الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} (59)

{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } وهم العلماء والفقهاء وقيل الأمراء والسلاطين وتجب طاعتهم فيما وافق الحق { فإن تنازعتم } اختلفتم وتجادلتم وقال كل فريق القول قولي فردوا الأمر في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله { ذلك خير } أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة وردك التجادل { وأحسن تأويلا } وأحمد عاقبة

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} (59)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل ، تقدم في هذه الآية إلى الرعية فأمر بطاعته جل وعز أولا ، وهي امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه ، ثم بطاعة الأمراء ثالثا ، على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم . قال سهل بن عبدالله التستري : أطيعوا السلطان في سبعة : ضرب الدراهم والدنانير ، والمكاييل والأوزان ، والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد . قال سهل : وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي ، فإن أفتى فهو عاص وإن كان أميرا جائرا . وقال ابن خويز منداد : وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان له فيه طاعة ، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية ؛ ولذلك قلنا : إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم ، ويجب الغزو معهم متى غزوا ، والحكم من قولهم ، وتولية الإمامة والحسبة ، وإقامة ذلك على وجه الشريعة . وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم ، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يخافوا فيصلي معهم تقية وتعاد الصلاة . قلت : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : حق على الإمام أن يحكم بالعدل ، ويؤدي الأمانة ، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه ؛ لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل ، ثم أمر بطاعته . وقال جابر بن عبدالله ومجاهد : " أولو الأمر " أهل القرآن والعلم ، وهو اختيار مالك رحمه الله ، ونحوه قول الضحاك قال : يعني الفقهاء والعلماء في الدين . وحكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة . وحكى عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خاصة . وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال : هن حرائر . فقلت بأي شيء ؟ قال بالقرآن . قلت : بأي شيء في القرآن ؟ قال : قال الله تعالى : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " وكان عمر من أولي الأمر قال : عتقت ولو بسقط .

وسيأتي هذا المعنى مبينا في سورة " الحشر " عند قوله تعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{[4582]} " [ الحشر : 7 ] . وقال ابن كيسان : هم أولو العقل ، الرأي الذين يدبرون أمر الناس .

قلت : وأصح هذه الأقوال الأول والثاني ، أما الأول فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم . وروى الصحيحان عن ابن عباس قال : نزل " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " في عبدالله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية . قال أبو عمر : وكان في عبدالله بن حذافة دعابة معروفة ، ومن دعابته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا ، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها ، فقال لهم : ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي ؟ ! وقال : ( من أطاع أميري فقد أطاعني ) . فقالوا : ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار ! فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال الله تعالى : " ولا تقتلوا أنفسكم{[4583]} " [ النساء : 29 ] ) . وهو حدث صحيح الإسناد مشهور . وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم{[4584]} بن ثوبان أن أبا سعيد الخدري قال : كان عبدالله بن حذافة بن قيس ، السهمي من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة . وذكر الزبير قال : حدثني عبدالجبار بن سعيد عن عبدالله بن وهب عن الليث بن سعد قال : بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع . قال ابن وهب : فقلت لليث ليُضْحِكه ؟ قال : نعم كانت فيه دعابة . قال ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي : " أولوا الأمر " أصحاب السرايا . وأما القول الثاني فيدل على صحته قوله تعالى " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " . فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة ، ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا ، وامتثال فتواهم لازما . قال سهل بن عبدالله رحمه الله : لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء ، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم ، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم . وأما القول الثالث فخاص ، وأخص منه القول الرابع . وأما الخامس فيأباه ظاهر اللفظ وإن كان المعنى صحيحا ، فإن العقل لكل فضيلة أس ، ولكل أدب ينبوع ، وهو الذي جعله الله للدين أصلا وللدنيا عمادا ، فأوجب الله التكليف بكمال ، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه ؛ والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع المجتهدين بغير عقل وروي هذا المعنى عن ابن عباس . وزعم قوم أن المراد بأولي الأمر علي والأئمة المعصومون . ولو كان كذلك ما كان لقوله : " فردوه إلى الله والرسول " معنى ، بل كان يقول فردوه إلى الإمام وأولي الأمر ، فإن قوله عند هؤلاء هو المحكم على الكتاب والسنة . وهذا قول مهجور مخالف لما عليه الجمهور . وحقيقة الطاعة امتثال الأمر ، كما أن المعصية ضدها وهي مخالفة الأمر . والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد ، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتد . و " أولو " واحدهم " ذو " على غير قياس كالنساء والإبل والخيل ، كل واحد اسم الجمع ولا واحد له من لفظه . وقد قيل في واحد الخيل : خائل وقد تقدم{[4585]} .

الثانية : قوله تعالى : " فإن تنازعتم في شيء " أي تجادلتم واختلفتم ، فكأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها . والنزع الجذب . والمنازعة مجاذبة الحجج ؛ ومنه الحديث ( وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن ){[4586]} . وقال الأعشى :

نازعتم قضب الريحان متكئا *** وقهوةً مُزَّةً راووقها{[4587]} خَضِل

الخضل النبات الناعم والخضيلة الروضة{[4588]} " في شيء " أي من أمر دينكم . " فردوه إلى الله والرسول " أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته ، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة ، وهو الصحيح . ومن لم ير هذا اختل إيمانه ؛ لقوله تعالى : " إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " . وقيل : المعنى قولوا الله ورسوله أعلم ؛ فهذا هو الرد . وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل . والقول الأول أصح ؛ لقول علي رضي الله عنه : ما عندنا إلا ما في كتاب الله وما في هذه الصحيفة ، أو فهم أعطيه رجل مسلم . ولو كان كما قال هذا القائل لبطل الاجتهاد الذي خص به هذه الأمة والاستنباط الذي أعطيها ، ولكن تضرب الأمثال ويطلب المثال حتى يخرج الصواب . قال أبو العالية : وذلك قوله تعالى : " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " [ النساء : 83 ] . نعم ، ما كان مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه فذلك الذي يقال فيه : الله أعلم . وقد استنبط علي رضي الله عنه مدة أقل الحمل - وهو ستة أشهر - من قوله تعالى : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا{[4589]} " [ الأحقاف :15 ] وقوله تعالى : " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين{[4590]} " [ البقرة : 233 ] فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهرا بقيت ستة أشهر ، ومثله كثير . وفي قوله تعالى : " وإلى الرسول " دليل على أن سنته صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ما فيها . قال صلى الله عليه وسلم : ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ) أخرجه مسلم . وروى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) . وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو يقول : ( أيحسب أحدكم متكئا{[4591]} على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر ) . وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معديكرب بمعناه وقال : حديث حسن غريب . والقاطع قوله تعالى : " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة{[4592]} " [ النور : 63 ] الآية . وسيأتي .

الثالثة : قوله تعالى : " ذلك خير " أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير من التنازع . " وأحسن تأويلا " أي مرجعا ، من آل يؤول إلى كذا أي صار . وقيل : من ألت الشيء إذا جمعته وأصلحته . فالتأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ لا إشكال فيه ، يقال : أول الله عليك أمرك أي جمعه . ويجوز أن يكون المعنى وأحسن من تأويلكم .


[4582]:راجع ج 18 ص 10 فما بعدها.
[4583]:تقدم في ص 149.
[4584]:عمر بن الحكم بن ثوبان أبو حفص المدني.
[4585]:راجع ج 4 ص 22.
[4586]:في نهاية ابن الأثير ولسان العرب: {مالي أنازع القرآن}. وينازعني : يجاذبني في القراءة، ذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه قراءته فشغله، فنهاه عن الجهر بالقراءة في الصلاة خلفه.
[4587]:الراووق: المصفاة.
[4588]:الزيادة في ج.
[4589]:راجع ج 16 ص 192.
[4590]:راجع ج 3 ص 160.
[4591]:قوله: "متكئا على أريكته": جالسا على سريره المزين، وهذا بيان لحماقته وسوء أدبه كما هو أدب المتنعمين المغرورين بالمال. وقال الخطابي: أراد به أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا بالأسفار الحديث من أهله فيرده حيث لا يوافق هواه (عن ابن ماجه).
[4592]:راجع ج 12 ص 322.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} (59)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) .

الطاعة هي الخضوع والامتثال للأمر ، والمعصية تعني المخالفة للأمر . والله سبحانه يأمر المؤمنين بطاعته هو جلّت قدرته . وطاعته تتحقق في الالتزام بتعاليم القرآن بما فيه من أوامر وزواجر أو حدود وقصاص أو نهي وتحذير . وكذلك يأمرهم بطاعة رسوله الكريم بالالتزام بسنته حال حياته أو بعد مماته . وكذلك فإن أولي الأمر طاعتهم واجبة . وقد قيل : إن المقصود بأولي الأمر هم الحكام والأمراء والقادة الذين يتسلمون مقاليد الحكم والرئاسة ليسوسوا الناس بالحق والعدل . وقيل : بل المقصود معاشر العلماء والفقهاء الذين يبينون للناس ما نزل إليهم في الكتاب وما ورد في سنة النبي ( ص ) ، وهذان القولان خير ما جاء في بيان ( وأولي الأمر ) ولا نركن لما ورد من أقوال أخرى بعيدة عن الصواب .

وفي طاعة الحكام والأمراء المسلمين الذين يسوسون الناس بشريعة الله يقول النبي ( ص ) فيما رواه البخاري : " واسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) قال : " أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدوع الأطراف " . وأمثال ذلك كثير من السنة النبوية بما يدل على وجوب الطاعة من الرعية للراعي في المنشط والمكره . على أنه يجب التنبيه إلى شرطين ينبغي توفرهما لتكون طاعة المسؤول مشروعة وملزمة .

أحد هذين الشرطين : أن تكون الطاعة في غير معصية الله فإن كان شيء من معصية فلا مساغ عند ذلك للطاعة . فقد أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ( ص ) قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

ثاني هذين الشرطين : أن يكون الحاكم أو المسؤول الذي تجب له الطاعة من المسلمين لا من غيرهم وذلك لقوله : ( منكم ) وكاف المخاطبين هنا تشير إلى المسلمين أي أطيعوا الحكام والولاة الذين منكم وعلى دينكم وملتكم . فإن كان هناك من غير المسلمين من يحكمهم فلا طاعة له على المسلمين البتة . ونحن إذ نتصور عدم الطاعة من المسلمين إذا حكم الحاكم بمعصية وهو من المسلمين ، فكيف إن كان الحاكم من غير المسلمين كأن يكون يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا مشركا أو شيوعيا ملحدا فإن هؤلاء جميعا لا طاعة لهم على المسلمين . بل ينبغي قتالهم والخروج عليهم مهما كلف الثمن .

ومن ناحية أخرى فإن كل مسلم ومسلمة قد نيطت بهما بيعة فلا مساغ لأحدهما أن يتغاضى عن هذه البيعة أو يتنصل منها . فلا تبرأ له ذمة بالنسبة لهذه المسألة إلا أن يعقد مبايعة مع الإمام ، فالرجل يبايع مصافحة والمرأة تبايع بالخطاب ، فقد أخرج مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ( ص ) قال : " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " قوله : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) التنازع بمعنى التجاذب والمجادلة وهو من الانتزاع فكأن كل واحد من المتجادلين المتخاصمين يجهد في انتزاع حجة الآخر وطرحها . والآية تقضي برد جميع الخصومات والجهالات وما اختلف فيه المسلمون فيما بينهم من أمور الدين والدنيا إلى كتاب الله وسنة نبيه ( ص ) فإنهما بما فيهما قواعد وكليات ومبادئ وأصول أو ما انبثق عنهما من جزئيات وفروع واجتهادات . لحقيقان بفض كل ما يطرأ على البشرية من مشكلات وقضايا مهما امتد الزمن أو دارت عجلة الأيام أو تغيّرت صور الأعراف والبيئات والأوضاع أو تجددت حوائج الناس في شتى بقاع الأرض في مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك .

ورد الأمر إلى الكتاب والسنة حال الخلاف والتنازع أمر واجب لا محيد عنه وهو بالنسبة للمسلمين معتبر من الفرائض الخطيرة التي يحذّر الإسلام من التفريط فيها . ولا يحيد عن الاحتكام إلى شرع الله إلا من خلع ربقة الإسلام من عنقه وارتضى أن يكون من غير المؤمنين لقوله تعالى : ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) .

قوله : ( ذلك خير وأحسن تأويلا ) الإشارة تعود إلى ردّ التنازع والخلاف إلى الكتاب والسنة . وهي في محل رفع مبتدأ . ( خير ) خبر مرفوع . ولا ريب في أن الرجوع إلى الله ورسوله خير للراجعين وهو كذلك ( وأحسن تأويلا ) أي عاقبة ومآلا . فإن الاحتكام إلى الله أبعد عن كل مواطن الضعف والزلل وأسلم من الوقوع في الضلالة والخطل وأنجى للبشرية لتعيش على الدوام سالمة آمنة مطمئنة بعيدة عن المفاسد والشرور وعن كيد الإنسان لأخيه الإنسان .