الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنتُمۡ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (85)

ثم أخبر أنهم نقضوا هذا الميثاق فقال { ثم أنتم هؤلاء } أراد يا هؤلاء { تقتلون أنفسكم } يقتل بعضكم بعضا { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم } تتعاونون على أهل ملتكم { بالإثم والعدوان } بالمعصية والظلم { وإن يأتوكم أسارى } مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم

{ وهو محرم عليكم إخراجهم } اي وإخراجهم عن ديارهم محرم عليكم { أفتؤمنون ببعض الكتاب } يعني فداء الأسير { وتكفرون ببعض } يعني القتل والإخراج والمظاهرة على وجه الإباحة قال السدي أخذ الله تعالى عليهم أربعة عهود ترك القتل وترك الاخراج وترك المظاهرة وفداء أسرائهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلأ الفداء { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } فضيحة وهوان { في الحياة الدنيا } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنتُمۡ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (85)

قوله تعالى : { ثم أنتم هؤلاء } ، { أنتم } في موضع رفع بالابتداء ، ولا يعرب ، لأنه مضمر . وضمت التاء من " أنتم " لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا ، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة ، فلما ثنيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة . قوله تعالى : " هؤلاء " قال القتبي : التقدير يا هؤلاء . قال النحاس : هذا خطأ على قول سيبويه ، ولا يجوز هذا أقبل . وقال الزجاج : هؤلاء بمعنى الذين . قوله تعالى : { تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } داخل في الصلة ، أي ثم أنتم الذين تقتلون . وقيل : " هؤلاء " رفع بالابتداء ، و " أنتم " خبر مقدم ، و " تقتلون " حال من أولاء . وقيل : " هؤلاء " نصب بإضمار أعني . وقرأ الزهري " تقتلون " بضم التاء مشددا ، وكذلك { فلم تقتلون أنبياء الله } [ البقرة : 91 ] . وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الأسلاف . نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود ، وكانت بنو قينقاع أعداء قريظة ، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع ، والخزرج حلفاء بني قريظة . والنضير والأوس والخزرج إخوان ، وقريظة والنضير أيضا إخوان ، ثم افترقوا فكانوا يقتتلون ، ثم يرتفع الحرب فيفدون أساراهم ، فعيرهم الله بذلك فقال : { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } .

قوله تعالى : { تظاهرون } معنى " تظاهرون " تتعاونون ، مشتق من الظهر ، لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر ، ومنه قول الشاعر :

تظاهرتم أسْتاه بيت تجَمَّعت{[948]} *** على واحد لا زلتم قِرنَ وَاحِدِ

وقرأ أهل المدينة وأهل مكة " تظاهرون " بالتشديد ، يدغمون التاء في الظاء لقربها منها ، والأصل تتظاهرون . وقرأ الكوفيون " تظاهرون " مخففا ، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها ، وكذا { وإن تظاهرا عليه{[949]} } [ التحريم : 4 ] . وقرأ قتادة " تظهرون عليهم " وكله راجع إلى معنى التعاون ، ومنه : { وكان الكافر على ربه ظهيرا{[950]} } [ الفرقان : 55 ] وقوله : { والملائكة بعد ذلك ظهير }[ التحريم : 4 ] فاعلمه{[951]} . { بالإثم والعدوان } والإثم : الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم . والعدوان : الإفراط في الظلم والتجاوز فيه .

فيه ست مسائل :

الأولى : قوله تعالى : { وإن يأتوكم أسارى } شرط وجوابه : " تفادوهم " و " أسارى " نصب على الحال . قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول : ما صار في أيديهم فهم الأسارى ، وما جاء مستأسرا فهم الأسرى . ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو ، إنما هو كما تقول : سكارى وسكرى . وقراءة الجماعة " أسارى " ما عدا حمزة فإنه قرأ " أسرى " على فعلى ، جمع أسير بمعنى مأسور ، والباب - في تكسيره إذا كان كذلك - فعلى ، كما تقول : قتيل وقتلى ، وجريح وجرحى . قال أبو حاتم : ولا يجوز أسارى . وقال الزجاج : يقال أسارى كما يقال سكارى ، وفَعَالى هو الأصل ، وفُعَالى داخلة عليها . وحكي عن محمد بن يزيد قال : يقال أسير وأسراء ، كظريف وظرفاء . قال ابن فارس : يقال في جمع أسير أسرى وأسارى ، وقرئ بهما . وقيل : أسارى ( بفتح الهمزة ) وليست بالعالية .

الثانية : الأسير مشتق من الإسار ، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا ؛ لأنه يشد وثاقه ، والعرب تقول : قد أسر قتبه ، {[952]}أي شده ، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر ،

وقال الأعشى :وقيدني الشِّعر في بيته *** كما قيد الآسِرَاتُ الحِمارا{[953]}

أي أنا في بيته ، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه . فأما الأسر في قوله عز وجل : " وشددنا أسرهم{[954]} " [ الإنسان : 28 ] فهو الخلق . وأسرة الرجل رهطه ، لأنه يتقوى بهم .

الثالثة : قوله تعالى : { تفادوهم } كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي . والباقون " تفدوهم " من الفداء . والفداء : طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم . قال الجوهري : " الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر ، وإذا فتح فهو مقصور ، يقال : قم فدى لك أبي . ومن العرب من يكسر " فداء " بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة ، فيقول : فداء لك ، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء . وأنشد الأصمعي للنابغة :

مهلاً فداء لك الأقوامُ كلُّهم *** وما أُثَمِّرُ من مال ومن ولد

ويقال : فداه وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذه . وفداه بنفسه ، وفداه يفديه إذا قال جعلت فداك . وتفادوا ، أي فدى بعضهم بعضا " . والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد . وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا ، بمعنى فديت ، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : فاديت نفسي وفاديت عقيلا . وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر ، تقول : فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي ، قال الشاعر :

قِفي فادِي أسيرك إن قومي *** وقومك ما أرى لهم اجتماعا

الرابعة : قوله تعالى : { وهو محرم عليكم إخراجهم } " هو " مبتدأ وهو كناية عن الإخراج ، و " محرم " خبره ، و " إخراجهم " بدل من " هو " وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة ، والجملة التي بعده خبره ، أي والأمر محرم عليكم إخراجهم . ف " إخراجهم " مبتدأ ثان . و " محرم " خبره ، والجملة خبر عن " هو " ، وفي " محرم " ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج . ويجوز أن يكون " محرم " مبتدأ ، و " إخراجهم " مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر " محرم " ، والجملة خبر عن " هو " . وزعم الفراء أن " هو " عماد ، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له ؛ لأن العماد لا يكون في أول الكلام . ويقرأ " وهو " بسكون الهاء لثقل الضمة ، كما قال الشاعر{[955]} :

فهْو لا تنمِي{[956]} رميَّتُه *** ماله لا عُدَّ من نَفَرِه

وكذلك إن جئت باللام وثم ، وقد تقدم{[957]} .

قال علماؤنا : كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتل ، وترك الإخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أساراهم ، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال : { أفتؤمنون ببعض الكتاب } [ البقرة : 85 ] وهو التوراة { وتكفرون ببعض } [ البقرة : 85 ] ! !قلت : ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض ! ليت بالمسلمين ، بل بالكافرين ! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! .

قال علماؤنا : فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد . قال ابن خويز منداد : تضمنت الآية وجوب فك الأسرى ، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم ، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع . ويجب فك الأسارى من بيت المال ، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين . وسيأتي{[958]} .

الخامسة : قوله تعالى : { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا } ابتداء وخبر . والخزي الهوان . قال الجوهري : وخزي - بالكسر - يخزى خزيا إذا ذل وهان . قال ابن السكيت : وقع في بلية . وأخزاه الله ، وخزي أيضا يخزى خزاية إذا استحيا ، فهو خزيان . وقوم خزايا وامرأة خزيا .

السادسة : قوله تعالى : { ويوم القيامة يردون } " يردون " بالياء قراءة العامة ، وقرأ الحسن " تردون " بالتاء على الخطاب . { إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون } تقدم القول فيه{[959]} ، وكذلك : { أولئك الذين اشتروا } الآية{[960]} فلا معنى للإعادة . " يوم " منصوب ب " يردون " .


[948]:كذا في بعض نسخ الأصل. وفي البعض الآخر: "... أستاه قوم.. الخ" وقد وردت رواية البيت في تفسير الشوكاني هكذا: تظاهرتم من كل أوب ووجهة.. الخ"
[949]:راجع ج 18 ص 189
[950]:راجع ج 13 ص61
[951]:راجع ج 18 ص 191.
[952]:القتب (بكسر فسكون وبالتحريك أيضا): رحل صغير على قدر البعير.
[953]:الحمار: من معانيه أنه خشبة في مقدم الرحل تقبض عليها المرأة. وقيل: العود الذي يحمل عليه الأقتاب. والآسرات: النساء اللواتي يؤكدن بالقد ويوثقنها.
[954]:راجع ج 19 ص 149.
[955]:هو امرؤ القيس، كما في اللسان وشرح الديوان.
[956]:أنميت الصيد فنمى ينمي، وذلك أن ترميه فتصيبه ويذهب عنك فيموت بعدما يغيب.
[957]:يراجع ج 1 ص 261 طبعة ثانية.
[958]:راجع ج 8 ص 52
[959]:راجع ج 1 ص 466
[960]:راجع ج 1 ص 210 طبعة ثانية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنتُمۡ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (85)

لكنهم بعد ذلك تنكروا لما أقروا من ميثاق وما ألزموا به أنفسهم من عهد ألا يسفكون الدماء ولا يخرجوا أحدا من داره ، فقال سبحانه في ذلك : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من دياركم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } .

{ أنتم } في محل رفع مبتدأ . { هؤلاء } اسم إشارة في محل رفع خبر المبتدأ . و { تقتلون } جملة فعلية في محل نصب حال من " أولاء " وقيل : { أنتم } مبتدأ ، و { تقتلون } في محل رفع خبره . و { هؤلاء } ، في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره : أعني{[91]} والمعني أنكم أنتم هؤلاء المشاهدون الحاضرون تخالفون ما أخذه الله عليكم من العهد في التوراة بعد القتل والتهجير من الديار . وغير ذلك مما ذكرته الآية . فيقتل بعضكم بعضا وتخرجون فريقا منكم من ديارهم بغير حق ، وأنتم تتعاونون عليه بالباطل والظلم . وقصة ذلك أن بني إسرائيل في المدينة وهو بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة كانوا فريقين متناحرين متحاربين . فريق منهم مع الأوس وفريق آخر مع الخزرج ، وكلا الأوس والخزرج من العرب المشركين الذين لا كتاب لهم ولا ملة إلا عبادة الأوثان . وقد كانت الحرب سجالا بين الأوس والخزرج ؛ لأسباب تقوم على العصبية والأنانية والجهالة . وكان أحد الفريقين من يهود ممالئا للأوس ضد الخزرج يناصرونهم ويظاهرونهم عليهم . والفريق الآخر كان ممالئا للخزرج ضد الأوس ، فإذا نشب بين الأوس والخزرج قتال انحاز كل من طرفي يهود نحو حليفه من العرب المشركين " الأوس والخزرج " وقاتلوا إلى جانبهم ضد إخوانهم من بني إسرائيل فقتلوا منهم فريقا وأخرجوا منهم فريقا آخر من ديارهم وهم يتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان . والتظاهر التعاون ، والعدوان تجاوز الحد أو الإفراط في الظلم . وبذلك كان كل فريق من اليهود يظاهر حليفه من العرب بما يكون في ذلك من قهر للفريق الآخر من اليهود وإخراج لبعضهم من بلاده .

قوله : { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } . { أسارى } مفردها أسير وهو من الإسار بمعنى القيد الذي يكون وثاقا لمن يقع في الأسر . و { تفادوهم } من المفاداة أو الفداء وهو أن يطلب من الأسير دفع فدية مالية لتسريحه . كان اليهودي الذي يحارب إلى جانب حلفائه من العرب المشركين إذا وقع في أسر خصومه من اليهود الآخرين ، فإنهم يضطرونه لدفع فدية من المال ؛ كيما يسرحوه مع أن التوراة تحرم أن يقتل اليهود بعضهم بعضا ، أو أن يخرجوا أحدا من دياره أو يظاهروا عليه خصومهم من الآخرين . وبعبارة أخرى : فإن التوراة تفرض على اليهود من خلال هذه الآية أربعة فروض هي : ألا يقتل بعضهم بعضا ، وألا يخرج بعضهم بعضا من دياره ، وألا يظاهروا غيرهم على بعضهم ، وأن يفادوا أسراهم بالمال إذا وقعوا في أسر خصومهم . وبعبارة أخرى ، ثمة عهود أربعة أخذت عليهم : ترك القتل ، وترك الإخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أسراهم . وهذه عهود أربعة أخذت عليهم : ترك القتل ، وترك الإخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أسراهم . وهذه عهود قد واثق الله بني إسرائيل بها في التوراة ، لكنهم قد نقضوا كل هذه العهود باستثناء المفاداة التي تحققت على نحو يقوم على التحيل والتناقض . فهم قاتلوا إخوانهم في الملة ، وأخرجوهم من ديارهم ، وظاهروا المشركين عبدة الأوثان عليهم ، ثم فادوهم بالمال . لا جرم أن ذلك التواء وتناقض يكشف عن سلوك فاسد مضطرب . سلوك فيه مخالفة صريحة لما جاء في التوراة ، فكيف يتطابق الإخراج والإيقاع في الأسر مع المفاداة بالمال لفكاكهم من الأسر ؟ ! إن ذلك نكول صريح عن شرع الله . أو هو ضرب من تقسيم الملة إلى ما يؤخذ وما يترك ! .

أما قوله : { وهو محرم عليكم إخراجهم } الواو للحال والجملة الإسمية بعدها في محل نصب حال . هو ضمير في محل رفع مبتدأ . { محرم } خبره ،

{ إخراجهم } بدل من الضمير المبتدأ . وقيل في إعراب هذه الجملة غير ذلك{[92]} .

أما قوله : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } في ذلك استفهام ينطوي على توبيخ ونكير لفعلة هؤلاء الشنيعة . وهي فعلة تحتسب في عداد الكفر الصريح المكشوف . وهو إيمان هؤلاء القوم ببعض ما جاء في الكتاب والعمل به ، ثم كفرهم ببعض الآخر وإعراضهم عنه .

والذي يلفت النظر هنا أمران يكشفان عن حقيقة الكفر في غاية من الوضوح الحاسم والذي لا يقبل المداهنة أو اللين .

الأمر الأول : أن إعراض هؤلاء القوم عن بعض ما جاء في كتابهم وانثناءهم عن العمل به لهو الكفر نفسه . حتى إن مجرد التصديق الباهت الذي يظل حبيس النفس ليس له أدنى وزن أو أهمية في ميزان الله تعالى ، فلا خير في تصديق إذا لم يكن مقترنا بالعمل تمارسه الجوارح ؛ وذلك ليعلم الإنسان المؤمن في ضوء هذا التصور الفاصل أنه لا يتاح له أن يعبر حومة المؤمنين الصادقين إلا إذا كان عاملا بما رسخ في ذهنه من مدركات وتصورات .

الأمر الثاني : أن الإيمان والعمل ببعض ما جاء في الكتاب لا يغني عن الإيمان والعمل به جميعا . فإن قضية الإيمان لا تتجزأ ، والإيمان حقيقة متكاملة متسقة لا تعرف التجزئة والانقسام ، وأي إيمان أو تصديق بجزء من العقيدة لا يمحو عن المرء عار الكفر والجحد بالعقيدة كلها . وكذلك فإن العمل ببعض ما جاء في الكتاب ثم الإعراض عن العمل ببعضه الآخر لا يرد عن المرء وصمة الكفر التي كتب الله أنها تدفع المدبرين عن صراط الله ومنهجه الواضح المتسق . هؤلاء الذين يُقبلون على الله بوجه ثم يُقبلون على غيره بوجه آخر . أو الذين يفرقون في العبادة ليجعلوا جزاء منها لله وأجزاء أخرى لغير الله من الأرباب المنتشرة في الأرض .

لذلك فإن الله ينكر على هؤلاء الشاردين في توبيخ غليظ جنوحهم إلى غيره من مختلف الأرباب . وفي ذلك إعلان حاسم يكشف عن حقيقة الإيمان في مفهومه الصحيح المتسق وهو أنه لا مساغ للتفريط بجزء من الدين ، وأن العمل بجزء آخر منه لا يرد عن المرء وصمة الكفر الشنيع .

قوله : { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون } ذلك نذير من الله شديد لأولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، وهم الذين يجترئون من الدين بعضه فيعملون به ، ثم يعرضون عن بعضه الآخر . أو الذين يصدقون ببعض ما في الدين من قضايا أو أركان أو معان ، ثم يرتابون ببعض الآخر ، مجاراة لما تهواه أنفسهم أو اكتفاء بما يروق لهم من بعض المعاني أو الأحكام . ومثل هذا الإيمان المنتقص لا يغني عن حقيقة الإيمان الكبرى كالذي بينا آنفا . وبذلك فإن الله يتهدد هذا الصنف من الناس بوخيم العاقبة التي تؤول إلى شطرين من العذاب . أولهما : الخزي والعار في هذه الدنيا يصم الله بهما من يعرضون عن بعض ما جاء في منهجه سبحانه ؛ لأن من أعرض عن بعض ما في المنهج كان كمن أعرض عن المنهج كله . لكن صور الخزي والعار في هذه الدنيا يندرج في خصمها كل أصناف الذلة والصغار والهوان ، أو الفقر والجنوح والمعاناة وكل مظاهر المضانكة التي يذوق خلالها الشاردون عن منهج الله ألوان البلاء والنصب والمرارة .

وثانيهما : هو أشد فظاعة وعتوا وهو العذاب يوم القيامة . العذاب الذي يشم كل ظواهر الشدة والهول ، والذي يدنو دونه كل عذاب من أعذبه الدنيا وما فيها من أرزاء وأهوال تمر سراعا . إن العذاب يوم القيامة لا يتصوره الخيال ، ولا يستيطع الحس أن يستشعره ؛ وذلك للكيفية البالغة في الإذهال والتي لا قبل للخلائق بها . إنه العذاب الحارق اللاهب الذي تتسجر فيه جسوم العصاة والأشرار الذين يشردون عن منهج الله ليلاقوا في النار من سوء المصير وفادح الويل ما لا يتصوره عقل بشر ولا يطيقه مقدور كائن كيفما كان ! ! .

ذلك الذي يتوعد الله به عباده الناكبين عن صراطه الشاردين عن منهجه وهم جميعا بين يديه وفي قبضته فيعلم ما في صدورهم من أسرار وأستار إن خفيت على الكائنات جميعا فإنها لا تخفى عليه سبحانه .


[91]:- البيان للانباري جـ 1 ص 103 والدر المصون جـ 1 ص 475- 477.
[92]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 105.