اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ} (49)

قوله : { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } أي وقد كانوا من قبل أن ينزل عليهم .

وقيل : وما كانوا ( إلا{[42176]} ) «مُبْلِسِينَ » أي آيسين{[42177]} .

قوله : «مِنْ قَبْلِهِ » فيه وجهان :

أحدهما : أنه تكرير «لِمنْ قَبْلِ » الأولى على سبيل التوكيد{[42178]} .

والثاني : أن يكون غير مُكَرَّر{[42179]} ؛ وذلك ( أن يجعل ){[42180]} الضمي في «قبله » للسَّحَاب ، وجاز ذلك لأنه اسم جنس يجوز تذكيره وتأنيثه ، أو للريح{[42181]} فتتعلق ( «مِن » الثانية{[42182]} ) بيُنَزِّل . وقيل : يجوز عود الضمير على «كِسَفاً » كذا أطلق أبو البقاء{[42183]} ، وأبو حيان{[42184]} ، وهذه بقراءة من سَكَّنَ السِّينَ{[42185]} .

وقد تقدمت قراءات «كسفاً » في «سُبْحَانَ »{[42186]} . وقد أبدى الزمخشريُّ ابنُ عَطِيَّةَ ( فائدة التوكيد{[42187]} المذكور فقال ابن عطية ) أفاد{[42188]} الإعلام بسرعة تقلب{[42189]} قلوب البشر من الإِبلاس إلى الاسْتِبْشَار ، وذلك أن قوله : { مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } يحتمل الفُسْحَةَ في الزمان أي من قبل أن ينزل بكثيرٍ كالأيام ونحوه ، فجاء قوله : «مِنْ قَبْلِهِ » ( بمعنى{[42190]} ) أن ذلك متصلٌ بالمطر ، فهذا تأكيد مفيد . وقال الزمخشري{[42191]} : ومعنى التأكيد فيه الدلالة على أنَّ عَهْدَهُمْ بالمطر قد نَفَدَ{[42192]} فاستحكم بأسُهُم وتمادى إبلاسهم ، فكان استبشارهم على قدر اغتمامهم{[42193]} بذلك ، وهو كلام حسن ، إِلاَّ أنَّ أبَا حَيَّان لم يَرْتَضِهِ منهما فقال : ما ذكراه من فائدة التأكيد غير ظاهر فإنما هو{[42194]} لمجرد التوكيد ويفيد رفع المجاز انتهى .

قال شهاب الدين ولا أدري عَدَمُ الظُّهُورِ لِمَاذَا{[42195]} .

قال قُطْرُبٌ : وإنْ كَانُوا من قبل التَّنْزِيل من قبلِ المَطَرِ{[42196]} ، وقيل التقدير{[42197]} من قبل إنْزَالِ المَطَرِ من قبل أن يزرعوا ، ودل المطر على الزرع لأنه يخرج بسبب المطر ودل على ذلك قوله : «فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً » يعني الزرع قال أبو حَيَّانَ : وهذا لا يستقيم{[42198]} ؛ ( لأن{[42199]} ) { مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ } متعلق «بمبلسين » ، ( ولا{[42200]} يمكنُ من قبل الزرع أن يتعلق «بمبلسين » ) ؛ لأن حَرْفَيْ جَرٍّ لا يتعلقان بعامل واحد إلا بوَسَاطَةِ حرف العَطْفِ ( أ ) والبَدَل ، وليس هنا عطف والبدل لا يجوز إذْ إنزالُ الغَيْثِ ليس هو الزرع ولا الزرع بعضه ، وقد يتخيل فيه بدل الاشتمال بتكلف إما لاشتمالِ ( الإنزال{[42201]} ) على الزرع بمعنى أن الزرع يكون ناشئاً عن الإنزال فكأن الإنزال مشتملٌ عليه ، وهذا على مذهب من يقول الأول مشتمل على الثاني .

وقال المبرد{[42202]} الثاني السَّحَاب ؛ لأنهم لما رأوا السَّحاب كانوا راجين المَطَرَ انتهى{[42203]} يريد من قبل رؤية السحاب ويحتاج أيضاً إلى حرف عطف ليصح تعلق الحرفين بمبلسين{[42204]} . ( وقال الرُّمانِيُّ{[42205]} من قبل الإِرسال{[42206]} ) ، وقال الكِرْمَانِيُّ{[42207]} : من قبل الاسْتِبْشَار{[42208]} ؛ لأنه قرنه بالإبلاس ، ولأنه ( مَنَّ{[42209]} ) عليهم بالاستبشار ويحتاج قولهما إلى حرف العطف لما تقدم ، وادعاء حرف العطف ليس بالسهل فإن فيه خلافاً بعضهم يَقِيسُه ، وبعضُهم لا يَقِيسُه ، هذا كله في المفردات ، أما إذا كان في الجمل فلا خلاف في اقتياسه{[42210]} .

وفي حرف عبد الله بن مسعود : وإنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ ينزل عَلَيْهِمْ لَمُبْلِسِينَ{[42211]} غير مكرر .


[42176]:ساقط من "ب".
[42177]:انظر: غريب القرآن 342 واللسان: " أ ي س" والقرطبي 14/44.
[42178]:نقله الكشاف 3/2265 والأخفش في معانيه 2/658 والقرطبي 14/44 والمحكم "قبل".
[42179]:البحر المحيط 7/178 وقد رجح ذلك أبو حيان.
[42180]:ساقط من "ب".
[42181]:في "ب" أو الريح.
[42182]:ساقط من "ب".
[42183]:التبيان 1042.
[42184]:البحر المحيط 7/178.
[42185]:من "كسفاً".
[42186]:وهي قول الله تعالى: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً}، وهي الآية 92 من الإسراء. وقد قرأ بإسكان السين على الإفراد أبو جعفر، وابن ذكوان، وهشام، وقرأ بفتح السين جمعاً ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وروى حفص عن عاصم أنه فتح السين في كل القرآن إلا الطور (44). انظر: اللباب 6/113 بتصرف والإتحاف 348 والسبعة 358 والبحر المحيط 6/79.
[42187]:ما بين القوسين ساقط من "ب".
[42188]:المحرر الوجيز لابن عطية، والبحر المحيط 7/178 و 179.
[42189]:في "ب" تقليب.
[42190]:ساقط من "ب".
[42191]:الكشاف 3/226.
[42192]:في الكشاف بعد.
[42193]:في "ب" اهتمامهم.
[42194]:في "ب" وإنما هو.
[42195]:انظر: الدر المصون 4/332.
[42196]:انظر: القرطبي 14/44، والبحر المحيط 7/178، 179.
[42197]:المرجعان السابقان.
[42198]:البحر المحيط 7/179.
[42199]:ساقط من ب.
[42200]:ساقط من ب.
[42201]:ساقط من ب.
[42202]:المبرد هو أبو العباس محمد بن يزيد الأزديُّ الثَّماليّ، أخذ النحو عن الجرميّ، والمازنيّ وغيرهما وكان على المازنيّ يعوّل. مات سنة 285 هـ. انظر: أخبار النحويين البصريين 72.
[42203]:نقله في البحر المحيط 7/179 وتبعه أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن 3/277.
[42204]:البحر المحيط 7/179.
[42205]:علي بن عيسى أبو الحسن كان إماماً في العربية، علامةً في الأدب أخذ عن الزّجاج وابن السّراج، وابن دريد من مصنفاته التفسير، الحدود الأكبر، الأصغر، مات سنة 384 هـ. انظر: بغية الوعاة 2/180 وانظر رأيه في البحر 7/179.
[42206]:ما بين القوسين ساقط من "ب".
[42207]:تقدم.
[42208]:نقله في البحر المحيط 7/179 أيضاً.
[42209]:ساقط من "ب".
[42210]:كل هذه الكلمات نقلها الشارح من البحر لأبي حيان 7/179.
[42211]:لم أعثر على هذه القراءة في الكتب المتواترة أو الشاذة.