قوله تعالى { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم برح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق . يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا } كان هذا الكلام كلاما كليا لا ينكشف معناه تمام الانكشاف . إلا بذكر مثال كامل ، فذكر الله تعالى لنقل الإنسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثالا ، ولمكر الإنسان مثالا ، حتى تكون هذه الآية كالمفسرة للآية التي قبلها ، وذلك لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي .
واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود ، حصل له الفرح التام والمسرة القوية ، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة . فأولها : أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة . وثانيها : أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب . وثالثها : أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع ، وأن النجاة ليست متوقعة ، ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم ، والرعب الشديد ، وأيضا مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد الرعب ، والخوف ثم إن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته ، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق ، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعا إلى الله تعالى ، ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية العظيمة ، ونقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص والنجاة ، ففي الحال ينسى تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة ، فظهر أنه لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور في الآية المتقدمة بمثال أحسن وأكمل من المثال المذكور في هذه الآية .
المسألة الثانية : يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا على إثبات الصانع فقال : أخبرني عن حرفتك : فقال : أنا رجل أتجر في البحر ، فقال : صف لي كيفية حالك . فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها ، وجاءت الرياح العاصفة ، فقال جعفر : هل وجدت في قلبك تضرعا ودعاء . فقال نعم . فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت .
المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر { ينشركم } من النشر الذي هو خلاف الطي كأنه أخذه من قوله تعالى : { فانتشروا في الأرض } والباقون قرؤا { يسيركم } من التسيير .
المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد يجب أن يكون خلقا لله تعالى . قالوا : دلت هذه الآية على أن سير العباد من الله تعالى ، ودل قوله تعالى : { قل سيروا في الأرض } على أن سيرهم منهم ، وهذا يدل على أن سيرهم منهم ومن الله ، فيكون كسبيا لهم وخلقا لله . ونظيره قوله تعالى : { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } وقال في آية أخرى : { إذ أخرجه الذين كفروا } وقال في آية أخرى : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } ثم قال في آية أخرى { وأنه هو أضحك وأبكى } وقال في آية أخرى { وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى } قال الجبائي : أما كونه تعالى مسيرا لهم في البحر على الحقيقة فالأمر كذلك . وأما سيرهم في البر فإنما أضيف إلى الله تعالى على التوسيع . فما كان منه طاعة فبأمره وتسهيله ، وما كان منه معصية فلأنه تعالى هو الذي أقدره عليه . وزاد القاضي فيه يجوز أن يضاف ذلك إليه تعالى من حيث إنه تعالى سخر لهم المركب في البر ، وسخر لهم الأرض التي يتصرفون عليها بإمساكه لها ، لأنه تعالى لو لم يفعل ذلك لتعذر عليهم السير . وقال القفال : { هو الذي يسيركم في البر والبحر } أي هو الله الهادي لكم إلى السير في البر والبحر طلبا للمعاش لكم ، وهو المسير لكم ، لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير . هذا جملة ما قيل في الجواب عنه . ونحن نقول : لا شك أن المسير في البحر هو الله تعالى ، لأن الله تعالى هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السفينة ، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة . فنقول : وجب أيضا أن يكون مسيرا لهم في البر بهذا التفسير ، إذ لو كان مسيرا لهم في البر بمعنى إعطاء الآلات والأدوات لكان مجازا بهذا الوجه ، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازا دفعة واحدة ، وذلك باطل .
واعلم أن مذهب الجبائي أنه لامتناع في كون اللفظ حقيقة ومجازا بالنسبة إلى المعنى الواحد . وأما أبو هاشم فإنه يقول : إن ذلك ممتنع ، إلا أنه يقول : لا يبعد أن يقال إنه تعالى تكلم به مرتين .
واعلم أن قول الجبائي : قد أبطلناه في أصول الفقه ، وقول أبي هاشم أنه تعالى تكلم به مرتين أيضا بعيد . لأن هذا قول لم يقل به أحد من الأمة ممن كانوا قبله ، فكان هذا على خلاف الإجماع فيكون باطلا .
واعلم أنه بقي في هذه الآية سؤالات :
السؤال الأول : كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، مع أن الكون في الفلك متقدم لا محالة على التسيير في البحر ؟
والجواب : لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير ، بل تقدير الكلام كأنه قيل هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا .
السؤال الثاني : ما جواب { إذا } في قوله : { حتى إذا كنتم في الفلك } .
الجواب : هو أن جوابها هو قوله : { جاءتها ريح عاصف } ثم قال صاحب «الكشاف » :
وأما قوله : { دعوا الله } فهو بدل من { ظنوا } لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك . وقال بعض الأفاضل لو حمل قوله : { دعوا الله } على الاستئناف . كان أوضح ، كأنه لما قيل : { جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم } قال قائل فما صنعوا ؟ فقيل : { دعوا الله } .
السؤال الثالث : ما الفائدة في صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة ؟
الجواب فيه وجوه : الأول : قال صاحب «الكشاف » : المقصود هو المبالغة كأنه تعالى يذكر حالهم لغيرهم لتعجيبهم منها ، ويستدعى منهم مزيد الإنكار والتقبيح . الثاني : قال أبو علي الجبائي : إن مخاطبته تعالى لعباده ، هي على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام ، فهي بمنزلة الخبر عن الغائب . وكل من أقام الغائب مقام المخاطب ، حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب . الثالث : وهو الذي خطر بالبال في الحال ، أن الانتقال في الكلام من لفظ الغيبة إلى لفظ الحضور فإنه يدل على مزيد التقرب والإكرام . وأما ضده وهو الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة ، يدل على المقت والتبعيد .
أما الأول : فكما في سورة الفاتحة ، فإن قوله : { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم } كله مقام الغيبة ، ثم انتقل منها إلى قوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، وهو يوجب علو الدرجة ، وكمال القرب من خدمة رب العالمين .
وأما الثاني : فكما في هذه الآية ، لأن قوله : { حتى إذا كنتم في الفلك } خطاب الحضور ، وقوله : { وجرين بهم } مقام الغيبة ، فههنا انتقل من مقام الحضور إلى مقام الغيبة ، وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد ، وهو اللائق بحال هؤلاء ، لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان الله تعالى إليه بالكفران ، كان اللائق به ما ذكرناه .
السؤال الرابع : كم القيود المعتبرة في الشرط والقيود المعتبرة في الجزاء ؟
الجواب : أما القيود المعتبرة في الشرط فثلاثة : أولها : الكون في الفلك ، وثانيها : جري الفلك بالريح الطيبة ، وثالثها : فرحهم بها . وأما القيود المعتبرة في الجزاء فثلاثة أيضا : أولها : قوله : { جاءتها ريح عاصف } وفيه سؤالان :
السؤال الأول : الضمير في قوله : { جاءتها } عائد إلى الفلك وهو ضمير الواحد ، والضمير في قوله : { وجرين بهم } عائد إلى الفلك وهو الضمير الجمع ، فما السبب فيه ؟
الجواب عنه من وجهين : الأول : أنا لا نسلم أن الضمير في قوله : { جاءتها } عائد إلى الفلك ، بل نقول إنه عائد إلى الريح الطيبة المذكورة في قوله : { وجرين بهم بريح طيبة } الثاني : لو سلمنا ما ذكرتم إلا أن لفظ { الفلك } يصلح للواحد والجمع ، فحسن الضميران .
السؤال الثاني : ما العاطف . الجواب : قال القراء والزجاج : يقال ريح عاصف وعاصفة ، وقد عصفت عصوفا وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . قال الفراء : والألف لغة بني أسد ، ومعنى عصفت الريح اشتدت ، وأصل العصف السرعة ، يقال : ناقة عاصف وعصوف سريعة ، وإنما قيل { ريح عاصف } لأنه يراد ذات عصوف كما قيل : لابن وتامر أو لأجل أن لفظ الريح مذكر .
السؤال الخامس : فهو قوله : { وجاءهم الموج من كل مكان } والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر .
أما القيد الثالث : فهو قوله : { وظنوا أنهم أحيط بهم } والمراد أنهم ظنوا القرب من الهلاك ، وأصله أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد ، فقد دنوا من الهلاك .
السؤال الخامس : ما المراد من الإخلاص في قوله : { دعوا الله مخلصين له الدين } .
والجواب : قال ابن عباس : يريد تركوا الشرك ، ولم يشركوا به من آلهتهم شيئا ، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية . قال الحسن : { دعوا الله مخلصين } الإخلاص الإيمان ، لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله تعالى ، فيكون جاريا مجرى الإيمان الاضطراري . وقال ابن زيد : هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون ، فإذا جاء الضر والبلاء لم يدعوا إلا الله . وعن أبي عبيدة أن المراد من ذلك الدعاء قولهم أهيا شراهيا تفسيره يا حي يا قيوم .
السؤال السادس : ما الشيء المشار إليه بقوله هذه في قوله : { لئن أنجيتنا من هذه } ؟
والجواب المراد لئن أنجيتنا من هذه الريح العاصفة ، وقيل المراد لئن أنجيتنا من هذه الأمواج أو من هذه الشدائد ، وهذه الألفاظ وإن لم يسبق ذكرها ، إلا أنه سبق ذكر ما يدل عليها .
السؤال السابع : هل يحتاج في هذه الآية إلى إضمار ؟
الجواب : نعم ، والتقدير : دعوا الله مخلصين له الدين مريدين أن يقولوا لئن أنجيتنا ، ويمكن أن يقال : لا حاجة إلا الإضمار ، لأن قوله : { دعوا الله } يصير مفسرا بقوله : { لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين } فهم في الحقيقة ما قالوا إلا هذا القول .
{ هُوَ الذى يُسَيّرُكُمْ فِى البر والبحر } وهو على ما قيل كلام مستأنف مسوق لبيان جناية أخرى لهم مبنية على ما مر آنفاً من اختلاف حالهم بحسب اختلاف ما يعتريهم من الضراء . وعن أبي مسلم أنه تفسير لبعض ما أجمل في قوله سبحانه : { وَإِذَا أَذَقْنَا الناس } [ يونس : 21 ] الخ ، وهو قريب من قول الإمام أنه تعالى لما قال : { وَإِذَا أَذَقْنَا } الآية وهو كلام كلي ضرب لهم مثلاً بهذا ليتضح ويظهر ما هم عليه .
وزعم بعضهم أنه متصل بما تقدم من دلائل التوحيد فكأنه قيل : إلهكم الذي جعل الشمس ضياءاً والقمر نوراً و { هُوَ الذى يُسَيّرُكُمْ } الخ ، وأول التيسير بالحمل على السير والتمكين منه ، والداعي لذلك قيل : عدم صحة جعل قوله سبحانه : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك } غاية للتسيير في البحر مع أنه مقدم عليه وغاية الشيء لا بد أن تكون متأخرة عنه ، وبعد التأويل لا إشكال في جعل ما ذكر غاية لما قبله .
وقيل : هو دفع لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز وذلك لأن المسير في البحر هو الله تعالى إذ هو سبحانه المحدث لتلك الحركات في الفلك بالريح ولا دخل للعبد فيه بل في مقدماته ، وأما سير البر فمن الأفعال الاختيارية الصادرة من المخاطبين أنفسهم إن كانوا مشاة أو من دوابهم إن كانوا ركباناً وتسيير الله تعالى فيه إعطاء الآلات والأدوات ولزوم الجمع عليه ظاهر . ووجه الدفع أن المراد من التسيير ما ذكر وهو معنى مجازي شامل للحقيقة والمجاز .
وادعى بعضهم اتحاد التسيير في البر والبحر واستدل بالآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى . وتعقب بأنه تكلف . والزمخشري لم يؤول التسيير بما ذكرنا وجعل الغاية مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد حتى بما في حيزها كأنه قيل : يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكانت كيت وكيت من مجىء الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن للهلاك والدعاء بالإنجاء دون الكون في البحر ، وتعقب ذلك القطب بأنه لو جعل الكون في الفلك مع ما عطف عليه من قوله تعالى : { وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا } كفى ولم يحتج إلى اعتبار مجموع الشرط والجزاء ، ثم قال : والتحقيق أن الغاية إن فسرت بما ينتهي إليه الشيء بالذات فهي ليس إلا ما وقع شرطاً في مثل ذلك وإن فسرت بما ينتهي إليه الشيء مطلقاً سواء كان بالذات أو بالواسطة فهي مجموع الشرط والجزاء ، واستوضح ذلك من قولك : مشيت حتى إذا بلغت البلد اتجرت فإن ما انتهى إليه المشي بالذات الوصول إلى البلد وأما الاتجار فأمر مترتب على ذلك فيكون مما انتهى إليه المشي بالواسطة والتضعيف في { يَسِيرٌ } للتعدية تقول سار الرجل وسيرته ، وقال الفارسي : إن سار متعد كسير لأن العرب تقول سرت الرجل وسيرته بمعنى ، ومنه قول الهذلي :
فلا تجزعي من سنة أنت سرتها . . . فأول راض سنة من يسيرها
وقال في «الصحاح » : سارت الدابة وسارها صاحبها يتعدى ولا يتعدى وأنشد له هذا البيت ، وأوله النحويون حيث لم يرتضوا ذلك ، و { الفلك } السفن ومفرده وجمعه واحد وتغاير الحركات بينهما اعتباري ، وفي «الصحاح » أنه واحد وجمع يذكر ويؤنث وكأن ذلك باعتبار المركب والسفينة ، وكان سيبويه يقول : الفلك التي هي جمع تكسير للفلك الذي هو واحد وليست مثل الجنب الذي هو واحد وجمع والطفل وما أشبههما من الأسماء لأن فعلاً وفعلاً يشتركان في الشيء الواحد مثل العرب والعرب والعجم والعجم والرهب والرهب فحيث جاز أن يجمع فعل على فعل مثل أسد وأسد لم يمتنع أن يجمع فعل على فعل ، وضمير { *جرين } للفلك وضمير { نَخْسِفْ بِهِمُ } لمن فيها وهو التفات للمبالغة في تقبيح حالهم كأنه أعرض عن خطابهم وحكى لغيرهم سوء صنيعهم ، وقيل : لا التفات بل معنى قوله سبحانه : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك } حتى إذا كان بعضكم فيها إذ الخطاب للكل ومنهم المسيرون في البر فالضمير الغائب عائد إلى ذلك المضاف المقدر كما في قوله تعالى : { أَوْ كظلمات فِى بَحْرٍ لُّجّىّ يغشاه مَوْجٌ } [ النور : 40 ] فإنه في تقدير أو كذي ظلمات يغشاه موج ، والباء الأولى للتعدية والثانية وكذا الثالثة للسببية فلذا تعلق الحرفان بمتعلق واحد ، وإلا فقد منعوا تعلق حرفين بمعنى بمتعلق واحد ، واعتبار تعلق الثاني بعد تعلق الأول به وملاحظته معه يزيل اتحاد المتعلق .
وجوز أن تكون الثانية للحال أي جرين بهم ملتبسة بريح فتتعلق بمحذوف كما في البحر ، وقد تجعل الأولى للملابسة أيضاً { وَفَرِحُواْ } عطف على { *جرين } هو عطف على { إِن كُنتُمْ } وقد تجعل حالاً بتقدير قد وضمير { بِهَا } للريح ونقل الطبرسي القول برجوعه للفلك ولا يكاد يجري به القلم ، والمراد بطيبة حسبما يقتضيه المقام لينة الهبوب موافقة المقصد .
وظاهر الآية على ما نقل عن الإما يقتضي أن راكب السفينة متحرك بحركتها خلافاً لمن قال : إنه ساكن ، ولا وجه كما قال بعض المحققين لهذا الخلاف فإنه ساكن بالذات سائر بالواسطة . وقرأ ابن عامر { *ينشركم } بالنون والشين المعجمة والراء المهملة من النشر ضد الطي أي يفرقكم ويبثكم ، وقرأ الحسن { *ينشركم } من أنسر بمعنى أحيا . وقرأ بعض الشاميين { *ينشركم } بالتشديد للتكثير من النشر أيضاً ، وعن أم الدرداء أنها قرأت { فِى } بزيادة ياءي النسب ، ووجه ذلك بأنهما زائدتان كما في الخارجي والأحمري ولا اختصاص لذلك في الصفات لمجىء دودوي وأنا الصلتاني في قول الصلتان ، ويجوز أن يراد به اللج والماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه ، وقوله سبحانه : { بِهَا جَاءتْهَا } جواب { إِذَا } والضمير المنصوب للفلك أو للريح الطيبة على معنى تلقتها واستولت عليها من طرف مخالف لها فإن الهبوب على وفقها لا يسمى على ما قيل مجيئاً لريح أخرى عادة بل هو اشتداد للريح الأولى ، ورجح الثاني بأنه الأظهر لاستلزامه للأول من غير عكس لأن الهبوب على طريقة الريح اللينة يعد مجيئاً بالنسبة إلى الفلك دون الريح اللينة مع أنه لا يستتبع تلاطم لأمواج الموجب لمجيئها من كل مكان ولأن التهويل في بيان استيلائها على ما فرحوا به وعلقوا به حبال رجائهم أكثر وفيه تأمل { رِيحٌ عَاصِفٌ } أي ذات عصف فهو من باب النسب كلابن وتامر ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث كما صرحوا به فلذا لم يقل عاصفة مع أن الريح مؤنثة لا تذكر بدون تأويل .
وقيل : لم يقل عاصفة لأن العصوف مختص بالريح كحائض فلا حاجة إلى الفارق أو أنه اعتبر التذكير في الريح كما اعتبر فيها التأنيث والأولى ما قدمناه ، وأصل العصف الكسر والنبات المتكسر والمراد شديدة الهبوب { وَجَاءهُمُ الموج } وهو ما علا وارتفع من اضطراب الماء ، وقيل : هو اضطراب البحر والأول هو المشهور { مّن كُلّ مَكَانٍ } أي من أمكنة مجىء الموج عادة وقد يتفق مجيئه من جهات حسب أسباب تتفق لذلك { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أي أهلكوا كما رواه ابن المنذر عن ابن جريج ، ففي الكلام استعارة تبعية ، وقيل : إن الإحاطة استعارة لسد مسالك الخلاص تشبيهاً له بإحاطة العدو بإنسان ثم كنى بتلك الاستعارة عن الهلاك لكونها من روادفها ولوازمها .
وقيل : إن ذلك مثل في الهلاك ، والظن على ما يتبادر منه ، وجوز أن يكون بمعنى اليقين بناءً على تحقق وقوعه في اعتقادهم أو كون الكناية عن القرب من الهلاك { دَّعَوَا الله } جعله غير واحد بدل اشتمال من ظنوا لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فبينهما ملابسة تصحح البدلية ، وقيل : هو جواب ما اشتمل عليه المعنى من معنى الشرط أي لما ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله الخ .
وجعله أبو حيان استئنافاً بيانياً كأنه قيل : فماذا كان حالهم إذ ذاك ؟ فقيل : دعوا الخ ، ورجح القول بالبدل عليه بأنه أدخل في اتصال الكلام . والدلالة عن كونه المقصود مع إفادته ما يستفاد من الاستئناف مع الاستغناء عن تقدير السؤال . وأنت تعلم أن تقدير السؤال ليس تقديراً حقيقياً بل أمر اعتباري وفيه من الإيجاز ما فيه وليس بأبعد مما تكلف للبدلية ، ويشعر كلام بعضهم جواز كونه جواب الشرط و { جَاءتْهَا } في موضع الحال كقوله تعالى : { فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك دَعَوُاْ الله } [ العنكبوت : 65 ] الآية ، وتعقب بأن الاحتياج إلى الجواب يقتضي صرف ما يصلح له إليه لا إلى الحال الفضلة المفتقرة إلى تقدير قد مع أن عطف { وَظَنُّواْ } على { جَاءتْهَا } يأبى الحالية والفرح بالريح الطيبة لا يكون حال مجىء العاصفة والمعنى على تحقق المجىء لا على تقديره ليجعل حالاً مقدرة ولا يخلو عن حسن ، والظاهر أن ما عده مانعاً من الحالية غير مشترك بينه وبين كونه جواب { إِذَا } لأنه يقتضي أنهما في زمان واحد كما لا يخفى على من له أدنى معرفة بأساليب الكلام ، وقوله سبحانه : { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } حال من ضمير { دَّعَوَا } و { لَهُ } متعلق بمخلصين و { الدين } مفعوله أي دعوه تعالى من غير إشراك لرجوعهم من شدة الخوف إلى الفطرة التي جبل عليها كل أحد من التوحيد وأنه لا متصرف إلا الله سبحانه المركوزفي طبائع العالم وروي ذلك عن ابن عباس .
ومن حديث أخرجه أبو داود . والنسائي . وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال : «لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبي جهل فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً فقال عكرمة : لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره اللهم أن لك عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفواً كريماً قال فجاء فأسلم » . وفي رواية ابن سعد عن أبي مليكة «أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله تعالى ويوحدونه قال : ما هذا ؟ فقالوا : هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله تعالى قال : فهذا له محمد صلى الله عليه وسلم الذي يدعونا إليه فارجعوا بنا فرجع . وأسلم » . وظاهر الآية أنه ليس المراد تخصيص الدعاء فقط به سبحانه بل تخصيص العبادة به تعالى أيضاً لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين .
وأياً ما كان فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال ، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع فمنهم من يدعو الخضر والياس ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة ولا ترى فيهم أحداً يخص مولاه بتضرعه ودعاه ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال فبالله تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلاً وأي الداعيين أقوم قيلاً ؟ وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة وتلاطمت أمواج الضلالة وخرقت سفينة الشريعة واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف ، هذا وقوله تعالى : { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } في محل نصب بقول مقدر عند البصريين وهو حال من الضمير السابق ، ومذهب الكوفيين إجراء الدعاء مجرى القول لأنه من أنواعه وجعل الجملة محكية به والأول هو الأولى هنا ، واللام موطئة لقسم مقدر و { لَنَكُونَنَّ } جوابه . والمشار إليه بهذه الحال التي هم فيها أي والله لئن أنجيتنا مما نحن فيه من الشدة لنكونن البتة بعد ذلك أبداً شاكرين لنعمك التي من جملتها هذه النعمة المسؤولة ، والعدول عن لنشكرن إلى ما فيي النظم الجليل للمبالغة في الدلالة على الثبوت في الشكر والمثابرة عليه .
ومن باب الإشارة :{ هُوَ الذي يُسَيّرُكُمْ في البر والبحر } أي يسير نفوسكم في بر المجاهدات وقلوبكم في بحر المشاهدات ، وقيل : يسير عقولكم في بر الأفعال وأرواحكم في بحر الصفات والذات { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك } أي فلك العناية الأزلية { وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } وهي ريح صبا وصاله سبحانه { وَفَرِحُواْ بِهَا } لإيذانها بذلك وتعطرها بشذا ديار الأنس ومرابع القدس :
ألا يا نسيم الريح مالك كلما . . . تقربت منا زاد نشرك طيبا
أظن سليمى خبرت بسقامنا . . . فأعطتك رياها فجئت طبيباً
{ جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ } وذلك عاصف القهر وأمواج صفات الجلال ، وهذه سنة جارية في العاشقين لا يستمر لهم حال ولا يدوم لهم وصال ، ولله در من قال :
فبتنا على رغم الحسود وبيننا . . . شراب كريح المسك شيب به الخمر
فوسدتها كفى وبت ضجيعها . . . وقلت لليلى طل فقد رقد البدر
فلما أضاء الصبح فرق بيننا . . . وأي نعيم لا يكدره الدهر
{ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أي أنهم من الهالكين في تلك الأمواج { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } بالتبري من غير الله تعالى قائلين { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } [ يونس : 22 ] لك بك
ومن باب الإشارة :وقال ابن عطاء في الآية { حتى إِذَا رَكِبُواْ } مراكب المعرفة وجرت بهم رياح العناية وطابت نفوسهم وقلوبهم بذلك وفرحوا بتوجههم إلى مقصودهم { جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ } أفنتهم عن أحوالهم وإرادتهم { وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أي تيقنوا أنهم مأخوذون عنهم ولم يبق لهم ولا عليهم صفة يرجعون إليها وأن الحق خصهم من بين عباده بأن سلبهم عنهم { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ يونس : 22 ] حيث صفى سبحانه أسرارهم وطهرها مما سواه