مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء :

أولها : قوله : { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به } إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئا كما قال تعالى : { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } وبتقدير : أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } وقال في صفة هذا اليوم { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } وثانيها : قوله : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب }

واعلم أن قوله : { وأسروا الندامة } جاء على لفظ الماضي ، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع ، جعل الله مستقبلها كالماضي ، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد ، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر . وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره .

إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد منه إخفاء تلك الندامة ، والسبب في هذا الإخفاء وجوه : الأول : أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين ، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتا متحيرا لا ينطق بكلمة . الثاني : أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم ، وخوفا من توبيخهم .

فإن قيل : إن مهابة ذلك الموقف تمنع الإنسان عن هذا التدبير فكيف قدموا عليه .

قلنا : إن هذا الكتمان إنما يحصل قبل الاحتراق بالنار ، فإذا احترقوا تركوا هذا الإخفاء وأظهروه بدليل قوله تعالى : { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } الثالث : أنهم أسروا تلك الندامة لأنهم اخلصوا لله في تلك الندامة ، ومن أخلص في الدعاء أسره ، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم يعني أنهم لما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ولم ينفعهم ، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف ، وأما من فسر الإسرار بالإظهار فقوله : ظاهر لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة ، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب الإظهار . وثالثها : قوله تعالى : { وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } فقيل بين المؤمنين والكافرين ، وقيل بين الرؤساء والأتباع ، وقيل بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم .

واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لا بد وأن يقضي الله تعالى بينهم لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضا في الدنيا وخانه ، فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم ، وتثقيل لعذاب الباقين ، لأن العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين ، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

{ وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } أي بالكفر أو بالتعدي على الغير أو غير ذلك من أصناف الظلم كذا قيل ، وربما يقتصر على الأول لأنه الفرد الكامل مع أن الكلام في حق الكفار و { لَوْ } قيل بمعنى أن وقيل على ظاهرها واستبعد ولا أراه بعيداً { مَّا فِى الارض } أي ما في الدنيا من خزائنها وأموالها ومنافعها قاطبعة { لاَفْتَدَتْ بِهِ } أي لجعلته فدية لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه فالمفعول محذوف أي لافتدت نفسها به .

وجوز أن يكون افتدى لازماً على أنه مطاوع فدى المتعدي يقال فداه فافتدى ، وتعقب بأنه غير مناسب للسياق إذ المتبادر منه أن غيره فداه لأن معناه قبلت الفدية والقابل غير الفاعل ، ونظر فيه بأنه قد يتحد القابل والفاعل إذا فدى نفسه نعم المتبادر الأول { وَأَسَرُّواْ } أي النفوس المدلول عليها بكل نفس ، والعدول إلى صيغة الجمع لإفادة تهويل الخطب بكون الإسرار بطريق المعية والاجتماع ، وإيثار صيغة جمع المذكر لحمل لفظ النفس على الشخص أو لتغليب ذكور مدلوله على إناثه ، والإسرار الإخفاء أي أخفوا { الندامة } أي الغم والأسف على ما فعلوا من الظلم ، والمراد إخفاء آثارها كالبكاء وعض اليد وإلا فهي من الأمور الباطنة التي لا تكون إلا سراً وذلك لشدة حيرتهم وبهتهم { لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } أي عند معاينتهم من فظاعة الحال وشدة الأهوال ما لم يمر لهم ببال ، فأشبه حالهم حال المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من الخطب ويغلب حتى لا يستطيع التفوه ببنت شفة ويبقى جامداً مبهوتاً ، وقيل : المراد بالإسرار الإخلاص أي أخلصوا الندامة وذلك إما لأن إخفاءها إخلاصها وإما من قولهم : سر الشيء لخالصه الذي من شأنه أن يخفى ويصان ويضن به وفيه تهكم بهم : وقال أبو عبيدة . والجبائي : إن الأسرار هنا بمعنى الإظهار . وفي «الصحاح » أسررت الشيء كتمته وأعلنته أيضاً وهو من الأضداد ، والوجهان جميعاً يفسران في قوله تعالى : { وَأَسَرُّواْ الندامة } وكذلك في قول امرىء القيس

: لو يسرون مقتلي . . . انتهى وفي «القاموس » أيضاً أسره كتمه وأظهره ضد ، وفيه اختلاف اللغويين فإن الأزهري منهم ادعى أن استعمال أسر بمعنى أظهر غلط وأن المستعمل بذلك المعنى هو أشر بالشين المعجمة لا غير . ولعله قد غلط في الغليط ، وعليه فالإظهار أيضاً باعتبار الآثار على ما لا يخفى .

وجوز بعضهم أن يكون المراد بالإسرار الإخفاء إلا أن المراد من ضمير الجمع الرؤساء أي أخفى رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم ، وفيه أن ضمير { أَسَرُّواْ } عام لا قرينة على تخصيصه على أن هول الموقف أشد من أن يتفكر معه في أمثال ذلك ، وجملة { أَسَرُّواْ } مستأنفة على الظاهر وقيل : حال بتقدير قد ، و { لَّمّاً } على سائر الأوجه بمعنى حين منصوب بأسروا ، وجوز أن يكون للشرط والجواب محذوف على الصحيح لدلالة ما تقدم عليه أي لما رأوا العذاب أسروا الندامة { وَقُضِىَ } أي حكم وفصل { بَيْنَهُمْ } أي بين النفوس الظالمة { بالقسط } أي بالعدل { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أصلاً لأنه لا يفعل بهم إلا ما يقتضيه استعدادهم ، وقيل : ضمير { بَيْنَهُمْ } للظالمين السابقين في قوله سبحانه : { وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } والمظلومين الذين ظلموهم وإن لم يجر لهم ذكر لكن الظلم يدل بمفهومه عليهم وتخصيص الظلم بالتعدي ، والمعنى وقعت الحكومة بين الظالمين والمظلومين وعومل كل منهما بما يليق به .

وأنت تعلم أن المقام لا يساعد على ذلك لأنه إن لم يقتض حمل الظلم على أعظم أفراده وهو الشرك فلا أقل من أنه يقتضي حمله على ما يدخل ذلك فيه دخولاً أولياً ، والظاهر أن جملة { قَضَى } مستأنفة ، وجوز أن تكون معطوفة على جملة { رَأَوْاْ } فتكون داخلة في حيز لما .