرعيا مغلظا ، فإنه لا يجترئ على الإضرار باليتيم وإلحاق الأذية به إلا من كان ظالما لنفسه أو من أودى بنفسه في جهنم .
وكذلك المساكين ، جمع تكسير مفرده مسكين وهو من السكون أي ذهاب الحركة . سمي المسكين بذلك ؛ لسكونه إلى الناس . واختلفوا في حقيقة حال المسكين وفيها يفرق بينه وبين الفقير . فقد قيل : المسكين الذي لا شيء له بإطلاق ، أما الفقير فهو الذي له بلغة من العيش ، وقد سئل أعرابي : أفقير أنت ؟ فقال : لا والله بل مسكين . وخالف الأصمعي في ذلك فقال : المسكين أحسن حالا من الفقير واستدل على ذلك بقوله تعالى : { أما السفينة فكانت لمساكين } ومعلوم أن السفينة كانت تساوي جملة من المال ، لكنه سبحانه قال في أية أخرى عن الفقراء : { لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } .
وفي قول آخر وهو أن المسكين والفقير كليهما سيان لا فرق بينهما . وقيل : المسكين الذي يكون ذليلا مقهورا حتى ولو كان يملك شيئا ، وذلك يفهم من قوله تعالى في اليهود : { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } {[90]} .
قوله : { وقولوا للناس حسنا } مفعول به منصوب . وقيل : صفة لمصدر محذوف ، وذلك حق آخر جعله الله للناس على بني إسرائيل وهو أن يقولوا لهم القول الكريم الطيب النافع ، بما في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصدق في القول ، والعفو عن الناس ، والتحدث إليهم في تواضع وتودد .
وكذلك من مواثقته لهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وهذان عملان جليلان كبيران يأتيان في مقدمة العبادات جميعا بما يقرب المرء من ربه درجات ، ويدنيه من الجنة فيكون من الفائزين .
ثم يخاطب الله بني إسرائيل الذين خلوا في الأزمنة الغابرة ، وذلك في أشخاص أعقابهم من اليهود الذين كانوا شهودا في فترة النبوة المحمدية ؛ وذلك لأن المتأخرين كانوا مثل أسلافهم من الآباء والأجداد الذي عصوا أمر ربهم ، وشقوا عصا الطاعة على أنبيائهم . فآذوهم وكلفوهم العنت والتضييق فقال سبحانه : { ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون } التولي الإعراض عن دعوة الله في استكبار وجحد . تولوا عن أوامر الله وتعاليمه إلا القلة القليلة منهم . والجملة الاسمية { وأنتم معرضون } في محل نصب حال . أي توليتم عن أمر الله وأنتم في ذلك معرضون ، من الإعراض وهو نفس التولي ، وقيل : الإعراض يكون عن طريق القلب ، لكن التولي يكون بالجسم .