قوله تعالى { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون }
المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الحجة الثالثة ، واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ، ثم بالهداية ثانيا ، عادة مطردة في القرآن ، فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال : { الذي خلقني فهو يهدين } وعن موسى عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال : { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } ، وأمر محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : { سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } وهو في الحقيقة دليل شريف ، لأن الإنسان له جسد وله روح ، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضا لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى ، وهو قوله : { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية .
واعلم أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح ، كما قال تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد ، وإنما أعطى الحواس لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم ، وأيضا فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة ، أما الأحوال الروحانية والمعارف الإلهية ، فإنها كمالات باقية أبد الآباد مصونة عن الكون والفساد ، فعلمنا أن الخلق تبع للهداية ، والمقصود الأشرف الأعلى- حصول الهداية .
إذا ثبت هذا فنقول : العقول مضطربة والحق صعب ، والأفكار مختلطة ، ولم يسلم من الغلط إلا الأقلون ، فوجب أن الهداية وإدراك الحق لا يكون إلا بإعانة الله سبحانه وتعالى وهدايته وإرشاده ، ولصعوبة هذا الأمر قال الكليم عليه السلام بعد استماع الكلام القديم { رب اشرح لي صدري } وكل الخلق يطلبون الهداية ويحترزون عن الضلالة ، مع أن الأكثرين وقعوا في الضلالة ، وكل ذلك يدل على أن حصول الهداية والعلم والمعرفة ليس إلا من الله تعالى .
إذا عرفت هذا فنقول : الهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق ، وإما أن تكون عبارة عن تحصيل تلك المعرفة وعلى التقديرين فقد دللنا على أنها أشرف المراتب البشرية وأعلى السعادات الحقيقية ، ودللنا على أنها ليست إلا من الله تعالى . وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق ولا في الإرشاد إلى الصدق ، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة ، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد ، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك ، وإذا كان كذلك كان الاشتغال بعبادتها جهلا محضا وسفها صرفا ، فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال .
المسألة الثانية : قال الزجاج : يقال هديت إلى الحق ، وهديت للحق بمعنى واحد ، والله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله : { قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق } .
المسألة الثالثة : في قوله : { أم من لا يهدى } ست قراءات : الأول : قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع { يهدى } بفتح الياء والهاء وتشديد الدال ، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم ، لأن أصله يهتدي أدغمت التاء في الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء . الثانية : قرأ نافع ساكنة الهاء مشددة الدال أدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على حالها ، فجمع في قراءته بين ساكنين كما جمعوا في { يخصمون } قال علي بن عيسى وهو غلط على نافع . الثالثة : قرأ أبو عمرو بالإشارة إلى فتحة الهاء من غير إشباع فهو بين الفتح والجزم مختلسة على أصل مذهبه اختيارا للتخفيف ، وذكر علي بن عيسى أنه الصحيح من قراءة نافع . الرابعة : قرأ عاصم بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال فرارا من التقاء الساكنين ، والجزم يحرك بالكسر . الخامسة : قرأ حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء أتبع الكسرة للكسرة . وقيل : هو لغة من قرأ { نستعين ونعبد } السادسة : قرأ حمزة والكسائي { يهدي } ساكنة الهاء وبتخفيف الدال على معنى يهتدي . والعرب تقول : يهدي ، بمعنى يهتدي . يقال : هديته فهدى ، أي اهتدى .
المسألة الرابعة : في لفظ الآية إشكال ، وهو أن المراد من الشركاء في هذه الآية الأصنام وأنها جمادات لا تقبل الهداية ، فقوله : { أم من لا يهدي إلا أن يهدى } لا يليق بها .
والجواب من وجوه : الأول : لا يبعد أن يكون المراد من قوله : { قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده } هو الأصنام . والمراد من قوله : { قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق } رؤساء الكفر والضلالة والدعاة إليها . والدليل عليه قوله سبحانه : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } إلى قوله : { لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } والمراد أن الله سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين الحق بواسطة ما أظهر من الدلائل العقلية والنقلية . وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله تعالى ، فكان التمسك بدين الله تعالى أولى من قبول قول هؤلاء الجهال .
الوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إن القوم لما اتخذوها آلهة ، لا جرم عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويعقل ، ألا ترى أنه تعالى قال : { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } مع أنها جمادات وقال : { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } فأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ويعلم . فكذا ههنا وصفهم الله تعالى بصفة من يعقل ، وإن لم يكن الأمر كذلك ، الثالث : أنا نحمل ذلك على التقدير ، يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدي ، فإنها لا تهدي غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها ، وإذا حملنا الكلام على هذا التقدير فقد زال السؤال . الرابع : أن البنية عندنا ليست شرطا لصحة الحياة والعقل ، فتلك الأصنام حال كونها خشبا وحجرا قابلة للحياة والعقل ، وعلى هذا التقدير فيصح من الله تعالى أن يجعلها حية عاقلة . ثم إنها تشتغل بهداية الغير . الخامس : أن الهدى عبارة عن النقل والحركة يقال : هديت المرأة إلى زوجها هدى ، إذا نقلت إليه ، والهدى ما يهدي إلى الحرم من النعم ، وسميت الهدية هدية لانتقالها من رجل إلى غيره ، وجاء فلان يهادى بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { أم من لا يهدي إلا أن يهدى } يحتمل أن يكون معناه أنه لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه ، وعلى هذا التقدير : فالمراد الإشارة إلى كون هذه الأصنام جمادات خالية عن الحياة والقدرة . واعلم أنه تعالى لما قرر على الكفار هذه الحجة الظاهرة قال : { فما لكم كيف تحكمون } يعجب من مذهبهم الفاسد ومقالتهم الباطلة أرباب العقول .
{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق } احتجاج آخر على ما ذكر جىء به إلزاماً غب إلزام وإفحاماً إثر إفحام . وفصله إيذاناً بفضله واستقلاله في إثبات المطلوب كما في سابقه .
والمراد هل من يهدي إلى الحق بإعطاء العقل وبعثة الرسل وإنزال الكتب والتوفيق إلى النظر والتدبر بما نصب في الآفاق والأنفس إلى غير ذلك الله سبحانه أم الشركاء ؟ . ومنهم من يبقى الكلام على ما يتبادر منه كما سمعت فيما قبل ، ومن الناس من خصص طريق الهداية ، والتعميم أوفق بما يقتضيه المقام من كمال التبكيت والإلزام كما لا يخفى { قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ } أي هو سبحانه يهدي له دون غيره جل شأنه ، والكلام في الأمر على طرز ما سبق ، وفعل الهداية يتعدى إلى اثنين ثانيهما بواسطة وهي إلى أو اللام وقد يتعدى لهما بنفسه وهو لغة على ما قيل كاستعماله قاصراً بمعنى اهتدى ، والمبرد أنكر هذا حيث قال : إن هدى بمعنى اهتدى لا يعرف لكن لم يتابعه على ذلك الحفاظ كالفراء وغيره ، وقد جمع هنا بين صلتيه إلى واللام تفننا وإشارة بإلى إلى معنى الانتهاء وباللام للدلالة على أن المنتهى غاية للهداية وأنها لم تتوجه إليه على سبيل الاتفاق بل على قصد من الفعل وجعله ثمرة له ولذلك عدى بها ما أسند إليه سبحانه كما ترى ، وأما قوله تعالى : { أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق } فالمقصود به التعميم وإن كان الفاعل في الواقع هو الله جل شأنه .
وقيل : اللام هنا للاختصاص والجمهور على الأول ، والمفعول محذوف في المواضع الثلاثة ، وجواز اللزوم في الأول مما لا يلتفت إليه ، ويقدر فيها على طرز واحد كالشخص ونحوه ، وقيل : التقدير قل هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق قل الله يهدي من يشاء إلى الحق أفمن يهدي غيره إلى الحق { أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى } بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال وهي قراءة يعقوب . وحفص ، وأصله يهتدي وكسر الهاء لالتقاء الساكنين . وقرأ حماد . ويحيى عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء والتشديد وكسرت الياء اتباعاً للهاء ، وكان سيبويه يرى جواز كسر حرف المضارعة لغة إلا الياء لثقل الكسرة عليها وهذه القراءة حجة عليه . وقرأ ابن كثير . وورش عن نافع . وابن عامر بفتح الياء والهاء والتشديد والأصل يهتدي فنقلت فتحة التاء إلى الهاء قبلها ثم قلبت دالاً لقرب مخرجهما وأدغمت فيها . وقرأ أبو عمرو . وقالون عن نافع كذلك لكنه اختلس فتحة الهاء تنبيهاً على أن الحركة فيها عارضة ، وفي بعض الطرق عن أبي عمرو أنه قرأ بالإدغام المجرد عن نقل الحركة إلى ما قبلها أو التحريك بالكسر لالتقاء الساكنين .
واستشكل ذلك بأن فيه الجمع بين الساكنين ولذا قال المبرد : من رام هذا لا بد أن يحرك حركة خفيفة قال ابن النحاس إذ بدونه لا يمكن النطق ، وذكر القاضي أنه لم يبال بالتقاء الساكنين لأن المدغم في حكم المتحرك ، وأنكر بعضهم هذه القراءة وادعى أنه إنما قرأ بالاختلاس ، والحق أنه قرأ بهما وروي ذلك عن نافع أيضاً وتفصيله في لطائف الإشارات والطيبة .
وقرأ حمزة . والكسائي { يَهْدِى } كيرمي ، وهو إما لازم بمعنى يهتدي كما هو أحد استعمالات فعل الهداية على المعول عليه كما علمت آنفاً أو متعد أي لا يهدي غيره ، ورجح هذا بأنه الأوفق بما قبل فإن المفهوم منه نفي الهداية لا الاهتداء ، وقد يرجح الأول بأن فيه توافق القراءات معنى وتوافقها خير من تخالفها ، وإنما نفى الاهتداء مع أن المفهوم مما سبق نفي الهداية كما ذكر لما أن نفيها مستتبع لنفيه غالباً فإن من اهتدى إلى الحق لا يخلو عن هداية غيره في الجملة وأدناها كونه قدوة له بأن يراه فيسلك مسلكه ، والفاء لترتيب الاستفهام على ما سبق كأنه قيل : إذا كان الأمر كذلك فأنا أسألكم أمن يهدي إلى الحق الخ . ، والمقصود من ذلك الإلزام ، والهمزة على هذا متأخرة في الاعتبار وإنما قدمت في الذكر لإظهار عراقتها في اقتضاء الصدارة كما هو المشهور عند الجمهور .
وصيغة التفضيل إما على حقيقتها والمفضل عليه محذوف كما اختاره مكي والتقدير أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ممن لا يهدي أم من لا يهدي أحق ، وإما بمعنى حقيق كما اختاره أبو حيان ، وهو خبر عن الموصول ، والفصل بالخبر بين أم وما عطفت عليه هو الأفصح كما قال السمين ، وقد لا يفصل كما في قوله سبحانه : { أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } [ الأنبياء : 109 ] والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير ، و { أَن يُتَّبَعَ } في حيز النصب أو الجر بعد حذف الجار على الخلاف المعروف في مثله أو بأن يتبع { إِلاَّ أَن يهدى } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يهتدي أو لا يهدي غيره في حال من الأحوال إلا حال هدايته تعالى له إلى الاهتداء أو إلى هداية الغير ، وهذا على ما قاله جمع حال أشراف شركائهم كالمسيح وعزير والملائكة عليهم السلام دون الأوثان لأن الاهتداء الذي هو قبول الهداية وهداية الغير مختصان بذوي العلم فلا يتصور فيها . وأخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ . وغيرهما أن المراد الأوثان ؛ ووجه ذلك بأنه جار على تنزيلهم لها منزلة ذوي العلم ، وقيل : المعنى أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينقل إليه إلا أن ينقل إليه أو إلا أن ينقله الله تعالى من حاله إلى أن يجعله حيواناً مكلفاً فيهديه وهو من قولك : هديت المرأة إلى زوجها وقد هديت إليه وقيل : الآية الأولى
{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } [ يونس : 34 ] في الأصنام أو فيما يعمهم ونحو الملائكة عليهم السلام وهذه في رؤساء الضلالة كالأحبار والرهبان الذين اتخذوا أرباباً من دون الله وليس بالعيد فيما أرى ، ويؤيده التعبير بالاتباع فإنه يقتضي العمل بأوامرهم والاجتناب عن نواهيهم وهذا لا يعقل في الأوثان إلا بتكلف ، وهو وإن عقل في أشراف شركائهم لكنهم لا يدعون إلا إلى خير واتباعهم في ذلك لا ينعى على أحدهم اللهم إلا أن يقال : إن المشركين تقولوا عليهم أوامر ونواهي فنعى عليهم اتباعهم لهم في ذلك ، وعبر بالاتباع ولم يعبر بالعبادة بأن يقال : أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يعبد أم من لا يهدي إلا أن يهدى مع أن الآية متضمنة إبطال صحة عبادتهم من حيث أنهم لا يهدون وأدنى مراتب العبودية هداية المعبود لعبدته إلى ما فيه صلاح أمرهم مبالغة في تفظيع حال عبادتهم لأنه إذا لم يحسن الاتباع لم تحسن العبادة بالطريق الأولى وإذا قبح حال ذاك فحال هذه أقبح والله تعالى أعلم . وقرىء إلا أن { يَهْدِى } مجهولاً مشدداً دلالة على المبالغة في الهداية { *فَمَالَكُمْ } أي أي شيء لكم في اتخاذ هؤلاء العاجزين شركاء لله سبحانه وتعالى ، والكلام مبتدأ وخبر والاستفهام للإنكار والتعجب .
وعن بعض النحاة أن مثل هذا التركيب لا يتم بدون حال بعده نحو قوله تعالى : { فَمَا لَكُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] فلعل الحال هنا محذوف لظهوره كأنه قيل : فما لكم متخذين هؤلاء شركاء ولا يصح أن يكون قوله عز وجل : { كَيْفَ تَحْكُمُونَ } في موضع الحال لأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالاً بل هو استفهام آخر للإنكار والتعجب أيضاً أي كيف تحكمون بالباطل الذي يأباه صريح العقل ويحكم ببطلانه من اتخاذ الشركاء لله جل وعلا ، والفاء لترتيب الإنكار على ما ظهر من وجوب اتباع الهادي .