مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ} (61)

قوله تعالى { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء أصغر من ذلك ولا أكبر في كتاب مبين }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه لما أطال الكلام في أمر الرسول بإيراد الدلائل على فساد مذاهب الكفار ، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم ، وفي أمره بتحمل أذاهم ، وبالرفق معهم ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور للمطيعين ، وتمام الخوف والفزع للمذنبين ، وهو كونه سبحانه عالما بعمل كل واحد ، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف ، فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه نسكا وطاعة وزهدا وتقوى ، ويكون باطنه مملوءا من الخبث وربما كان بالعكس من ذلك . فإذا كان الحق سبحانه عالما بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع السرور للمطيعين ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين .

المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى خصص الرسول في أول هذه الآية بالخطاب في أمرين ، ثم أتبع ذلك بتعميم الخطاب مع كل المكلفين في شيء واحد ، أما الأمران المخصوصان بالرسول عليه الصلاة والسلام . فالأول : منهما قوله : { وما تكون في شأن } واعلم أن { ما } ههنا جحد والشأن الخطب والجمع الشؤون ، تقول العرب ما شأن فلان أي ما حاله . قال الأخفش : وتقول ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله ، وفيه وجهان : قال ابن عباس : وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر وقال الحسن : في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها . والثاني : منهما قوله تعالى : { وما نتلوا منه من قرآن } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { منه } إلى ماذا يعود ؟ وذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول : أنه راجع إلى الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو معظم شأنه ، وعلى هذا التقدير ، فكان هذا داخلا تحت قوله : { وما تكون في شأن } إلا أنه خصه بالذكر تنبيها على علو مرتبته ، كما في قوله تعالى : { وملائكته ورسله وجبريل وميكال } وكما في قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم } الثاني : أن هذا الضمير عائد إلى القرآن والتقدير : وما تتلو من القرآن من قرآن ، وذلك لأن كما أن القرآن اسم للمجموع ، فكذلك هو اسم لكل جزء من أجزاء القرآن والإضمار قبل الذكر ، يدل على التعظيم . الثالث : أن يكون التقدير : وما تتلو من قرآن من الله أي نازل من عند الله ، وأقول : قوله : { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن } أمران مخصوصان بالرسول صلى الله عليه وسلم .

وأما قوله : { ولا تعملون من عمل } فهذا خطاب مع النبي ومع جميع الأمة . والسبب في أن خص الرسول بالخطاب أولا ، ثم عمم الخطاب مع الكل ، هو أن قوله : { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرءان } وإن كان بحسب الظاهر خطابا مختصا بالرسول ، إلا أن الأمة داخلون فيه ومرادون منه ، لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب . والدليل عليه قوله تعالى { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } ثم إنه تعالى بعد أن خص الرسول بذينك الخطابين عمم الكل بالخطاب الثالث فقال { ولا تعملون من عمل } فدل ذلك على كونهم داخلين في الخطابين الأولين .

ثم قال تعالى : { إلا كنا عليكم شهودا } وذلك لأن الله تعالى شاهد على كل شيء ، وعالم بكل شيء ، أما على أصول أهل السنة والجماعة ، فالأمر فيه ظاهر ، لأنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى . فكل ما يدخل في الوجود من أفعال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة ، فكلها حصلت بإيجاد الله تعالى وإحداثه . والموجد للشيء لا بد وأن يكون عالما به ، فوجب كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، وأما على أصول المعتزلة ، فقد قالوا : إنه تعالى حي وكل من كان حيا ، فإنه يصح أن يعلم كل واحد من المعلومات ، والموجب لتلك العالمية ، هو ذاته سبحانه . فنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية ببعض المعلومات كنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية بسائر المعلومات ، فلما اقتضت ذاته حصول العالمية ببعض المعلومات وجب أن تقتضي حصول العالمية بجميع المعلومات فثبت كونه تعالى عالما بجميع المعلومات .

أما قوله تعالى : { إذ تفيضون فيه } فاعلم أن الإفاضة ههنا الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل ، يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه ، وقد أفاضوا من عرفة إذا دفعوا منه بكثرتهم ، فتفرقوا .

فإن قيل : { إذا } ههنا بمعنى حين ، فيصير تقدير الكلام إلا كنا عليكم شهودا حين تفيضون فيه . وشهادة الله تعالى عبارة عن علمه ، فيلزم منه أن يقال إنه تعالى ما علم الأشياء إلا عند وجودها وذلك باطل .

قلنا : هذا السؤال بناء على أن شهادة الله تعالى عبارة عن علمه ، وهذا ممنوع ، فإن الشهادة لا تكون إلا عند وجود المشهود عليه ، وأما العلم ، فلا يمتنع تقدمه على الشيء ، والدليل عليه أن الرسول عليه السلام ، لو أخبرنا عن زيد أنه يأكل غدا كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها ولا نوصف بكوننا شاهدين لها . واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله شيء ، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد ، فقال : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أصل العزوب من البعد . يقال : كلاء عازب إذا كان بعيد المطلب ، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل ، والرجل سمي عزبا لبعده عن الأهل ، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد .

المسألة الثانية : قرأ الكسائي { وما يعزب } بكسر الزاي ، والباقون بالضم ، وفيه لغتان : عزب يعزب ، وعزب يعزب .

المسألة الثالثة : قوله : { من مثقال ذرة } أي وزن ذرة ، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل ، والمعنى : ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة ، وهي تكون خفيفة الوزن جدا ، وقوله : { في الأرض ولا في السماء } فالمعنى ظاهر .

فإن قيل : لم قدم الله ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ : { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض } ؟

قلنا : حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم ، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه ، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع .

ثم قال : { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } وفيه قراءتان قرأ حمزة { ولا أصغر ولا أكبر } بالرفع فيهما ، والباقون بالنصب .

واعلم أن قوله : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة } تقديره وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فلفظ { مثقال } عند دخول كلمة { من } عليه مجرور بحسب الظاهر ، ولكنه مرفوع في المعنى ، فالمعطوف عليه إن عطف على الظاهر كان مجرورا إلا أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف ، فكان مفتوحا وإن عطف على المحل ، وجب كونه مرفوعا ، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل ، وكذا قوله : { مالكم من إله غيره } وغيره وقال الشاعر :

فلسنا بالجبال ولا الحديدا

هذا ما ذكره النحويون ، قال صاحب «الكشاف » : لو صح هذا العطف لصار تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب : وحينئذ يلزم أن يكون الشيء الذي في الكتاب خارجا عن علم الله تعالى وإنه باطل .

وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين :

الوجه الأول : أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد .

وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المخلوقة على قسمين : قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض ، وقسم آخر أوجده الله بواسطة القسم الأول ، مثل : الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والعلوية عن مرتبة وجود واجب الوجود فقوله : { وما يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } ، أي لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين . وهو كتاب كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه ، ومتى كان الأمر كذلك فقد كان عالما بها محيطا بأحوالها ، والغرض منه الرد على من يقول : إنه تعالى غير عالم بالجزئيات ، وهو المراد من قوله { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون }

والوجه الثاني : في الجواب أن نجعل كلمة { إلا } في قوله : { إلا في كتاب مبين } استثناء منقطعا لكن بمعنى هو في كتاب مبين ، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب «النظم » عنه جوابا آخر فقال : قوله : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } ههنا تم الكلام وانقطع ، ثم وقع الابتداء بكلام آخر ، وهو قوله : { إلا في كتاب مبين } أي وهو أيضا في كتاب مبين قال : والعرب تضع «إلا » موضع «واو النسق » كثيرا على معنى الابتداء ، كقوله تعالى : { لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم } يعني ومن ظلم . وقوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا } يعني والذين ظلموا ، وهذا الوجه في غاية التعسف .

وأجاب صاحب «الكشاف » : بوجه رابع فقال : الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله : { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } على قوله : { من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء } إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل ، لكنا لا نقول ذلك ، بل نقول : الوجه في القراءة بالنصب في قوله : { ولا أصغر من ذلك } الحمل على نفي الجنس . وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء ، وخبره قوله : { في كتاب مبين } وهذا الوجه اختيار الزجاج .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ} (61)

{ وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } أي في أمر معتنى به ، من شأنه بالهمز كسأله إذا قصده وقد تبدل همزته ألفاً ، وهو في الأصل مصدر وقد أريد المفعول { وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ } الضمير المجرور للشأن ؛ والتلاوة أعظم شؤونه صلى الله عليه وسلم ولذا خصت بالذكر أو للتنزيل ، والإضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه أو لله عز وجل ، و { مِنْ } قيل تبعيضية على الاحتمالين الأولين وابتدائية على الثالث والتي في قوله سبحانه : { مِن قُرْءانٍ } زائدة لتأكيد النفي على جميع التقادير وإلى ذلك ذهب القطب . وقال الطيبي : إن { مِنْ } الأولى على الاحتمال الأخير ابتدائية والثانية مزيدة ، وعلى الاحتمال الأول الأولى للتبعيض والثانية للبيان ، وعلى الثاني الأولى ابتدائية والثانية للبيان .

وفي إرشاد العقل السليم أن الضمير الأول للشأن والظرف صفة لمصدر محذوف أي تلاوة كائنة من الشأن أو للتنزيل و { مِنْ } ابتدائية أو تبعيضية أو لله تعالى شأنه و { مِنْ } ابتدائية و { مِنْ } الثانية مزيدة وابتدائية على الوجه الأول وبيانية أو تبعيضية على الوجه الثاني والثالث . وأنت تعلم أنه قد يكون الظرف متعلقاً بما عنده ، والتزام تعلقه بمحذوف وقع صفة لمصدر كذلك في جميع الاحتمالات مما لا حاجة إليه . نعم اللازم بناءً على المشهور أن لا يتعلق حرفان بمعنى بمتعلق واحد ، وذهب أبو البقاء إلى أن الضمير الأول للشأن و { مِنْ } الأولى للأجل كما في قوله سبحانه : { مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ } [ نوح : 25 ] و { مِنْ } الثانية مزيدة وما بعدها مفعول به لتتلو وله وجه ، ومما يقضي منه العجب ما قاله بعضهم إنه يحتمل أن يكون ضمير { مِنْهُ } للشأن إما على تقدير ما تتلو حال كون القراءة بعض شؤونك وإما أن يحمل الكلام على حذف المضاف أي وما تتلو من أجل الشأن بأن يحدث لك شأن فتتلو القرآن من أجله فإن الحالية مما لا تكاد تخطر ببال من له أدنى ذوق في العربية ولم نر القول بتقدير مضاف في الكلام إذا كان فيه { مِنْ } الأجلية أو نحوها ، وما في كلام غير واحد من الأفاضل في أمثال ذلك تقدير معنى لا تقدير إعراب ، ويبعد حمل هذا البعض على ذلك كما لا يخفى { هذا } ثم إن القرآن عام للمقروء كلاً وبعضاً وهو حقيقة في كل كما حقق في موضعه ، والقول بأنه مجاز في البعض بإطلاق الكل وإرادة الجزء مما لا يلتفت إليه { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } أي أي عمل كان ، والخطاب الأول خاص برأس النوع الإنساني وسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم وهذا عام ويشمل سائر العباد برهم وفاجرهم لا الأخيرين فقط ، وقد روعي في كل من المقامين ما يليق به فعبر في مقام الخصوص في الأول بالشأن لأن عمل العظيم عظيم وفي الثاني بالعمل العام للجليل والحقير ، وقيل : الخطاب الأول عام للأمة أيضاً كما في قوله تعالى :

{ يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } [ الطلاق : 1 ] { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة أي وما تلابسون بشيء منها في حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له كذا قالوا ، ويفهم منه أن الجار والمجرور متعلق بما بعده ، ولعل تقديمه للاهتمام بتخويف من أريد تخويفه من المخاطبين ، وكأنه للمبالغة فيه جىء بضمير العظمة ، وأن المقصود من الاطلاع عليهم الاطلاع على عملهم { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أي تشرعون فيه وتتلبسون به ، وأصل الإفاضة الاندفاع بكثرة أو بقوة ، وحيث أريد بالأفعال السابقة الحالة المستمرة الدائمة المقارنة للزمان الماضي أيضاً أوثر في الاستثناء صيغة الماضي ، وفي الظرف كلمة { إِذْ } التي تفيد المضارع معنى الماضي كذا قيل ، ولم أر من تعرض لبيان وجه اختيار النفي بما التي تخلص المضارع للحال ععند الجمهور عند انتفاء قرينة خلافه في الجملتين الأوليين والنفي بلا التي تخلص المضارع للاستقبال عند الأكثرين خلافاً لابن مالك في الجملة الثالثة ، ولعل ذلك من آثار اختلاف الخطاب خصوصاً وعموماً فتأمله فإنه دقيق جداً { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ } أي ما يبعد وما يغيب ، ومنه يقال : الروض العازب وروض عزيب إذا كان بعيداً من الناس ، والكلام على حذف مضاف أي وما يعزب عن علم ربك عز وجل أو هو كناية عن ذلك ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الإشعار باللطف ما لا يخفى .

وقرأ الكسائي . والأعمش . ويحيى بن وثاب بكسر الزاي { مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } { مِنْ } مزيدة لتأكيد النفي ، والمثقال اسم لما يوازن الشيء ويكون في ثقله وهو في الشرع أربعة وعشرون قيراطاً . وأخرج ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر ، والصحيح أنه لم يختلف جاهلية وإسلاماً فقد نقل الجلال السيوطي عن الرافعي أنه قال : أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن وهو أن الدرهم ستة دوانيق وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا في الإسلام . والذرة واحدة الذر وهو النمل الأحمر الصغير ، وسئل ثعلب عنها فقال : إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها ، وقيل : الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في الناذة { فِي الارض وَلاَ فِى السماء } أي في جهتي السفل والعلو أو في دائرة الوجود والإمكان لأن العامة لا تعرف سواهما ممكناً ليس فيهما ولا متعلقاً بهما ، والكلام شامل لهما أنفسهما أيضاً كما لا يخفى ، وتقديم الأرض على السماء مع أنها قدمت عليها في كثير من المواضع ووقعت أيضاً في سبأ في نظير هذه الآية مقدمة لأن الكلام في حال أهلها والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه سبحانه بتفاصيلها ، وذكر السماء لئلا يتوهم اختصاص إحاطة علمه جل وعلا بشيء دون شيء ، وحاصل الاستدلال أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء ومن يكون هذا شأنه كيف لا يعلم حال أهل الأرض وما هم عليه مع نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقوله سبحانه : { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } جملة مستقلة ليست معطوفة على ما قبلها ، و { لا } نافية للجنس و { أَصْغَرَ } اسمها منصوب لشبهه بالمضاف وكذا { أَكْبَرَ } لتقدير عمله ، وقول السمين : إنهما مبنيان على الفتح ضعيف وهو مذهب البغداديين ، وزعم أنه سبق قلم متأخر عن حيز القبول ، و { فِى كتاب } متعلق بمحذوف وقع خبراً .

وقرأ حمزة . ويعقوب . وخلف . وسهل بالرفع على الابتداء والخبر ، و { لا } يجوز الغاؤها إذا تكررت ، وأما قولهم : إن الشبيه بالمضاف يجب نصبه فالمراد منه المنع من البناء لا المنع من الرفع والإلغاء كما توهمه بعضهم ، وجوز أن يكون ذلك على جعل { لا } عاملة عمل ليس ، وقيل : إن { أَصْغَرَ } على القراءة الأولى عطف على { مِثْقَالَ } أو { ذَرَّةٍ } باعتبار اللفظ ، وجيء بالفتح بدلا عن الكسر لأنه لا ينصرف للوصف ووزن الفعل ، وعلى القراءة الأخرى معطوف على { مِثْقَالَ } باعتبار محله لأنه فاعل . و { مِنْ } كما عرفت مزيد . واستشكل بأنه يصير التقدير ولا يعزب عنه أصفر من ذلك ولا أكبر منه إلا في كتاب فيعزب عنه ومعناه غير صحيح . وأجيب بأن هذا على تقدير اتصال الاستثناء وأما على تقدير انقطاعه فيصير التقدير لكن لا أصغر ولا أكبر إلا هو في كتاب مبين ، وهو مؤكد لقوله سبحانه : { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ } [ سبأ : 3 ] الخ ، وأجاب بعضهم على تقدير الاتصال بأنه على حد { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى } [ الدخان : 56 ] { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء : 23 ] في رأي ، فالمعنى لا يبعد عن علمه شيء إلا ما في اللوح الذي هو محل صور معلوماته تعالى شأنه بناء على تفسير الكتاب المبين به أو إلا ما في علمه بناء على ما قيل : إن الكتاب العلم ، فإن عد ذلك من العزوب فهو عازب عن علمه وظاهر أنه ليس من العزوب قطعاً فلا يعزب عن علمه شيء قطعاً . ونقل عن بعض المحققين في دفع الأشكال أن العزوب عبارة عن مطلق البعد ، والمخلوقات قسمان قسم أوجده الله تعالى من غير واسطة كالأرض والسماء والملائكة عليهم السلام وقسم أوجده بواسطة القسم الأول مثل الحوادث في العالم وقد تتباعد سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود سبحانه ، فالمعنى لا يبعد عن مرتبة وجوده تعالى ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه سبحانه تلك المعلومات ، فهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، وإثبات العزوب بمعنى البعد عنه تعالى في سلسلة الإيجاد لا محذور فيه وهو وجه دقيق إلا أنه أشبه بتدقيقات الحكماء وأن خالف ما هم عليه في الجملة .

وقال الكواشي : معنى يعزب يبين وينفصل ، أي لا يصدر عن ربك شيء من خلقه إلا وهو في اللوح وتلخيصه أن كل شيء مكتوب فيه . واعترض بأن تفسيره بيبين وينفصل غير معروف ، وقيل : المراد بالبعد عن الرب سبحانه البعد والخروج عن غيبه أي لا يخرج عن غيبه إلا ما كان في اللوح فيعزب عن الغيب ويبعد إذ لا يبقى ذلك غيباً حينئذ لاطلاع الملائكة عليهم السلام وغيرهم عليه فيفيد إحاطة علمه سبحانه بالغيب والشهادة .

ومن هنا يظهر وجه آخر لتقديم الأرض على السماء ، وقيل : إن { إِلا } عاطفة بمنزلة الواو كما قال بذلك الفراء في قوله تعالى : { لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون * إَلاَّ مَن ظَلَمَ } [ النحل : 01 11 ] والأخفش في قوله سبحانه : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } [ البقرة : 150 ] وقوم في قوله جل شأنه : { الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم } [ النجم : 32 ] وهو مقدر بعدها ، والكلام قد تم عند قوله سبحانه : { وَلا أَكْبَرَ } ثم ابتدأ بقوله تعالى : { إِلاَّ فِى كتاب } أي وهو في كتاب ونقل ذلك مكي عن أبي علي الحسن بن يحيى الجرجاني ثم قال : وهو قول حسن لولا أن جميع البصريين لا يعرفون { إِلا } بمعنى الواو ، والانصاف أنه لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى العزيز على ذلك ولو اجتمع الخلق إنسهم وجنهم على مجيء إلا بمعنى الواو ، وقيل : آن الاستثناء من محذوف دل عليه الكلام السابق أي ولا شيء إلا في كتاب ؛ ونظيره { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } [ الأنعام : 38 ] ويكون من مجموع ذلك إثبات العلم لله تعالى في كل معلوم وإن كل شيء مكتوب في الكتاب ، ويشهد لهذا على ما قيل كثير من أساليب كلام العرب . ونقل عن صاحب كتاب تبصرة المتذكر أنه يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً بما قبل قوله تعالى : { وَلاَ * يَعْزُبُ } ويكون في الآية تقديم وتأخير ، وترتيبها وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا في كتاب مبين إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه إلى ولا أكبر ، وتلخيصه وما من شيء إلا وهو في اللوح المحفوظ ونحن نشاهده في كل آن . ونظر فيه البلقيني في رسالته المسماة بالاستغناء بالفتح المبين في الاستثناء في { وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } بأنه على ما فيه من التكلف يلزم عليه القول بتركيب في الكلام المجيد لم يوجد في كلام العرب مثله أعني إلا في كتاب مبين إلا كنا عليكم شهوداً وليس ذلك نظير .

أمرر بهم الا الفتى إلا العلا . كما لا يخفى .

وأنت تعلم أن أقل الأقوال تكلفا القول بالانقطاع ، وأجلها قدراً وأدقها سراً القول بالاتصال وإخراج الكلام مخرج { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء : 23 ] ونظائره الكثيرة نثراً ونظماً ، ولا عيب فيه إلا أن الآية عليه أبلغ فليفهم ،

( ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فيه } إخبار منه تعالى بعظيم اطلاعه سبحانه على الخواطر وما يجري في الضمائر فلا يخفى عليه جل شأنه خاطر ولا ضمير { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير } [ الملك : 14 ] ثم أخبر جل وعلا عن سلطان إحاطته على كل ذرة من العرش إلى ما تحت الثرى بقوله تبارك اسمه : { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الارض وَلاَ فِى السماء } [ يونس : 61 ] أي إن علمه سبحانه محيط بما في العالم السفلي والعلوي فكل ذرة من ذراته داخلة في حيطة علمه كيف لا وكلها قائمة به جل شأنه ينظر إلى كل في كل آن نظر الحفظ والرعاية ولولا ذلك لهلكت الذرات واضمحلت سائر الموجودات .