مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (24)

قوله تعالى { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا } أتبعه بهذا المثل العجيب الذي ضربه لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ، ويشتد تمسكه بها ، ويقوي إعراضه عن أمر الآخرة والتأهب لها ، فقال : { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض } وهذا الكلام يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المعنى فاختلط به نبات الأرض بسبب هذا الماء النازل من السماء ، وذلك لأنه إذا نزل المطر ينبت بسببه أنواع كثيرة من النبات ، وتكون تلك الأنواع مختلطة ، وهذا فيما لم يكن نابتا قبل نزول المطر . والثاني : أن يكون المراد منه الذي نبت ، ولكنه لم يترعرع ، ولم يهتز . وإنما هو في أول بروزه من الأرض ومبدأ حدوثه ، فإذا نزل المطر عليه ، واختلط بذلك المطر ، أي اتصل كل واحد منهما بالآخر اهتز ذلك النبات وربا وحسن ، وكمل واكتسى كمال الرونق والزينة ، وهو المراد من قوله تعالى : { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت } وذلك لأن التزخرف عبارة عن كمال حسن الشيء . فجعلت الأرض آخذة زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون ، وتزينت بجميع الألوان الممكنة في الزينة من حمرة وخضرة وصفرة وذهبية وبياض ، ولا شك أنه متى صار البستان على هذا الوجه ، وبهذه الصفة ، فإنه يفرح به المالك ويعظم رجاؤه في الانتفاع به ، ويصير قلبه مستغرقا فيه ، ثم إنه تعالى يرسل على هذا البستان العجيب آفة عظيمة دفعة واحدة في ليل أو نهار من برد ، أو ريح أو سيل ، فصارت تلك الأشجار والزروع باطلة هالكة كأنها ما حصلت البتة . فلا شك أنه تعظم حسرة مالك ذلك البستان ويشتد حزنه ، فكذلك من وضع قلبه على لذات الدنيا وطيباتها ، فإذا فاتته تلك الأشياء يعظم حزنه وتلهفه عليها .

واعلم أن تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوها لخصها القاضي رحمه الله تعالى .

الوجه الأول : أن عاقبة هذه الحياة الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه ، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا وضع عليها قلبه وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت . وهو معنى قوله تعالى : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } خاسرون الدنيا ، وقد أنفقوا أعمارهم فيها ، وخاسرون من الآخرة ، مع أنهم متوجهون إليها .

والوجه الثاني : في التشبيه أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد ، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد .

والوجه الثالث : أن يكون وجه التشبيه مثل قوله سبحانه :

{ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } فلما صار سعي هذا الزراع باطلا بسبب حدوث الأسباب المهلكة ، فكذلك سعي المغتر بالدنيا .

والوجه الرابع : أن مالك ذلك البستان لما عمره بأتعاب النفس وكد الروح ، وعلق قلبه على الانتفاع به ، فإذا حدث ذلك السبب المهلك ، وصار العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سببا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل ، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات . فكذلك حال من وضع قلبه على الدنيا وأتعب نفسه في تحصيلها ، فإذا مات ، وفاته كل ما نال ، صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا ، سببا لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة .

والوجه الخامس : لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد ، وذلك لأنا نرى الزرع الذي قد انتهى إلى الغاية القصوى في التربية ، قد بلغ الغاية في الزينة والحسن . ثم يعرض للأرض المتزينة به آفة ، فيزول ذلك الحسن بالكلية ، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى . فذكر هذا المثال ليدل عل أن من قدر على ذلك ، كان قادرا على إعادة الأحياء في الآخرة ليجازيهم على أعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

المسألة الثانية : المثل : قول يشبه به حال الثاني بالأول ، ويجوز أن يكون المراد من المثل الصفة . والتقدير : إنما صفة الحياة الدنيا . وأما قوله : { وازينت } فقال الزجاج : يعني تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت الزاي فاجتلب لها ألف الوصل ، وهذا مثل ما ذكرنا في قوله : { ادارأتم . اداركوا } .

وأما قوله : { وظن أهلها أنهم قادرون عليها } فقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد أن أهل تلك الأرض قادرون على حصادها وتحصيل ثمراتها . والتحقيق أن الضمير وإن كان في الظاهر عائدا إلى الأرض ، إلا أنه عائد إلى النبات الموجود في الأرض . وأما قوله : { أتاها أمرنا } فقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد عذابنا . والتحقيق أن المعنى أتاها أمرنا بهلاكها . وقوله : { فجعلناها حصيدا } قال ابن عباس : لا شيء فيها ، وقال الضحاك : يعني المحصود . وعلى هذا ، المراد بالحصيد الأرض التي حصد نبتا ، ويجوز أن يكون المراد بالحصيد النبات ، قال أبو عبيدة : الحصيد المستأصل ، وقال غيره : الحصيد المقطوع والمقلوع . وقوله : { كأن لم تغن بالأمس } قال الليث : يقال للشيء إذا فنى : كأن لم يغن بالأمس . أي كأن لم يكن من قولهم غني القوم في دارهم ، إذا أقاموا بها ، وعلى هذا الوجه يكون هذا صفة للنبات . وقال الزجاج : معناه : كأن لم تعمر بالأمس ، وعلى هذا الوجه فالمراد هو الأرض ، وقوله : { كذلك نفصل الآيات } أي نذكر واحدة منها بعد الأخرى ، على الترتيب . ليكون تواليها وكثرتها سببا لقوة اليقين ، وموجبا لزوال الشك والشبهة :

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (24)

{ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا } كلام مستأنف لبيان شأن الحياة الدنيا وقصر مدة التمتع فيها ، وأصل المثل ما شبه مضربه بمورده ويستعار للأمر العجيب المستغرب ، أي إنما حالها في سرعة تقضيها وانصرام نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها { كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ } أي فكثر بسببه { نَبَاتُ الارض } حتى التف بعضه ببعض ، فالباء للسببية ومنهم من أبقاها على المصاحبة ، وجعل الاختلاط بالماء نفسه فإنه كالغذاء للنبات فيجري فيه ويخالطه والأول هو الذي يقتضيه كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { مِمَّا يَأْكُلُ الناس والانعام } كالبقول والزروع . والحشيش والمراعي ، والجار والمجرور في موضع الحال من النبات { حتى إِذَا أَخَذَتِ الارض } أي استوفت واستكملت { زُخْرُفَهَا } أي حسنها وبهجتها { وازينت } بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة .

كأذيال خود أقبلت في غلائل . . . مصبغة والبعض أقصر من بعض

وقد ذكر غير واحد أن في الكلام استعارة بالكناية حيث شبهت الأرض بالعروس وحذف المشبه به وأقيم المشبه مقامه وإثبات أخذ الزخرف لها تخييل وما بعده ترشيح ، وقيل : الزخرف الذهب استعير للنضارة والمنظر الشار ، وأصل ازينت تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت فاجتلبت همزة وصل للتوصل للابتداء بالساكن ، وبالأصل قرأ عبد الله ، وقرأ الأعرج . والشعبي . وأبو العالية . ونصر بن عاصم . والحسن بخلاف { وازينت } بوزن أفعلت كأكرمت ، وكان قياسه أن يعل فيقلب ياؤه ألفاً فيقال أزانت لأنه المطرد في باب الأفعال المعتل العين لكنه ورد على خلافه كأغيلت المرأة إذا سقت ولدها الغيل وهو لبن حملها عليه وقد جاء أغالت على القياس .

ومعنى الأفعال هناك هنا الصيرورة أي صارت ذات زينة أو صيرت نفسها كذلك ، وقرأ أبو عثمان النهدي { *أزيأنت } بهمزة وصل بعدها زاي ساكنة وياء مفتوحة وهمزة كذلك ونون مشددة وتاء تأنيث ، وأصله ازيانت بوزن احمارت بألف صريحة فكرهوا اجتماع ساكنين فقلبوا الألف همزة مفتوحة كما قرىء { الضألين } [ الفاتحة : 7 ] وجاء أيضاً احمأرت بالهمزة كقوله :

إذا ما الهوادي بالعبيط حمأرت . . . وقرأ عوف بن جميل { *ازيانت } بألف من غير إبدال ، وقرىء { *ازاينت } لقصد المبالغة { وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } أي على الأرض ، والمراد ظنوا أنهم متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها ، وقيل : الكناية للزروع ، وقيل : للثمرة ، وقيل : للزينة لانفهام ذلك من الكلام { أَتَاهَا أَمْرُنَا } جواب { إِذَا } أي نزل بها ما قدرناه من العذاب وهو ضرب زرعها ما يجتاحه من الآفات والعاهات كالبرد . والجراد . والفأر . والصرصر . والسموم . وغير ذلك { لَيْلاً أَوْ نَهَارًا } أي في ليل أو في نهار ، ولعل المراد الإشارة إلى أنه لا فرق في إتيان العذاب بين زمن غفلتهم وزمن يقظتهم إذ لا يمنع منه مانع ولا يدفع عنه دافع { فَجَعَلْنَاهَا } أي فجعلنا نباتها { حَصِيداً } أي شبيهاً بما حصد من أصله ، والظاهر أن هذا من التشبيه لذكر الطرفين فيه فإن المحذوف في قوة المذكور ، وجوز أن يكون هناك استعارة مصرحة والأصل جعلنا نباتها هالكاً فشبه الهالك بالحصيد وأقيم اسم المشبه به مقامه ، ولا ينافيه تقدير المضاف كما توهم لأنه لم يشبه الزرع بالحصيد بل الهالك به .

وذهب السكاكي إلى أن في الكلام استعارة بالكناية حيث شبهت الأرض المزخرفة والمزينة بالنبات الناضر المونق الذي ورد عليه ما يزيله ويفنيه وجعل الحصيد تخيلاً ولا يخفى بعده { كَأَن لَّمْ تَغْنَ } أي كان لم يغن نباتها أي لم يمكث ولم يقم ، فتغن من غنى بالمكان إذا أقام ومكث فيه ومنه قيل للمنزل مغني ، وقد حذف المضاف في هذا وفيما قبله فانقلب الضمير المجرور منصوباً في أولهما ومرفوعاً مستتراً في الثاني ، واختير الحذف للمبالغة حيث أفاد ظاهر الكلام جعل الأرض نفسها حصيداً وكأنها نفسها لم تكن لتغيرها بتغير ما فيها ، وقد عطف بعضهم عليهما { عَلَيْهَا } لما أن التقدير فيه على نباتها فحذف المضاف وجر الضمير بعلى وليس بالبعيد خلا أن في كون الحذف للمبالغة أيضاً تردداً ، وقيل : ضمير { تَغْنَ } وما قبله يعودان على الزرع كما قيل في ضمير { عَلَيْهَا } وقيل : يعودان على الأرض ولا حذف بل يجعل التجوز في الإسناد . وأنت تعلم أن إرجاع الضمائر كلها للأرض ولو مع ارتكاب التجوز في الإسناد أولى من إرجاعها لغيرها كائناً ما كان . نعم إنه لا يمكن إرجاع الضمير إليها في قراءة الحسن { يُغْنِى } بالياء التحتية وجعل ذلك من قبيل ولا أرض أبقل أبقالها كما ترى فينبغي أن يرجع للنبات أو للزرع مثلاً ومآل المعنى كأن لم يكن نابتاً { بالامس } أي فيما قبل إتيان أمرنا بزمان قريب فإن الأمس مثل في ذلك ، والجملة التشبيهية جوز أن تكون في محل النصب على أنها حال وأن تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب جواباً لسؤال مقدر ، والممثل به في الآية ما يفهم من الكلام وهو زوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاماً لم يبق له أثر بعد ما كان غضاً طريقاً قد التف بعضه ببعض وازينت الأرض بأوالنه حتى طمع الناس وظنوا أنه قد سلم من الجوائح لا الماء وإن دخلته كاف التشبيه فإنه من التشبيه المركب مع اشتمال الكلام نفسه على أمور حقيقية وأمور مجازية فيها من اللطافة ما لا يخفى . وعن أبي أنه قرأ { كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالامس * وَمَا * أهلكناها * إِلا * بِذُنُوبِ * أَهْلِهَا } { كذلك } أي مثل ذلك التفصيل البديع { نُفَصّلُ الآيات } أي القرآنية التي من جملتها هذه الآية الجليلة الشأن المنبهة على أحوال الحياة الدنيا أي نوضحها ونبينها { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في معانيها ويقفون على حقائقها ، وتخصيصهم بالذكر لأنهم المنتفعون ، وجوز أن يراد بالآيات ما ذكر في أثناء التمثيل من الكائنات والفاسدات وبتفصيلها تصريفها على الترتيب المحكي إيجاداً وإعداماً فإنها آيات ما ذكر في أثناء التمثيل من الكائنات والفاسدات وبتفصيلها تصريفها على الترتيب المحكي إيجاداً وإعداماً فإنها آيات وعلامات يستدل بها المتفكر فيها على أحوال الحياة الدنيا حالاً ومآلاً والأول هو الظاهر .

وعن أبي مجلز أنه قال : كان مكتوباً إلى جنب هذه الآية فمحى { وَلَوْ أَنَّ لابن آدم واديان من مال لتمنى واديا ثالثا ولا يشبع نفس ابن آدم إلاالتراب ويتوب الله على من تاب .

ومن باب الإشارة :ثم إنه سبحانه مثل الحياة في سرعة زوالها وانصرام نعيمها غب إقبالها واغترار صاحبها بها بما أشار إليه سبحانه بقوله جل وعلا : { كَمَاء أنزلناه } [ يونس : 24 ] الخ وفيه إشارة إلى ما يعرض والعياذ بالله تعالى لمن سبقت شقاوته في الأزل من الحور بعد الكور فبينما تراه وأحواله حالية وأعوامه عن شوائب الكدر خالية وغصون أنسه متدلية ورياض قربه مونقة قلب الدهر له ظهر المجن وغزاه بجيوش المحن وهبت على هاتيك الرياض عاصفات القضاء وضاقت عليه فسيحات الفضاء وذهب السرور والأنس وجعل حصيداً كأن لم يغن بالأمس وأنشد لسان حاله :

قف بالديار فهذه آثارهم . . . نبكي الأحبة حشرة وتشوقاً

كم قد وقفت بهنا أسائل مخبرا . . . عن أهلها أو صادقاً أو مشفقاً

فأجابني داعي الهوى في رسمها . . . فارقت من تهوي فعز الملتقى