الأولى : قوله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " هذا متصل بذكر اليهود ، فإنهم أمروا بالإيمان بمحمد عليه السلام وبيان أمره ، فكتموا نعته{[3778]} . فالآية توبيخ لهم ، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم . قال الحسن وقتادة : هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب . فمن علم شيئا فليعلمه ، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة . وقال محمد بن كعب : لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ، ولا للجاهل أن يسكت على جهله ، قال الله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " الآية . وقال : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " {[3779]} [ النحل : 42 ] . وقال أبو هريرة : لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ؛ ثم تلا هذه الآية " وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " . وقال الحسن بن عمارة : أتيت الزهري بعد ما ترك الحديث ، فألفيته على بابه فقلت : إن رأيت أن تحدثني . فقال : أما علمت أني تركت الحديث ؟ فقلت : إما أن تحدثني وإما أن أحدثك . قال حدثني . قلت : حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت علي بن أبي طالب يقول : ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا . قال : فحدثني أربعين حديثا .
الثانية : الهاء في قوله : " لتبيننه للناس " ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر . وقيل : ترجع إلى الكتاب ، ويدخل فيه بيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه في الكتاب . " ولا تكتمونه " ولم يقل تكتمنه لأنه في معنى الحال ، أي لتبيننه غير كاتمين . وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل مكة " لتبيننه " بالتاء على حكاية الخطاب . والباقون بالياء لأنهم{[3780]} غيب . وقرأ ابن عباس{[3781]} " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ليبيننه " . فيجيء قوله " فنبذوه " عائدا على الناس الذين بين لهم الأنبياء . وفي قراءة ابن مسعود " ليبينونه " دون النون الثقيلة . والنبذ الطرح . وقد تقدم بيانه في " البقرة " {[3782]} . " وراء ظهورهم " مبالغة في الإطراح ، ومنه " واتخذتموه وراءكم ظهريا " [ هود : 92 ] وقد تقدم في " البقرة " بيانه أيضا . وتقدم معنى قوله : " واشتروا به ثمنا قليلا " في " البقرة " {[3783]} فلا معنى لإعادته . " فبئس ما يشترون " تقدم أيضا{[3784]} . والحمد لله .
قوله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير ) .
ذلك تنديد بأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد والالتزام أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه و سلم ويتبعوه ويمضوا على طريقه ودينه وأن يبينوا للناس صدق رسالة الإسلام وصدق نبوة محمد صلى الله عليه و سلم وأن لا يكتموا ذلك عن الناس بل يبينوه تبيينا كما وجوده مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، لكنهم كتموا خبر الإسلام عن الناس وكذبوا نبوة محمد صلى الله عليه و سلم . وهو قوله : ( فنبذوه وراء ظهورهم ) أي نبذوا الميثاق ، من النبذ وهو الإلقاء والطرح ونبذت العهد ، أي نقضته . والنبذ وراء الظهر ، مبالغة في النقض وعدم الاعتداد .
وقوله : ( واشتروا به ثمنا قليلا ) أي أخذوا بدلا عن كتمان الحق وتحريف كتبهم ما أخذوه من عرض خسيس من أعراض الدنيا وحطامها المهين الفاني . فبئس البيع وبئست الصفقة التي ينقض فيها الميثاق وتؤخذ فيها الخسائس من حقارات الدنيا ولعاعاتها الدائرة عوضا عن دين الله وعن كشف الحقيقة للناس . وهو تأويل قوله : ( فبئس ما يشترون ) .
على أن هذا التنديد بالمكذبين الكاتمين من أحبار يهود الذين أخفوا عن الناس ما وجدوه في كتابهم من تنويه بالإسلام وبمحمد صلى الله عليه و سلم ، ينسحب بالضرورة على العلماء في كل ملة من ملل السماء . أولئك الذين يخفون ما علموا عن الناس طمعا في جاه رخيص أو حظوة هابطة مهينة يتزلفون من أجلها لدى أعتبة الحكام والسلاطين ، بل على العلماء – ومنهم المسلمون خاصة- أن يجهروا بالدعوة إلى الله وأن يصدعوا بالحق ليعلنوا للبشرية في كل الآفاق وفي سائر أنحاء الدنيا أن الإسلام حق وأن فيه البلسم الشافي لكل المجتمعات ومن كل المعضلات الإنسانية ، النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والثقافية وغير ذلك من مختلف القضايا . وإذا لم يضطلع علماء الإسلام بهذه الوجيبة العظيمة فلسوف يبوءون بعذاب الله والمساءلة العسيرة يوم الحساب حيث الخزي والافتضاح والمهانة لكل المنافقين الخائرين الذين باعوا دينهم بدنياهم . وفي هذا أخرج أحمد في مسنده وآخرون من أصحاب السنن وكذا الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار " {[660]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.